لم يكن من قبيل المصادفة ان ترفض الولايات المتحدة كافة الدعوات التي انطلقت من غير ما مكان في العالم لعقد مؤتمر دولي حول الارهاب، يكون معنياً بتعريف الارهاب أولا، وتحديد اسبابه ودوافعه وجذوره الفكرية والسياسية والاجتماعية ثانيا، ويقوم بوضع استراتيجية دولية لمحاربته وتجفيف منابعه وتحديد الالتزامات المتبادلة لكافة دول العالم في خوض المعركة ضده، وتعيين الوسائل والادوات المستخدمة فيها ثالثا. ويسجل لجمهورية مصر العربية انها كانت صاحبة اول دعوة جادة لعقد مؤتمر كهذا في مطلع عقد التسعينيات من القرن الماضي، حيث كانت الشخصيات السياسية والمثقفون والمنشآت والمصالح الاقتصادية وخاصة في مجال السياحة، احد اهم مصادر الدخل القومي المصري، اهدافاً مباشرة للعمليات الارهابية من خلال الاغتيالات واعمال التخريب المنظمة من جانب عدد من الجماعات المتطرفة، التي سلكت سبيل العنف لتحقق اهدافها القريبة والبعيدة على حد سواء. ولم تكن الدعوة المصرية تهدف الى اشراك الدول الاخرى في معالجة مشكلة داخلية مصرية ولكن لان العديد من الدول الاوروبية والولايات المتحدة وعدد من الدول العربية كانت تؤوي الجماعات الارهابية المصرية، ومن اراضيها كان الارهابيون يخططون لعملياتهم، وينطلقون ويتلقون الاموال، ويحصلون فيها على الملاذ الآمن، ولم تكن طلبات الجهات الرسمية في مصر بتسليم الارهابيين تلقى آذانا صاغية في هذه البلدان الامر الذي كان يثير بصورة او باخرى الشبهات حول مدى تورط هذه البلدان في الاعمال الارهابية التي تتعرض لها مصر. وغالبا ما كانت الدول المعنية بالطلبات المصرية تعلل رفضها بقوانين اللجوء المقرة فيها ، وبأنها ليست طرفا في هذه المواجهة خاصة انها تجري خارج اراضيها، ولذا لم تلق فكرة المؤتمر الدولي حول الارهاب قبولاً من جانب القوى الدولية الاساسية. وما ان تعرضت الولايات المتحدة لتفجيرات 11 سبتمبر العام الماضي حتى تأكدت القوى الدولية الكبرى من انها ليست في مأمن خطر الارهاب وشروره، وان ما يمكن ان يصيبها من اضراره قد يكون افدح بكثير مما يحيق بالدول الصغيرة وكان الشاهد في هذا الصدد ماثلاً بضرب اعظم رموز القوة الاميركية الاقتصادية والعسكرية «مركز التجارة الدولي بنيويورك، ومبنى وزارة الدفاع في واشنطن» وسقوط آلاف القتلى، علاوة على تكبد الاقتصاد الاميركي خسائر فادحة تصل الى مئات المليارات من الدولارات. واثر احداث 11 سبتمبر غدت فكرة المؤتمر الدولي حول الارهاب اكثر وجاهة وتزايد انصارها في ارجاء العالم وانضمت دول كبرى مثل الصين وفرنسا وروسيا الى تبني الدعوة بتأثير الاحساس بحجم الخطر الذي يهدد العلاقات الدولية، والنظام الدولي، سواء جراء توسع قاعدة النشاط الارهابي العالمي للجماعات المتطرفة وتهديدها لمصالح الدول الكبرى داخل بلدانها أو خارجها، او بفعل ما يمكن ان ينجم عن خروج الولايات المتحدة الى الساحة الدولية تحت راية محاربة الارهاب من اضطراب وفوضى عارمة في الاوضاع الدولية، وبالتالي اعادة صياغتها وفقا للمنظور الاميركي وللمصالح الاميركية فقط، خاصة ان العالم خرج لتوه من مرحلة الحرب الباردة وغدت مهمة صياغة نظام عالمي جديد لما بعد الحرب الباردة مطروحة على جدول العلاقات الدولية ومما يزيد في جعل هذه المهمة ملحة انها طرحت في ظروف حساسة تتسم باشتداد التنافس بين القوى والتكتلات الاقتصادية الكبرى وتسابقها على مراكز النفوذ السياسي والاقتصادي والعسكري في كثير من المواقع على الساحة الافريقية، التي تمر بمخاضات عسيرة، وعلى الساحة الاسيوية وشرق اوروبا حيث ترك انهيار الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية فراغات هائلة تجتذب طاقات التسابق لملئها. واذا كانت الولايات المتحدة قد منيت بخسائر فادحة جراء احداث 11 سبتمبر فإنها وجدت في هذه الاحداث ذريعة ملائمة تبرر خروجها الى الساحة الدولية في موجة جديدة من المد الاستعماري الامبريالي تتوافق مع عقلية اليمين الاميركي العائد الى الحكم بنجاح جورج بوش الابن الى كرسي الرئاسة وحصول الحزب الجمهوري على الاغلبية في الكونغرس وتشكل المجموعة الحاكمة من ائتلاف مرعب يجمع بين الصقور المعتقين من ذوي النزعة اليمينية المتشددة مثل نائب الرئيس ديك تشيني ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد، وبين الشباب التواق للمغامرة واستخدام العنف مثل الرئيس جورج بوش الابن نفسه ومستشارته للامن القومي كوندوليزا رايس. ويوما عن يوم تتعاظم مخاطر الموجة الاستعمارية الامبريالية الجديدة جراء التصريحات النارية الصادرة عن اقطاب الادارة السياسية الاميركية والمترافقة مع الاستعدادات والحشود العسكرية ورسم مخططات معينة لاشعال الحروب ليس ضد ما يسميه القادة الاميركان بؤر الارهاب فحسب، بل وضد الخصوم التقليديين للولايات المتحدة الذين اطلقت عليهم مصطلح محور الشر «العراق، ايران، كوريا الشمالية» وتزايد نزعة العداء للعرب والمسلمين وتصاعد الحملات الاعلامية ضد المملكة العربية السعودية وبعض الدول العربية الاخرى المتهمة بتمويل الارهاب وانتاج اصناف مختلفة من الجماعات الارهابية. ووسط حمى التصريحات والاستعدادات العسكرية تتراجع الاصوات المراهنة على فعالية التحركات الدبلوماسية والحلول السياسية في تحقيق الاهداف الاميركية والمصالح التي حددتها لنفسها وأوشك قائد الدبلوماسية الاميركية كولن باول على حزم حقائبه ومغادرة منصبه، لان مركز صناعة السياسة الخارجية انتقل عملياً من مبنى وزارة الخارجية الى مبنى البنتاغون وحلت البوارج الحربية وحاملات الطائرات محل الرحلات المكوكية لوزير الخارجية ومساعديه. لقد جربت الادارة الاميركية الحالية الخروج العسكري الاول الى افغانستان تحت راية محاربة الارهاب، ووجدت تفهما عالميا لمهمتها هناك، واكثر من ذلك حصلت على ما تحتاجه من تأييد ومن استعداد للمشاركة والتعاون، لكن مهمة الخروج الاول لم تحقق اهدافها المعلنة في القضاء على الارهاب، على الرغم من انها اطاحت بحكومة طالبان، وشيئاً فشيئاً تراجعت عمليات المطاردة لفلول القوات العسكرية التابعة لحركة طالبان، ومجندي تنظيم القاعدة وحافظ الجهاز القيادي للحركة والتنظيم على عافيته، وعلى سلامة اهم وابرز كوادره ورموزه، وما اصابهما من اضرار وخسائر يعد طفيفاً بالقياس الى حجم ونوع الاسلحة والضربات التي نفذتها القوات الاميركية في افغانستان، غير ان الجهد الاساسي للمهمة الاميركية هناك تحول من تعقب النشاط الارهابي الى ممارسة ادوار سياسية في ترتيب الشئون الداخلية الافغانية، واعادة صياغة الاوضاع هناك وفق منظور المصالح السياسية والاستراتيجية للولايات المتحدة، والى جانب ذلك البحث عن اكثر من موطيء قدم في المنطقة يتيح للولايات المتحدة التواجد على مقربة من بحيرة النفط الواعدة في بحر قزوين، ومن دون ان تبدي الادارة الاميركية اهتماماً حقيقياً بتوفر غطاء ملائم لوجودها في قلب آسيا حولت مهمتها هناك من ادعاء خوض الحرب ضد الارهاب، الى شبكة مكثفة من الممارسات والاجراءات في اطار تحقيق المصالح وتوسيع مسرح نفوذها العالمي. وعلى قاعدة المكتسبات المحققة في الخروج العسكري الاول تسعى الادارة الاميركية الى ترتيب الخروج الثاني من خلال الحملة العسكرية التي تهيئها بضرب العراق، غير ان متغيرات مهمة طرأت على الموقف الدولي، تجعل الخروج الثاني مهمة سافرة في اطار الموجة الاستعمارية الامبريالية الجديدة التي يقودها اليمين الحاكم حالياً في الولايات المتحدة، فمن جهة قوبلت النوايا العدوانية ضد العراق برفض دولي واسع شمل الحلفاء الاوروبيين باستثناء الادارة البريطانية ولذا تأكد رفض روسيا والصين والدول العربية دون استثناء، وامتد الرفض الى الاوساط السياسية الاميركية بما في ذلك بعض اوساط الحزب الجمهوري.. ومن جهة ثانية اخفقت ادارة بوش الابن في العثور على اية ادلة او ذرائع تجعل الحملة العسكرية ضد العراق في اطار الحرب ضد الارهاب، والاهم من ذلك ان ادارة بوش الابن تخلت عن شرعية التدخل في العراق بدعوى تنفيذ قرارات مجلس الامن القاضية بنزع وتدمير اسلحة الدمار الشامل التي يمتلكها العراق، وبينما كادت الامم المتحدة ان تصل الى اتفاق مع العراق يسمح بعودة فرق التفتيش عن اسلحة الدمار الشامل الى بغداد، تعالت التصريحات الرسمية الاميركية بأن اسقاط النظام العراقي هو الهدف، حتى وان وافق على عودة فرق التفتيش. وعليه فإن المجتمع الدولي ـ وبضمنه الدول العربية ـ لا يحتاج الى اسباب قوية تجعله يبدل قناعته بأن الحرب التي تشنها الولايات المتحدة او تخطط لشنها، لم تعد حربا ضد الارهاب، وانما من اجل تحقيق المصالح ذات الطابع الاستعماري الجديد، وتوسيع مواقع النفوذ وتأمينها. ويرتبط بتحقيق هذه الاهداف حقيقة ان الولايات المتحدة لاتزال ترفض التوصل الى استراتيجية دولية توافق عليها وتشترك في وضعها الاطراف الدولية المختلفة وتتحدد على اساسها وسائل واهداف الحرب ضد الارهاب والمسئوليات المشتركة لدول العالم في هذا الاطار. واذا ما وضعنا تحت طائلة الفحص اهداف الحملة الدبلوماسية الاميركية التي انطلقت بعد احداث 11 سبتمبر مباشرة وخلالها حمل عاملون في السفارات الاميركية في العواصم العربية ومعهم مبعوثون قادمون من واشنطن الى النخب السياسية والثقافية العربية سؤالاً يقول لماذا تكرهوننا؟ يتبين الآن ان تلك الحملة لم تكن بغرض البحث عن اجابة مقنعة وانما استهدفت القيام بتهيئة مبكرة لشروط غزوة استعمارية جديدة تتعرض لها البلاد العربية تبدأ بالعراق ولن تنتهي إلا بآخر قطر عربي مهما قل شأنه وصغر حجمه في خارطة الاهتمامات الاقتصادية ومواقع النفوذ الاستراتيجية المطلوب تحريرها. لقد اقتصر الاهتمام الاميركي في موضوع الارهاب على تنميته في المرحلة الاولى لمحاصرة وانهاك الاتحاد السوفييتي والمنظومة الدولية الحليفة له، وفي المرحلة الثانية توقف الاهتمام الاميركي عند حدود فك الارتباط بالارهاب، وترك مهمة محاربته للاطراف المحلية دون الالتفات الى المسئوليات الاخلاقية التي تملي على الولايات المتحدة تقديم العون اللازم للدول الصغيرة التي انخرطت في مواجهة عنيفة مع الارهاب من وقت مبكر وعندما حلت كارثة الارهاب في الولايات المتحدة نفسها لم تقم بتطوير استراتيجية دولية فعالة لمحاربته بل انشغلت بتحقيق مصالحها وتوسيع مناطق نفوذها حتى وان دفعها ذلك الى ممارسة الاعمال الارهابية بشكل صريح. واستذكر بهذا الصدد حواراً جرى في شهر فبراير 96م بين ريتشارد مورفي نائب وزير الخارجية الاسبق في عهد الرئيس جيمي كارتر، وبين كاتب هذه السطور في مبنى مركز كارتر للابحاث في مدينة اتلانتا بولاية جورجيا، وهو واحد من اهم بنوك المعلومات ومراكز الابحاث الاميركية المهتمة بالشئون الدولية. كان مورفي عاد لتوه من رحلة في الشرق الاوسط ضمن مهمة بحث واتصالات تتعلق بدراسة ظاهرة الارهاب وبعد شروح مطولة بخطورة الظاهرة الارهابية المتفشية في البلدان العربية اكد مورفي بأن محاربة الارهاب هي المهمة الابرز امام الدول العربية وانها لوحدها مسئولة عن وضع حد لهذه الظاهرة، وفي اطار اخلاء مسئولية بلاده من المشاركة في هذه المواجهة وتحمل اعبائها كجزء من الثمن الذي يتعين على الولايات المتحدة دفعه لقاء دورها في تنشئة وتدعيم ارهاب الجماعات الاسلامية الاصولية المتطرفة اثناء الحرب الباردة خاطب مورفي تسعة من الصحفيين العرب كان كاتب هذه السطور واحداً منهم جاءوا الى هناك ضمن برنامج اعدته وكالة الاعلام الاميركية: انتم لوحدكم ستعانون خطر الارهاب، اما نحن فعندما يقترب خطر الارهاب منا او من مصالحنا في منطقتكم فسننسحب الى ما وراء المحيط، وسنخصص انفسنا هنا على بعد آلاف الكيلومترات من منطقتكم. تذكرت حديث مورفي في اثناء لقاء جمعني بدبلوماسي اميركي في صنعاء، حرص على طرح سؤال الساعة بالنسبة لهم: لماذا تكرهوننا؟.. فأجبته: لماذا تعتقدون ان علينا ان نحبكم؟ هل فعلتم من اجلنا شيئاً يجعلنا مدانين لكم بالحب؟ وفي تقديري ان الولايات المتحدة لم تحسب حساب قدرة الارهاب على تجاوز المحيط لتهديدها في عقر دارها ومع انه قد فعل ذلك إلا انها حتى الآن لم تدرك اهمية دورها في توفير شروط مواجهته في عقر داره بل انها عازمة على صب الزيت على النار بخروجها في موجة استعمارية جديدة الى منطقة كل مآسيها جاءت من الاستعمار. ـ كاتب يمني