الأحداث التي شدت انتباه العالم إلى حد الذهول في ذلك الصباح المشؤوم للحادي عشر من سبتمبر في عام واحد من القرن الواحد والعشرين، والتي ستظل عشرات وربما مئات السنين ، مثاراً لدعاوى للتفسير تلتقي مرات وتتناقض مرات، تلك الأحداث لم تكن فقط انهيار صرحين ظن مشيدوهما ان لا سبيل ولا حتى للزلازل ان تحيلهما الى كومة هائلة من الاتربة، ولكن هكذا صارا في لحظات امام عالم مشدوه امام الكاميرات، وكأنه فيلم برع مخرجه في خداع المشاهدين، لم تكن فقط نهاية حياة الالوف من ابرياء استقبلوا لتوّهم يوماً من أيام العمل، وما كادوا يعتدلون على مكاتبهم بعضهم مستبشراً والآخر متوجساً مما قد يخبئه القدر، وان لم يدر بخلدهم انها دقائق تفصل بينهم وبين الموت، لم تكن تلك الاحداث مجرد دمار لصروح او سفك لدماء بريئة، على ما في ذلك من فظاعة وقسوة قد يظن الكثيرون انها تتجاوز قدرات البشر، كانت تلك الاحداث بركاناً هائلاً جارفاً دمّر ضمن ما دمّر مفاهيم استراتيجية ظلت صامدة لعدة قرون، وفتح المجال امام مفاهيم جديدة تتضاءل امامها تلك التي شغلت اهتمام العالم منذ ان ودّع عقود الحرب الباردة وودّع معها احد قطبيها لينفرد القطب الآخر بلقب الدولة العظمى الوحيدة، مفاهيم ونظريات من قبيل نهاية التاريخ وصراع الحضارات، مفاهيم شغلت ولا تزال تشغل العالم، الا ان احداث الحادي عشر من سبتمبر نقلتها الى الظل واحتلت مركز الصدارة بغمامة لا يعرف احد متى تغيب او تتوارى، ان كان مقدرا لها ان تغيب او تتوارى قبل ان تغير العالم الذي نعرفه بخيره وشره الى عالم ما بعد أحداث سبتمبر. من احداث 11 سبتمبر خرج فكر استراتيجي جديد قديم، أو قديم في ثوب جديد، يتخذ من تلك الأحداث مبرراً سانحا كي يعيد الى الحياة دعوى ظن الكثيرون انها اختفت وراء ماض قريب بحساب السنين، بعيد بحساب ما حققته الشعوب من تقدم في نضالها من اجل السيادة والاستقلال والتطلع الى مستقبل تحقق فيه اماني قومية، تلك هي الدعوة الى عود لعهود الاستعمار، ودور لا غنى عنه، بل تدعو اليه الحاجة الملّحة، لنظام امبريالي يوصف بالامبريالية الجديدة، دعوة صريحة الى ان يستعيد الغرب دوره الامبريالي في السيطرة على العالم. ومن احداث 11 سبتمبر انطلقت الدعوة الى تجاهل حقوق الامم في السيادة القومية وتجاهل الأمم المتحدة والقانون الدولي وابتداع قانون جديد يسمح للقوى العظمى في العالم ان تأخذ القانون في يدها وان تمارس دوراً تأديبياً يستهدف من يخرج عما تضعه من نواميس، وان تعطي لنفسها منفردة الحق في استخدام القوة، لا تلتزم في سلوكها بقوانين او مواثيق دولية، بل تعطي لنفسها الحق في الثواب والعقاب وكأنها قد اصبحت صاحبة رسالة تنشرها بما تملك من القدرة على الدمار. واخيراً وليس آخراً اتخذت اسرائيل من احداث 11 سبتمبر، ومن الحرب الضروس التي اعلنتها الولايات المتحدة ضد الإرهاب نتيجة لتلك الاحداث، ذريعة تبرر بها ارتكاب جرائم وحشية في حق الشعب الفلسطيني لتطيل امد احتلالها لمدنه وقراه، رغم العشرات من قرارات المجتمع الدولي ممثلاً في الأمم المتحدة ومجلس الأمن، ورغم اتفاقيات اوسلو وما اعقبها من مواثيق، زاعمة انها بدورها تتعرض لأعمال ارهابية، وما تحله واشنطن لنفسها من بطش بمن تراهم وراء احداث 11 سبتمبر لابد ان يكون كذلك حلاً لإسرائيل، منطق رفضه العالم ولكن باركه الرئيس الأميركي معلنا حق إسرائيل في ان تدافع عن نفسها. اما الاحتلال الإسرائيلي لمدن فلسطين وقراها وما تمارسه إسرائيل من اعمال قمع وحشية، فتلك تفاصيل لا تعني الكثير. الدعوة الصريحة إلى عودة الامبريالية خرجت من مركز بحوث في لندن وثيق الصلة بصانع القرار السياسي، واعني «مركز الدراسات الخارجية» وهو مركز حديث العهد انشيء عام 1998 بهدف تناول المشكلات والاوضاع العالمية واقتراح أساليب جديدة في التفكير، وافتتحه توني بلير رئيس الوزراء البريطاني وروبين كوك وزير خارجيته حينذاك، وانطلقت من ذلك المركز دعوى الامبريالية الجديدة في كتيب صدر قبل شهور قليلة بعنوان «اعادة تنظيم العالم ـ النتائج الطويلة المدى للحادي عشر من سبتمبر» ومن الدراسات التي اشتمل عليها الكتاب واثارت ضجة كبيرة دراسة بعنوان «دولة ما بعد الحداثة» ـ كتبها واحد من الدبلوماسيين البريطانيين المعروفين هو «روبرت كوبر» وهو من الخبراء في الشئون الاسيوية وشئون افغانستان وقضايا الارهاب الدولي، والدراسة تضع اطاراً ومفاهيم جديدة للعلاقات الدولية تؤكد فيها الحاجة إلى عودة النظام الامبريالي، وكتب رئيس الوزراء تقديما للكتاب يقول فيه «ان احداث 11 سبتمبر وضعتنا وجها لوجه امام العولمة كحقيقة واقعة، وان هذه الأحداث تشكل تحدياً لأمن الغرب والقيم التي تقوم عليها المجتمعات الغربية». ووصف الدراسات التي يشملها الكتاب بأنها «تمثل تخطيطاً لعالم أكثر عدلاً ورخاء وأمناً». ونظرية الامبريالية الجديدة تطرح تفسيراً للعلاقات الدولية يعتمد على تقسيم دول العالم الى ثلاث منظومات، منظومة ما يسمى «دول ما بعد الحداثة» وتشمل بصفة عامة العالم الغربي، ومنظومة الدول الحديثة او الدول القومية بالمعنى التقليدي، على سبيل المثال الصين والبرازيل وغيرهما، واخيراً ما يسمى دول ما قبل الحداثة، وهي الدول التي لا تخضع لسلطة مركزية مستقرة، ويضرب مثلا بأفغانستان حتى وقت قريب، أي ما قبل الحملة الأميركية، وببعض المناطق في أميركا اللاتينية التي تخضع لعصابات الجريمة المنظمة وبارونات المخدرات. دول ما بعد الحداثة لا تعتمد في العلاقات فيما بينها على التوازن او تعطي الأولوية لمبدأ السيادة الوطنية او تفصل بين مسائل السياسة الخارجية والداخلية. النموذج الواضح هو الاتحاد الأوروبي وهو نظام على درجة عالية من التطور للتدخل المتبادل للدول في شئون بعضها البعض حتى في مواصفات المأكولات والمشروبات إلى جانب الشفافية في مسائل الأسلحة ونشرها والتفتيش المتبادل. ومن التغيرات التي صاحبت هذا التطور تراجع الدافع الامبريالي، تمتعت غرب أوروبا بالسلام طوال نصف قرن. لم تعد هناك دولة اوروبية ترغب في محاربة دولة اخرى. الاتحاد الأوروبي ومنظمة حلف شمال الاطلسي لعبا دوراً مهماً في تعزيز هذا الوضع، خلقا الاطار لتوحيد المانيا دون ان يشكل هذا التوحيد خطراً على بقية أوروبا مثل توحيد المانيا عام 1871. احدثا آلاف الاجتماعات بين الوزراء والمسئولين والمختصين بقرار الحرب والسلام. استقرار سياسي لم يعرفه الغرب من قبل. الاتحاد الأوروبي اكثر النماذج تقدماً وتطوراً لنظام ما بعد الحداثة والأمن من خلال الشفافية والاعتماد المتبادل. داخل عالم ما بعد الحداثة لا توجد تهديدات امنية بالمعنى التقليدي، لا احد يفكر في غزو احد، اعضاء ما بعد الحداثة لا يشكلون خطراً على بعضهم البعض. الخطر يأتي من عالم الحداثة ومن عالم ما قبل الحداثة، خطر دول الحداثة التقليدية امر مألوف وليس جديداً، نظام الدولة التقليدي لا يزال قائماً في منظومة تلك الدول ويطبق مباديء الامبريالية واولوية المصالح القومية، الاستقرار لا يتحقق إلا بالتوازن بين القوى المعادية، قد يدخل عنصر نووي في معادلة التوازن، التحدي الذي يواجه عالم ما بعد الحداثة هو ان يعتاد على فكرة المعايير المزدوجة، داخله تجري الأمور على اساس القانون والتعاون المفتوح، عند التعامل مع دول خارج ما بعد الحداثة يعود الى الأساليب القديمة: استخدام القوة والهجوم الوقائي والخداع وأي أسلوب ضروري للتعامل مع الذين لا يزالون في القرن التاسع عشر: نحافظ على القانون فيما بيننا ولكن في الغابات نطبق قانون الغاب. دول ما بعد الحداثة قادرة إذن على التعامل مع دول الحداثة التقليدية بالأساليب المألوفة، الدبلوماسية او الحرب، ولكن الخطر الذي يمثله عالم ما قبل الحداثة خطر جديد، دول لا تنطبق عليها معايير الدول الحديثة، لا توجد سلطة تحتكر استخدام القوى، السلطة المركزية في تلك الدول فقدت الشرعية وانهارت «في عالم ما قبل الحداثة الفوضى هي الشيء الطبيعي والحرب أسلوب حياة»، «دول ما قبل الحداثة قد تكون على درجة من الضعف لا تكفل أمن اراضيها ولا تشكل خطراً على المستوى الدولي، ولكنها تعطي قاعدة لتنظيمات او اشخاص يشكلون خطراً على دول ما بعد الحداثة: هذه الدول ستضطر إلى الرد، تمارس «امبريالية دفاعية». لابد من التعامل مع فوضى ما قبل الحداثة، ترك الفوضى يحمل خطراً اكبر من خطر التدخل. الاكثر منطقياً هو ما فعله الغرب في الماضي: الاستعمار. جميع الظروف التي تدعو للامبريالية حاضرة وجاهزة، لا يزال الضعيف في حاجة الى القوي ولا يزال القوي في حاجة الى عالم يسوده النظام، عالم تقوم فيه الدول القوية ذات الحكم الجيد بتصدير الاستقرار والحرية، عالم مفتوح امام الاستثمار والنمو. نوع جديد من الامبريالية مقبول لعالم حقوق الانسان، امبريالية تهدف إلى احداث النظام والتنظيم ولكنها تعتمد على المبدأ الطوعي الاختياري. هذه هي امبريالية ما بعد الحداثة: تأخذ شكلين، امبريالية تطوعية ممثلة في الاقتصاد العالمي تعمل عن طريق كونسورتيوم دولي من خلال مؤسات دولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وتقدم مساعدات للدول الراغبة في ان تشق طريقها نحو الاقتصاد العالمي، مقابل ذلك تضع هذه المؤسسات مطالب لعلاج الخلل الاقتصادي والسياسي في تلك الدول. المساعدات ترتبط بأسلوب الحكم، على الدول الراغبة في المساعدات ان تفتح نفسها امام تدخل المنظمات الدولية والدول الأجنبية. الشكل الثاني للامبريالية هو امبريالية الجوار: عدم الاستقرار في بلد مجاور يشكل خطراً لا يمكن تجاهله، سوء الحكم والعنف العرقي في البلقان شكل خطراً على أوروبا: كان الرد محميات اوروبية في البوسنة وكوسوفو. من الخطر ان تقع دولة مجاورة في حالة عدم استقرار. ويضرب الدبلوماسي البريطاني مثلاً بأحداث 11 سبتمبر قائلاً انها اثبتت ان عالم اليوم جميعه عالم جوار. وهكذا يستكمل الاطار الفكري للدعوة إلى سياسات القوة والاستعمار والامبريالية. امبريالية تطوعية كما يسميها، وقد وصف احد المعلقين تلك الدعوة إلى امبريالية «تطوعية» بأنها دعوة الى «عبودية مستنيرة»! والرسالة التي تحملها هذه النظرية هي ان الدول الغربية لم يعد عليها ان تراعي القانون الدولي في تعاملها مع دول الشكل القديم، ويمكنها ان تستخدم القوة عن غير طريق الأمم المتحدة وان تفرض محميات وان تغير نظم الحكم حسبما تشاء، وبدلاً من الأساس القانوني للعلاقات الدولية تسعى هذه النظرية إلى ان تبتكر ما تسميه «أساس اخلاقي» رسالة تتخطى القوانين، وهكذا يظهر الوجه الجديد للامبريالية: انهاء الاطار القانوني للأمم المتحدة واحياء الدعوى القديمة للامبريالية بأنها تحمل رسالة نشر المدنية، وبذلك تتحول الامبريالية الجديدة إلى امبريالية قديمة. وفي الوقت الذي تنطلق فيه من مركز الدراسات الخارجية في لندن الدعوة إلى امبريالية جديدة، ترتفع في الجانب الآخر من الأطلسي الدعوة إلى اعادة تعريف مفهوم السيادة الوطنية، وتأتي هذه الدعوة في مقابلة لريشارد هلس، احد معاوني كولن باول، مع صحيفة «نيويوركر» حول السياسة المقبلة ضد الإرهاب، ويبشر فيها بمبدأ جديد حول حدود السيادة الوطنية، السيادة الوطنية في نظره ترتبط بالتزامن، أولاً على الحكومة ألا تسيء معاملة شعبها، وثانياً عدم مساندة الإرهاب بأية طريقة. اذا فشلت أية حكومة في احد الالتزامين فإنها بذلك تفقد بعض مزايا السيادة بما في ذلك الحق في ان تترك وشأنها داخل اراضيها. في الوقت نفسه تكتسب الحكومات الأخرى بما في ذلك الولايات المتحدة حق التدخل، وفي حالة الإرهاب تمارس تلك الدول حق العمل الوقائي وحق الدفاع عن النفس، ويصف مهاجمة العراق بأنها دفاع عن النفس. وهكذا يكرر ما يقوله الدبلوماسي البريطاني: الدعوة إلى الهجوم الوقائي ضرورة للتعامل مع الذين يعيشون في القرن التاسع عشر. كاتب مصري ـ لندن