أحيت أميركا والعالم الذكرى الأولى لأحداث 11 سبتمبر والتي شكلت حادثة السنة بامتياز على كل الأصعدة السياسية والاعلامية والعسكرية والاقتصادية... انه الحدث العالمي الذي عاشته كل الدول والأمم وبأشكال مختلفة، عاشه الأميركيون في صورة تراجيديا انسانية مؤلمة خلفت حوالي 3 آلاف ضحية أقبروا تحت حطام مركز التجارة العالمي بواسطة قنابل طائرة، وعاشه الأفغانيون في صورة حرب شنت على بلادهم من فوق السماء بآلاف الأطنان من القنابل التي سقطت على رؤوسهم وأكواخهم من طائرات ب 52، لتسليم زعيم القاعدة أسامة بن لادن المحتمي في خيمة الملا عمر زعيم طالبان والآتي الى هذا الزمان من عصور انقضت منذ آلاف السنين، وعاشها العرب على شكل ... «من ليس معنا فهو مع الارهاب»، فالوقوف مع أميركا في حرب غير معروفة التفاصيل والحدود هو وقوف صعب. والوقوف «ضدها» أصعب، فكان التعاون الأمني المطلق ولو كان على حساب القانون والرأي العام والاستقرار الداخلي، أما الأوروبيون فبدورهم قدموا ضربة 11 سبتمبر في صورة قبول سياسة الهيمنة المطلقة للامبراطورية المجروحة، وطولبوا بتفهم الغضب الأميركي، وكانت نتيجة هذا التفهم تجميد أرصدة عرب ومسلمين في بنوك أوربية وتسليم مشتبه فيهم يحملون جنسيات دول كانت تعتز دائما بأنها موطن الحقوق والحريات. 11 سبتمبر ليس حدثا عابرا في يوميات السياسة الدولية وأجندة الكوارث الطبيعية، بل شكل وسيشكل معلما رئيسيا في السياسة الداخلية والخارجية للولايات المتحدة كأقوى دولة في العالم اتجاه باقي دول القارات الأخرى، وخصوصا جغرافية العالم العربي والاسلامي، فما هو سبب تدفق سيول هذا الحادث العابر للحدود على كل هذه المساحة الجغرافية؟ صدمة اللامتوقع أخطر ما في أحداث 11 سبتمبر أنها جاءت بشكل مفاجئ وصادم في دولة اعتادت على التخطيط للمستقبل ووضع سيناريوهات لكل الاحتمالات، بما فيها الأقل احتمالا للوقوع. وهذه وظيفة تقوم بها عدة مؤسسات: «مجلس الأمن القومي، الاستخبارات الأميركية، وزارة الخارجية، وزارة الدفاع، مستشارو الرئيس، بالاضافة الى لجان الكونغرس ومراكز البحث والتخطيط واستطلاع الآراء وباحثي الجامعات والمعاهد ووسائل الاعلام القوية في بلد مفتوح»، فإن تتجاوز الأحداث التي حملت ثلاث طائرات ورابعة أسقطت قبل أن تصل الى أهدافها كل هذه المؤسسات، وأن يظل المخططون على مدار حوالي أربع سنوات حسب الخبراء في الاعداد لهذه الهجمات بعيدا عن عيون المؤسسات الأميركية، فهذا يبعث على الصدمة، ومن ثم عدم الشعور بالأمن،فقد صرح لنا أحد المسئولين في وزارة الخارجية، فضل عدم ذكر اسمه، «أن الولايات المتحدة الأميركية لم تكن تتوقع مثل هذا الحدث، ولم يسبق لنا أن تعايشنا مع مثل هذه الأحداث». ضربة لنظرية الأمن المطلق عاشت الولايات المتحدة الأميركية وعلى مدار القرنين الماضيين وهوعمر هذه الدولة القارة، مفهوما خاصا للأمن. فهناك جدار أمني طبيعي يتشكل من محيطين أطلسي وهادئ يحجبان أميركا -العالم الجديد-، عن العالم القديم أوروبا وعن صراعات آسيا ومشاكل افريقيا. ثم هناك جيش أميركي قوي، حديث ومجهز بأفضل الأسلحة التقليدية وغير التقليدية (أميركا أول مصنع للأسلحة، أكبر قوة نووية، أكثر الجيوش العالمية انتشارا على مدار الكرة الأرضية، أكبر بلد يتوفر على قواعد عسكرية خارج حدوده، به أكبر ميزانية عسكرية...) ثم ثالثا ليس له أية تجربة تاريخية تتعلق بالمس بالأمن الداخلي، أو بنقل الصراعات الخارجية الى الداخل. والهجوم الوحيد الذي تعرضت له أميركا كان على زمن الحرب العالمية الثانية والمتمثل في الهجوم على جزيرة بها قاعدة بيرهاربل، من قبل الجيش الياباني، وهو ما دفع أميركا للتدخل المباشر في الحرب العالمية الثانية التي جرت وقائعها الرئيسية في أوروبا. وهذا ما يعتبره رشيد الخالدي رئيس مركز الدراسات الدولية في شيكاغو «صدمة للعقل الأميركي، فاذا كان الأوروبيون قد صدموا بالحادث وهم الذين عاشوا وتعايشوا مع ارهاب الحركات وحروب الدول، فما بالك بأميركا التي لم تتعرض لأي هجوم خارجي طيلة عمر هذه الدولة». منذ نهاية الحرب الباردة في مطلع التسعينيات، رسمت أميركا لنفسها صورة القوة الأكبر والأعظم في عالم أحادي القطب، بعد أن انهار المنافس الأكبر: الاتحاد السوفييتي. وأصبحت الادارة الأميركية تجني ثمار الانتصار في الحرب الباردة. وبسط النفوذ السياسي والاقتصادي الأميركي على أغلب مناطق العالم، وقد تعززت هذه الصورة بالانتصار «السهل» الذي حققته أميركا في حرب الخليج الثانية ضد العراق، صورة القوة الامبراطورية القادرة على التدخل في أكثر المناطق بعدا وعلى امتلاك أوراق أكثر الأزمات تعقيدا. فأحداث 11 سبتمبر جاءت لتضرب هذه الصورة التي رسمتها أميركا لنفسها في عقول الكثير من ساسة دول العالم.، ولتعطي صورة البلد غير البعيد عن التهديد، والبلد الذي ترتبط أوضاعه الداخلية بمواقف ادارته في الخارج. فهل استطاعت هذه الأحداث أن تنال من هذه الصورة ؟ أم العكس ستدفع أميركا الى تقريرهذا النمط من السلوك السياسي تجاه الآخرين أكثر؟ كريستوفر روس السفير السابق في أكثر من بلد عربي والمسئول الحالي عن الدبلوماسية العامة في وزارة الخارجية يعتبر أن «11 سبتمبر لن يدفعنا للتراجع عن سياستنا، والا سنركز قاعدة أن كل من يريد أن يؤثر في القرار الأميركي عليه أن يقوم بعمل ارهابي ضد هذه البلد ومواطنيه». ما هي نتائج تراجيديا 11 سبتمبر عربياً ودولياً؟ هذا هو السؤال العملي الأكثر تداولا اليوم في وسط الادارة الأميركية ووسط حكومات البلاد العربية والاسلامية وتنظيماتها السياسية، ثم وسط الجالية العربية والاسلامية المقيمة في أميركا. ولنبدأ قبل ذلك بالنتائج العامة والتي مست العقل الاستراتيجي الأميركي وبنيات اتخاذ القرار والقوى الفاعلة في صناعته وسط مؤسسات هذا النظام السياسي العجيب على حد وصف كريستوفر. تصاعد الهاجس الأمني في الفكر السياسي الأميركي هذه أول نتيجة يمكن أن يلمسها المراقب للأحداث والمستمع لآراء وتحليلات ومناقشات ساسة أميركا وخبرائها الاستراتيجيين، وهو ما لاينكره حتى أكثر أقطاب السياسة الأميركية اعتدالا وتعقلا، فهذا كريستوفر روس يقول: «لاشك أن هناك تركيزا كبيرا على النواحي الأمنية، لكن في الوقت نفسه فاننا نحرص على احترام حقوق الانسان والدستور والقانون الدولي». لقد تحول وزير الخارجية الأميركية كولن باول الذي يمثل الخط المعتدل في الادارة الأميركية الى أقلية وسط جناح الصقور المكون من وزير الدفاع ونائب الرئيس ووزير العدل ورئيسة مجلس الأمن القومي كوندوليزا رايس... والذي يدفع الى المزيد من التشدد الأمني في سياسات الولايات المتحدة الأميركية. وطبعا هناك التأثير اليميني المسيحي الذي انتعش بعد أحداث 11 سبتمبر وقبل ذلك صعود الجمهوريين الى الرئاسة. وخلفه التيار المساند لاسرائيل من اليهود والمسيحيين الأميركيين أصحاب النفوذ المالي وسط المؤسسات الأميركية. التيار الأول يعتبر أن علاج آثار 11 سبتمبر يجب أن يكون سياسيا ودبلوماسيا أولا ثم عسكريا ثانيا. وان الوصول الى جذور الارهاب يبدأ بمعالجة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي نبت فيها. أما التيار الثاني فهو يعطي الأولوية للجانب العسكري والأمني في ملاحقة كل من له علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالفكر أو العمل الذي اعتبرت أميركا أنهم وراء أحداث 11 سبتمبر، وداخل كل تيار هناك عدة تباينات واختلافات وأولويات في سياسة مكافحة الارهاب ومنها من يصل الى درجة العمل على تغيير الأنظمة الاستبدادية القائمة في العالم العربي، ومعها تغيير برامج الدراسة وتعليم الدين وصولا الى خنق كل أتباع الاسلام السياسي واعتبار أمن اسرائيل من أمن الولايات المتحدة، لكن الحقيقة أن الصورة لم تتضح بعد وأن كل الاحتمالات مازالت موضوعة على طاولة الرئيس، وان الاختلاف القائم بين أقطاب الادارة الأميركية أكثر من مجرد تباين في الاجتهادات والآراء كما قال لنا نائب الناطق الرسمي باسم الخارجية الأميركية الذي اعتبر «هذا التباين جزءا من حيوية النظام الديمقراطي الأميركي». لا يكاد يخلو أي تصريح أو بيان أوندوة صحفية للرئيس الأميركي من حديث عن الحرب، فطيلة هذه السنة كانت طبول الحرب جاهزة للاستعمال. المسئولون الأميركيون يقولون: هذا أمر طبيعي أن تتحرك الادارة عسكريا لأنها تعرضت لأعمال ارهاب وتخريب أودت بحياة آلاف من البشر. وأن الرئيس يحظى اليوم بنسبة تأييد واسعة وصلت الى 80%، وأن الشعب الأميركي راض عن أداء رئيسه. وهناك من يعتبر أن الرئيس جورج دابليو بوش الذي صوت عليه أقل من ربع الناخبين ونجح بصعوبة أثرت على شرعيته، عمل على توظيف حدث 11 سبتمبر من خلال تأجيج العاطفة الوطنية، وأن نتائج انتخابات مجلس النواب المقبلة هي التي ستحدد صورة السياسة العامة لما بعد أحداث 11 سبتمبر بالنظر لحجم المقاعد التي سيحصل عليها كلا الحزبين الجمهوري الموجود في الحكم والديموقراطي الموجود في المعارضة. اما رأي الباحثة في مركز الدراسات الدولي في جامعة شيكاغو «ليزا ويدان» في تأثير الحادث على السياسة الأميركية الخارجية، فهو مستمد من التاريخ، حيث تعتبر ليزا أن تاريخ الولايات المتحدة الأميركية كان يعرف دائما تقليدا يتمثل في خلق الوحش الذي يتخذ عدوا لابد منه للساسة الأميركيين. هذا الوحش أخذ صورة الهندي صاحب الأرض سنة 1820، وأخذ شكل الافريقي الأسود بعد الحرب الأهلية، وأخذ شكل الفوضويين والارهابيين في الثلاثينيات، وصور على أنه الشيوعيون في الخمسينيات. وأحداث 11 سبتمبر هي استمرار لنفس التقليد وهي وحش المرحلة الراهنة». هذا التوجه نحو الصراع ونحو خلق الآخر العدو لاشتغال آلة الصراع السياسي، يتغذى كذلك من توجهات مراكز البحث في الجامعات والمعاهد ومن مؤسسات استقراء الرأي ومن مستشاري المؤسسات الأميركية ومن قادة الرأي في الاعلام الأميركي القوي. والاتجاه الغالب اليوم على هذه العقول هو اتجاه يميني يدفع الى اعتماد أسلوب الصراع والمواجهة عوض الحوار والتعايش، وأن التيار اليساري وعموم الأصوات «المستعربة» والمفكرين والساسة الذين يعرفون العالم العربي والاسلامي، أصبحت ضعيفة وغير ذات تأثير كبير. في المقابل دخل التيار المسيحي اليميني في تحالف قوي مع التيار اليهودي المساند لاسرائيل والداعي للمواجهة بين الغرب بقيادة أميركا والعالم العربي والاسلامي. وهو يعرف أكثر من غيره توظيف لعبة اللوبيات المستعملة للمال في انجاح هذا المرشح واسقاط ذاك وفي دعم هذا المسئول أو مهاجمة ذاك... «يجب على أميركا وهي تحيي الذكرى الأولى لأحداث 11 سبتمبر ألا تربط الاسلام بالارهاب، هذا تصريح لمسيحي أميركي من أصل عربي هو جون أبي نادر نائب رئيس المعهد الأميركي ـ العربي، وهو يرد على الكثير من المواقف المتطرفة لبعض الأميركيين من الاسلام ومحاولة تفسير ما وقع يوم 11 سبتمبرعلى أساس ديني، حيث وصل الأمر بأحد رجال الدين المسيحيين أن قال على شاشة CNN «ان النبي محمد يعلم الناس قتل أنفسهم للدخول الى الجنة ، في حين أن الأديان الأخرى تعلم الفرد كيف يحافظ على حياته وحياة الآخرين» وهذا ما نفاه امام مسجد شيكاغو حين اعتبر أن «ماوقع يوم 11 سبتمبر حرام من الناحية الشرعية، والاسلام يرفض ويستنكر قتل الأبرياء، وأبناؤنا نحن المسلمين حملوا الأعلام الأميركية ونزلوا الى الشارع لاستنكار ما وقع». هذا الربط بين الارهاب والاسلام موجود وان كان على أضيق نطاق في أميركا. لكن وسائل الاعلام توسع من انتشاره يوما بعد الآخر، عن جهل أحيانا وعن قصد أحيانا أخرى، وهو ما تعمل عدة جهات وعلى رأسها وزارة الخارجية على استبعاده لأنها تعرف خطورة ادخال مليار مسلم الى ساحة الصراع الديني، وأن هذه أكبرهدية لأسامة بن لادن وأتباعه، فهل تنجح في احداث مراجعة جذرية لتوجهات الادارة الأميركية في مرحلة ما بعد أحداث 11 سبتمبر؟ ـ كاتب مغربي