أدى حدث 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة الأمريكية، وماتلاه من تداعيات وتطورات الى أن يعيش ويشاهد العالم وقائع الحرب الكونية الثالثة.. تلك الحرب التي بدأت عملياتها العسكرية في افغانستان يوم 7 أكتوبر من عام 2001،، ولا يعرف أحد - على وجه اليقين - متى وأين وكيف ستنتهي؟! وبعد مرور عام على أحداث سبتمبر، وحول الأبعاد المتعددة للحرب ضد الارهاب ونجاحاتها واخفاقاتها، ومستقبلها وتأثيرها على تمتع الشعوب والأفراد والجماعات بالأمن والسلام وحقوق الإنسان وغيرها من القضايا المصيرية في المنطقة العربية على وجه الخصوص أجرى الملف السياسي هذا التحقيق مع عدد من الخبراء السياسيين والاستراتيجيين. في البداية يرى الدكتور عبدالمنعم سعيد مدير مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام ان هناك خللاً واضحاً في كيفية تعاملنا كعرب مع الحادث، وقال ان هناك مشكلة يجب أن نتعامل معها، خاصة أن هذا الحدث لا يزال مستمرا، وهو غير عادي، ليس في عدد الضحايا الذين سقطوا فيه ولكن لطبيعته. وأضاف.. سنجد أن هناك منظمات غير حكومية تنتمي الى المجتمع المدني الذي يفترض اننا ندافع عنه أقدمت على ضرب دولة عظمى.. الأمر الذي ترتب عليه أن تضرب هذه الدولة العظمى شبه دوله، أي افغانستان، وبالتالي أصبح عندنا أبعاد متعلقة بالنصر والهزيمة، والوضع الاخلاقي والقانوني، وأتصور أننا نحتاج الى اجتهاد لكي نفهم المشكلة ونضعها في الاطار الصحيح، والأهم أن نتعامل مع مايكشفه هذا الحدث عنا نحن المصريين والعرب. وقال د.عبدالمنعم سعيد.. ان هناك نقطتين هامتين تتعلقان بهذا الحدث، وأولاهما تتعلق يتعلق بالتطورات الحادثة في النظام الدولي، أما الثانية فهي تتعلق بكيف تعامل العرب مع الحدث، وماهو الصواب والخطأ في هذا التعامل. ويضيف أنه بالنسبة للنقطة الأولى سنجد أن فيها اشكالية ضخمة بمعنى ان النظام الدولي قبل حوالي 10 سنوات كان قد تحول مما يسمى نظام الحرب الباردة الى نظام العولمة، وأنا هنا لن أقيم هذا النظام، اذا ما كان سيئا أو جيدا، ولكن الذي أريد أن أوضحه أن أحداث 11 سبتمبر جاءت كنقطة اعتراضية على العولمة، وبالتالي طرحت سؤالا هاما وهو الى أي حد تستطيع العولمة أن تطبق نظامها من خلال تدفق السلع والخدمات والبشر والمعلومات وخلافه على المستوى الانساني كله.. لقد حدث انقطاع لهذه العولمة، أو على الاقل أضيف اليها بعدا آخر يتعلق بالمعركة ضد الارهاب الموجودة حاليا.. ولذا علينا أن ننظرالى هذه النقطة ونحللها بشكل متعمق، وذلك لأن المنطقة العربية ومصر تحديدا منطقة شديدة الحساسية والتأثر، وعلينا ان نعرف ماهو موقعنا الآن، هل نحن في موضع العداء مع الغرب، أم نحن في عداء مع الارهاب. ويقول د.عبدالمنعم سعيد، ان هناك التباساً شديداً في الفهم لدى بعض الباحثين والكتاب العرب، حيث يتصور البعض ان النظام الدولي هو عبارة عن دولة وفيها قانون دولي ومحكمة دولية فيها رئيس دولة هو كوفي عنان، في حين ان النظام الدولي ليس كذلك، وان هناك قواعد يحاول المجتمع الدولي ان يبنيها، وقد تعرضت هذه القواعد لضربة كبيرة في 11 سبتمبر. أما النقطة الثانية وهي ما الذي يكشفه هذا الحدث بالنسبة للعرب، فيمكن القول أن أول وأهم كشف هو «العزلة» فقد أصبح موقف أغلب دول العالم بما فيها دول اسلامية كبرى مغايرا لما كان تجاه العرب وقضاياهم الاساسية، فهناك اندونيسيا وماليزيا وتركيا أعلنوا شبه طلاق مع العالم العربي في هذه النقطة تحديدا، فقد قادت اندونيسيا وماليزيا في اجتماع جنوب شرق اسيا الاخير الدعوة الى توقيع معاهدة مع الولايات المتحدة لمحاربة ومكافحة الارهاب يترتب عليها مجموعة من الالتزامات الداخلية والخارجية مع هذه الدول، ونحن نتحدث هنا عن دول تمثل مايقرب من 350 مليون نسمة أي مثل سكان المنطقة العربية كلها. ولم يطرح هذا الأمر سؤال داخل المجتمع العربي حول اتخاذ هؤلاء موقفا مختلفا.. أيضا الصين، كان يقال في بعض الصحف العربية ان الصين خائفة من وجود القوات الأميركية بالقرب من حدودها وانها قلقة من ذلك.. لكن عندما تحدثنا مع مسئولين صينيين وسألناهم في هذه النقطة تحديدا قالوا لا.. نحن لا نشعر بالقلق من ذلك، بل على العكس كانوا يرون أن الموقع الاستراتيجي للصين تحسن بوجود القوات الأميركية في افغانستان. اذن لدينا شئ خطأ في تقييم الموقف العالمي، وذلك لأننا نركز فقط على الجانب الأميركي، ولم نسأل انفسنا لماذا اتخذت الدول الاخرى مثل الصين والهند واندونيسيا وماليزيا وتركيا وغيرها موقفا مغايرا لنظرتنا نحن تجاه أحداث 11 سبتمبر. ومن جانبه يرى د.جهاد عودة استاذ العلاقات الدولية بجامعة حلوان ان الحرب الدائرة في العالم الآن هي حرب كونية ثالثة، وقد قدر لنا ان نعيش ونرى بداية هذا الحرب، لكن لا نعلم متى تنتهي أو كيف ستنتهي؟ ويقول انه بصرف النظر عن تقييمنا لهذه الحرب، وهل هي عادلة أم لا. الا ان مايمكن ان ينشأ عن هذه الحرب هو نظام جديد، وليس من المنطقي ان نتحدث عن القانون أو حقوق الإنسان لانه عندما نتكلم عن ان القانون وحقوق الإنسان مهدرة وغير مصانة فهذا أمر طبيعي طالما أن العالم في حالة حرب. ويختلف د.جهاد عودة مع مقولة ان الولايات المتحدة هي قائد العالم، ويقول ان هذا الأمر غير صحيح تماما، والحاصل هو ان العولمة هي التي تقود العالم بمعنى اننا في اطار تحالف قائم وربما تكون أميركا هي التي على رأس هذا التحالف وانما مع متساوين في التحالف، وان الخلافات التي قد تظهر بين الحين والاخر بين اطراف هذا التحالف هو أمر طبيعي ولا يعني بالضرورة ان هناك انشقاقاً أو خلافه بين التحالف.. وكما هو الحال في الحروب لم يكن غريبا ان يقال اما ان تكون معنا أو ضدنا. ويحدد الدكتور جهاد عودة أطراف التحالف بأنهم الدول الثماني الغنية الكبرى، اضافة الى الأمم المتحدة، ويقول ان علينا ان نفهم ونستوعب ان الأمم المتحدة هي منظمة أسسها الغرب بهدف حماية مصالحهم وتحقيق الاستقرار والتوازن بينهم، ولذلك فهي تشارك في هذه الحرب الكونية بمنطق الغرب وليس أي شئ اخر. ويتفق د.عبدالعليم محمد نائب مدير مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالاهرام، مع كونية الحدث ويقول انه كوني لانه وقع داخل أكبر قوة في العصر الحديث وهي الولايات المتحدة الأميركية، حيث تمتلك هذه الدولة وحدها 30 من الناتج القومي في العالم، اضافة الى القوة التقنية والتكنولوجية المتطورة، فضلا عن التشابكات والتداخلات الاقتصادية والمالية المتعلقة بالبورصة ورؤوس الأموال المستثمرة، وكل هذا جعل من حدث 11 سبتمبر طبيعة كونية سواء في حد ذاته أو في تداعياته التي شهدها العالم. ويضيف اريد ان اتوقف قليلا امام دلالة هذا الحدث بالنسبة للعولمة، لان هذا الحدث جدد مظهراً ايجابياً من مظاهر العولمة وهو ان أي مواطن في أي ركن من أركان المعمورة يستطيع ان يشارك ويؤثر ويتفاعل مع أي حدث يبعد عنه مئات أو آلاف الاميال، وذلك رغم ان هذا الحدث أعاد مرة اخرى تقسيم العالم الى حضارة غربية وحضارات قديمة واشاع خصومة كاد العالم أن يتجاوزها وأطلق العنان لمجموعة من الاحكام المسبقة والمتحيزة ضد الثقافة العربية والاسلامية. وقال ان هذا الحدث الذي مر في دقائق معدودة تسبب في عودة عقارب الزمن الى مايقرب القرن، حيث اصبح يتردد في العالم مقولات ومفاهيم تعيدنا الى القرن 19، مثل حق الفتح والغزو وعدم احترام المبادئ الدولية والتدخل في الشئون الداخلية للدول وغيرها.. ومن هنا اعتقد ان هناك نمطا جديدا من توزيع القوى يجري في العالم الآن، فالدولة لم تعد هي التي تحتكر العنف والقوة القهرية والعسكرية، بل ان جماعة صغيرة تعد على اصابع اليدين يمكن ان تنزل ضربة موجعة بدولة كبيرة، وفي اعتقادي ان مضمون هذا هو الذي وضع الولايات المتحدة في هذا الموقف، لان قواعد اللعبة التقليدية تغيرت، وجعلت من الموت سلاحا وهو أمر لا يستطيع أحد مهما بلغت سطوته ان يواجهه ولذلك تحالفت أمريكا واسرائيل على محاربة هذا النمط من العمليات الاستشهادية. ومن جانبه يرى بهي الدين حسن مدير مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان ان التعبير الاقرب لوصف ماحدث في 11 سبتمبر انه انفجار لبركان مازال نشيطا ومازالت حممه تتساقط حتى الآن ولا يعرف احد متى يتوقف نشاط هذا البركان. ويقول انه منذ حدوث هذه الهجمات اصبح حدث 11 سبتمبر وماتلاه من ردود أفعال هو صانع للتفاعلات السياسية الكبرى في العالم، ويلعب دورا أساسيا في اعادة صياغة هذا التفاعلات والتحالفات.. ففي خلال هذا العام شهدنا انتقال روسيا والصين من علاقات التنافس مع أميركا والغرب الى التحالف الوثيق الذي وصل الى حد تقديم تسهيلات عسكرية معينة، كما شهدنا في منطقتنا كيف تم الاستفراد تماما بالشعب الفلسطيني وتصوير وتسويق عمليات القمع الاسرائيلي الوحشي للشعب الفلسطيني الاعزل باعتباراً استمرارها لمقاومة ومكافحة الارهاب في العالم، وتقديم الفصائل الفلسطينية باعتبارها امتداد للقاعدة أو المتهمين الـ 19 بتنفيذ أحداث 11 سبتمبر. ويتساءل بهي الدين حسن حول تقييم الحرب ضد الارهاب وهل نجحت هذه الحملة في تحقيق أهدافها في افغانستان أم لا، ويقول ان هناك قراراً مهما اتخذته الادارة الأميركية مؤخرا بتوسيع نطاق الدور الأمني للجيش الأميركي خارج كابول، وهذا يعني ان الاستقرار لم يحدث في كامل الاراضي الافغانية، وان هناك عدم قبول من قطاعات كبيرة في افغانستان للحكومة الحالية، وان هذه الحكومة غير قادرة حتى الآن على فرض النظام والأمن الا داخل العاصمة فقط، وهو يطرح ايضا مدى قدرة تنظيم القاعدة ومن يتحالف معها في مواصلة النشاط داخل افغانستان وخارجها. واشار بهي الدين حسن إلى ان التحالف الذي قاد الحرب ضد الارهاب بعد أحداث سبتمبر بدأ الآن يصاب بالتصدع وذلك نتيجة موقف أطراف التحالف من الخطورة الاميركية بغزو العراق، وقال ان هناك انقساماً شديداً بين أطراف التحالف في هذه النقطة تحديدا، وهو الأمر الذي يطرح تساؤلا حول مستقبله. وأضاف انه في اطار ماسمي بالحرب ضد الارهاب جرى تهميش مؤسسات المجتمع الدولي بشكل غير مسبوق، وربما في هذا الاطار كان موقف الولايات المتحدة من المحكمة الجنائية الدولية، فهي لم تكتف فقط بالانسحاب من اتفاقية المحكمة وانما قامت بتحريض علني للدول بعدم الانضمام، بل قامت بعملية ابتزاز مع أكثر من دولة لعقد اتفاقيات ثنائية معها تعفى جنودها من ان تطولهم هذه المحكمة في أي جرائم حرب مقبلة. ويتفق حافظ ابوسعدة الامين العام للمنظمة المصرية لحقوق الإنسان فيما يتعلق بانتهاك القانون الدولي وحقوق الإنسان قائلا ان القوانين الاستثنائية التي اتخذتها الولايات المتحدة عقب احداث سبتمبر اعطت مشروعية للقوانين الاستثنائية في دول العالم، حتى انه الآن لا يستطيع أي أميركي أن ينتقد المحاكم العسكرية في مصر على سبيل المثال، لان في الولايات المتحدة نفسها محاكم عسكرية. بل استطيع القول ان المحاكم العسكرية في مصر افضل من قانون مكافحة الارهاب الذي اصدره الرئيس الأميركي جورج بوش مؤخرا ففي هذا القانون سلاح خطير هو الأدلة السرية، فضلا عن التنصت والاطلاع على الاسرار للافراد وتفتيش المنازل عند الاشتباه أو وجود مايدعو للشك وغيرها من الاجراءات.