لا يرى وزير الاعلام اللبناني غازي العريضي ان تفجيرات 11 سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن وتداعياتها التي اغرقت الكون في التهديد والوعيد، وزرعت الارض قاطبة ملحا اميركيا احادي القوة والجانب، متوعدا حينا، ومرغبا في احيان اخرى، قد احدثت اي تغيير في الشرق الاوسط خلال السنة الاولى التي مرت على ذلك. لكن جل ما حصل، يقول لـ «الملف السياسي» ان الامور زادت وقاحة، والمؤامرات والاعتداءات والاعمال الارهابية الاسرائيلية المدعومة بالمطلق من قبل الولايات المتحدة، صارت تحصل «على المكشوف» فوق الطاولة، لا تحتها، وأمام عدسات المصورين والمؤتمرات الصحفية والمواقف «الفزاعة» المطلقة، بعد ان كان ذلك يتم وراء الكواليس. فما تغير بعد السنة الاولى على التفجيرات كان شكليا، فقد سقطت الاقنعة، وأعلنت واشنطن حدود مؤامراتها التي تستهدف ثروات العرب والمسلمين وكياناتهم وقدراتهم وأنظمتهم السياسية المختلفة، وأطلقت تل أبيب العنان لاسقاط كل ما يسمى بـ «اتفاقيات السلام» من مدريد الى اوسلو، وتهجير الفلسطينيين (الترانسفير)، والقضاء على اي احتمال باقامة دولة فلسطينية على التراب الفلسطيني. في جولة الافق على ابرز آراء ومداخلات الوزير العريضي في اطار تقويمه لسنة اولى مضت على «تفجيرات العصر» ثمة اتهامات لتقصير عربي على مختلف المستويات، وبالتالي دعوة الاسراع باستنهاض مكامن القوة في الامة. لماذا استهداف العرب والمسلمين؟ ـ يبدأ الوزير العريضي كلامه عما يسمى في القاموس الاميركي ما بعد 11 سبتمبر «الحرب» على الارهاب فيقول: «كنا ندرك ان اميركا هي القوة الاكبر في العالم، وكانت تعيش حالة من الجنون والانفعال والتوتر اثر الاعتداءات والعمليات التي استهدفت البرجين الشهيرين، وكنا ندرك تماما ان اميركا ستحاول استخدام كل الوسائل والأساليب، لكننا كنا ندرك ولا نزال، ونحن مؤمنون ومقتنعون ان ما تقوم به اميركا تحت عنوان مواجهة الارهاب لا يمكن ان نوافق عليه، ولا يمكن ان يقر وأن نكون جزءا منه، فلا العرب ارهابيون ولا المسلمون ارهابيون، ثمة ارهابيون في مختلف المواقع، وبالتالي ان السياسة التي اعتمدت للقمع والحصار، ووضع الطلاب العرب والمسلمين والجاليات تحت المراقبة في الولايات المتحدة الاميركية لا علاقة لها بمواجهة الارهاب، وان السياسة التي تعتمد في هذه المنطقة لا علاقة لها بمواجهة الارهاب، خصوصا عندما ننظر الى مسألتين اساسيتين: الاولى: ما يجري على الساحة الفلسطينية ومنذ اشهر، كيف يمكن ان نقتنع ان ثمة رغبة اميركية في مواجهة الارهاب واستئصاله، ونرى في الوقت ذاته تغطية شاملة كاملة لكل اعمال الارهاب التي تمارس من قبل قوات الاحتلال الاسرائيلية، وكيف يمكن ان نقتنع ان ثمة رغبة في تطبيق القرارات الدولية واحترام الشرعية الدولية والمؤسسات الدولية ونحن نرى ان ضغطاً أميركياً يمارس على هذه المؤسسات وهذه المنظمات، فلا لجان تحقيق تأتي إلى المنطقة بعد قرارات تتخذ على مستوى مجلس الأمن والأمم المتحدة ولا سعي لتنفيذ القرارات الدولية، بل حماية كاملة ومطلقة للمشروع الاسرائيلي، تحت عنوان «ان لاسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها ومواجهة الارهاب» وبالتالي وفق هذه الرؤية الاميركية أصبحت الانتفاضة الفلسطينية ارهاباً، وأصبح الارهاب الاسرائيلي حقاً مشروعاً لأبناء الشعب الاسرائيلي يمارسونه دفاعاً عن دولتهم وأمنهم واستقرارهم، وهذا المشروع هو الذي يهدد كل المنطقة بأمنها وباستقرارها وبوحدتها أيضاً وبكل مصالحها. أما المسألة الثانية الملازمة تماماً لهذا الأمر هي ما يستهدف العراق اليوم، يريدون ضرب العراق تارة تحت عنوان «أنه لا يطبق قرارات الامم المتحدة»، وهذه اسرائيل لا تطبق قرارات الأمم المتحدة وتحظى بالحماية، ضرب العراق لأنه لا يتعاون مع المفتشين الدوليين وهذه اسرائيل ترفض مجيء لجنة التحقيق والقيام بدورها وفق قرار اتخذ على مستوى الامم المتحدة ومجلس الامن وبمباركة من الولايات المتحدة الأميركية نفسها، ومع ذلك الحماية لاسرائيل والضغط على الآخرين. ويتابع العريضي قائلاً: «نتعرض كعرب ومسلمين وكلبنانيين بشكل خاص إلى حرب سياسية، دبلوماسية، إعلامية ظالمة تحاول اسرائيل من خلالها وبعد احداث 11 سبتمبر بشكل خاص، تكريس نجاحها في استغلال تلك الاحداث لالصاق تهمة الارهاب بالعرب والمسلمين وهي بدأت ذلك منذ انهيار الاتحاد السوفييتي ثم منذ مؤتمر مدريد وخصوصاً بعد أوسلو من خلال التسويق والترويج لدور جديد بعد انتهاء دورها كقاعدة متقدمة للغرب في مواجهة المد الشيوعي، وهذا الدور الجديد هو مواجهة الاصولية الاسلامية ثم تطورت لتصفها بمجموعات ارهابية وتحرض الغرب والعالم والولايات المتحدة الأمريكية خصوصاً بعد 11 سبتمبر في هذا الاتجاه ضد العرب والمسلمين. ان المسلمين ليسوا ارهابيين وان صفوفهم مثقفين ومفكرين ومبدعين ووطنيين وعروبيين واسلاميين وعلماء ومؤرخين وكتاباً باستطاعتهم ان يقارعوا الفكر بالفكر والكلمة بالكلمة وان يستندوا في ذلك إلى قوة المنطق في وجه التزوير ومنطق القوة الذي تعتمده اسرائيل ونحن بأمس الحاجة إلى هذه القوة. ـ اين مكامن الدور الاميركي في المسلكية الاسرائيلية تجاه الفلسطينيين؟ ـ يقول: هناك شراكة اميركية ـ اسرائيلية والاميركيون يتصرفون بوضوح ويعلنون خطواتهم بوضوح انهم شركاء الاسرائيليين في هذه الحملة الارهابية التي تشن ضد الشعب الفلسطيني والسلطة الفلسطينية وتستهدف لبنان وسوريا في آن معا. الموقف الاميركي واضح ولا ينطلي على احد علينا ان نقرأ هذه المسألة بوضوح منذ البداية وان نتصرف على هذا الاساس ولم تعد الولايات المتحدة الاميركية بحاجة الى جهود لتغطية موقفها ولم نعد بحاجة الى مزيد من الدم والخراب والدمار والتهجير والمآسي لكي نتأكد ان السياسة الاميركية هي شريك اساسي في ما افتعلته اسرائيل وتنفذه على الساحة الفلسطينية وفيما يستهدف لبنان وسوريا. ـ هل من خيارات اخرى تطرح؟ يجيب العريضي: «عندما ننطلق من القراءة التي ذكرت ان اميركا هي شريك اساسي في هذه العملية وعندما نحدد الرؤية بوضوح نستطيع ان نتحدث عن خيارات. ارييل شارون يندفع الآن في مشروع ارهابي متكامل لماذا لا يتورع عن القيام باي امر؟ هل شعر بان ثمة موقفا عربيا يساند الفلسطينيين سياسيا واجتماعيا واقتصاديا ويدعم الانتفاضة والى ما هنالك؟ هل شعر شارون بان ثمة موقفا عربيا موحدا ضاغطا؟ لقد اجتمع العرب في بيروت واتخذوا قرارا وانجزوا مبادرة سميت «مبادرة السلام»، لكن الامر توقف عند هذه الحدود. فالذين يقيمون علاقات مع اسرائيل لم يتحركوا على الاطلاق وعلى مستوى الحكام والقادة في عدد كبير من الدول العربية لم يرشارون اي موقف عملي يمكن ان يشعر الاسرائيلي بان هناك توجها عربيا ما لاحتضان الانتفاضة او الشعب الفلسطيني عموما ثم على المستوى العالمي لم يشعر احد بان الموقف العربي هو موقف ضاغط فعليا واريد ان اتحدث بصراحة ثمة من يقول ان العرب لا يهتمون كثيرا. لم تشعر اميركا بان ثمة موقفا عربيا يدفعها الى تعديل سياستها. هناك مسايرة لاميركا وصمت امامها ومحاولة لكسب موقع لديها ولكسب ودها واقامة حسابات خاصة مع الولايات المتحدة وبنظري ان اميركا قد تدعم هذا الفريق او ذاك وقد تحمى هذا الفريق او ذاك وعندما ننطلق من القراءة الاولى التي اشرت اليها نصوب هذه السياسة. اميركا لاتريد ان تحمى احدا فهي تبحث عن مصالحها بشكل مباشر ومصالحها الآن مع اسرائيل لذلك اقول ان هناك شراكة كاملة. اميركا ملتزمة منذ عقود وخصوصا في السنوات الاخيرة دعم اسرائيل لكي تبقى القوة المتفوقة استراتيجيا في المنطقة وخصوصا ان الادارة الاميركية الحالية التي تجهل الكثير من الحقائق والوقائع في مواقع القرار الاساسية فيها تمايز لناحية الجهل والجنون احيانا في التصرف والتهور في اتخاذ القرارات اضافة الى ان ما يجب ان نعرفه ايضا هو ان الادارة الاميركية متورطة في فضيحة كبيرة في الولايات المتحدة هي فضيحة افلاس شركة «انرون» ومن يمسك ملفات هذه الفضيحة هو اللوبي الاسرائيلي وبالتالي اصبحت هذه الادارة رهينة اضافة الى الانتخابات القادمة على مستوى الكونغرس ورغبة الرئيس الاميركي في التجديد والمصالح المشتركة والطموحات والتطلعات نحو المنطقة لجهة احداث تغييرات في عدد من المواقع وربما يتطور الأمر الى تغيير في جغرافية المنطقة بهدف السيطرة اكثر فأكثر على موارد النفط وعلى الطاقة وهذا ما جرى في عدد كبير من الدول. وشخصيا كنت دائما ارى ان ما جرى في افغانستان بغض النظر عن الفاعل والمبررات والاسباب كانت وراءه خلفيات نفطية ومصالح اميركية ولاسيما ان اركان الادارة الاميركية كانت تفاوض قبل 11 سبتمبر بأيام جماعة «طالبان» لضمان الامن والاستقرار وقد قبلوا بان يحكموا في مقابل تقديم بعض الشروط والتنازلات وضمان الامن والاستقرار لمرور انابيب النفط. اذن هذه هي السياسة الاميركية المتقاطعة تماما مع السياسة الاسرائيلية لذلك نرى شارون يخاطب العالم، والرأي العام الاميركي خصوصا والادارة الاميركية بالمنطق الاتي: نحن نفعل في اسرائيل ما فعلمتوه انتم في افغانستان انتم قاتلتم الارهاب هناك ونحن نقاتل الارهاب هنا انتم اردتم تغيير القيادة في العراق ونحن نريد تغييرها في فلسطين انتم تدافعون عن انفسكم وتجيزون لانفسكم القيام بكل شيء القصف والدمار والخراب والاعتقال ومعسكرات الاعتقال وقد اجزتم لانفسكم كل شيء فلماذا لا نجيز لانفسنا نحن الاشياء ذاتها؟ هذه هي السياسة الاسرائيلية المتطابقة تماما مع السياسة الاميركية فالاميركيون دعموا بالمطلق كل السياسة الاسرائيلية حتى الآن». الحرب.. بالاعلام والانترنت ثم يرد الوزير العريضي ما يتعلق في اطار مسئوليته بشكل خاص كإعلامي عربي وكوزير للاعلام في دولة عربية، ما الملاحظات على ادائنا الاعلامي خلال العام الاول من ذكرى التفجيرات؟ ما المطلوب الآن ولاحقا؟ فيقول: هنا، يأتي الحديث عن الامن، واعتقد ان هذا الامر سيأخذ جزءاً ايضا من مناقشاتكم في اطار العناوين المرفوعة، نحن كعرب غير موجودين على مستوى المواجهة الاعلامية. يجب ان نعترف بذلك لسبب بسيط اننا لا نمتلك ايضا الرؤية السياسية الواضحة المنطلقة مما ذكرنا، اضافة الى عناصر كثيرة يمكن ان ترد الآن في اطار المناقشات التي ستدور، المؤسسات العربية المعنية بعمل عربي جماعي غير فاعلة على الاطلاق، احداث الحادي عشر من سبتمبر شكلت مناسبة سياسية اعلامية دبلوماسية امنية ارهابية لاسرائيل لتستفيد منها، وللاسف هذا ما حصل وهذا ما تحقق حتى الآن، قامت القيامة وتم تركيب سيناريو كامل حول كارين ايج السفينة التي اتهمت بها القوى الفلسطينية بأنها تنقل سلاحاً، وليس عيباً ان يحاول الفلسطينيون الحصول على سلاح لمقاومة الآلة الارهابية الاسرائيلية، ومع ذلك، ثمة علامات استفهام كبرى تطرح، الآن، نحن أمام فيلم من نوع آخر هو «كارين ب» ان صح التعبير الباخرة التي تحدث عنها الاعلام لساعات وقد طويت صفحتها اليوم باعادتها الى اسرائيل رغم النقاش الذي يدور في اسرائيل، لماذا لانها اسرائيل ولان الممسك بمفاصل الاعلام هو اسرائيل، لو كانت سفينة عربية او اسلامية او ذاهبة من موقع عربي او اسلامي الى موقع آخر فيه انتفاضة او مقاومة ومواجهة للمشروع الاسرائيلي الاميركي لكانت قامت القيامة وكل انواع التهم سقطت على هذه الجهة أو تلك تحت عنوان «ان هؤلاء يمارسون عملاً ارهابياً». وتشن الآن حملة من نوع آخر، هناك مواقع على الانترنت يجب متابعتها، ويدور نقاش كبير حولها في اوروبا تحت عنوانين مواجهة «المعاداة للسامية» من جهة وعنوان آخر «مواجهة بعض اليهود في اوروبا» و«مواجهة عدد كبير من الذين يتحدثون عن مقاطعة للبضائع الاسرائيلية»، هذا الكلام في اوروبا ونحن لا نقوم بأي عمل، وكلام في اميركا ايضا عن مقاطعة، وآخر بحث وصلت نسخة عنه منذ ايام الى وزارة الاعلام من بعض المصادر يتحدث عن مقاطعة اكاديمية في اوروبا وفي اميركا مقاطعة اكاديمية تحصل لأول مرة في اميركا وفي عدد من الدول الاوروبية وسأنشر هذا التقرير بالتفصيل بعد قراءته لانه من المفيد جداً ان يطلع عليه اساتذة الجامعة والمعنيون جميعاً في هذا القطاع، مقاطعة اكاديمية تحصل لأول مرة في وجه اسرائيل داخل اميركا وداخل اوروبا من خلال مقاطعة عدد من الاساتذة وعدد من الجامعات المتعاونة مع اسرائيل، اضافة الى انواع المقاطعة الاخرى للبضائع الاسرائيلية خصوصا التي تنتج في المستوطنات في عدد من الدول الاوروبية، فيما نرى انفتاحاً من قبل عدد كبير من الدول العربية تحت عناوين مختلفة، وكأن البعض يحاول ان يحجز لنفسه مقعدا هنا ومقعداً هناك لارضاء هذا الاميركي أو في اطار التخطيط للمستقبل لان الامور تسير في هذا الاتجاه، هذه المسألة هي في منتهى الاهمية والخطورة، اذ، في هذا الاطار وباختصار، نحن معنيون كإعلام عربي عموماً وكشباب لنا كل الامتداد وكل الاطلالة على هذا الاعلام العربي خصوصاً اليوم من خلال الفضائيات والانترنت والمواقع التي يمكن استحداثها ومنها ما ذكرت الآن وقد اثار ضجة كبيرة في الفترة الاخيرة من قبل أوروبيين واجانب وغربيين اصروا في اطار التنافس والتحدي لهذه المواقع على الانترنت على مواقفهم في ادانة اسرائيل وسياستها الارهابية ضد الشعب الفلسطيني وبالدعوة الى المقاطعة لاسرائيل بسبب هذه السياسة. ويختم وزير الاعلام اللبناني غازي العريضي الكلام بالقول: للاسف ومن موقع التجربة، فالمراهنة على عمل عربي جماعي في اطار المؤسسات الموجودة الآن على مستوى الجامعة العربية ومنها مجلس وزراء الاعلام العرب لن يكون في محله، خضنا لمرحلة سنة خطة اعلامية متكاملة على المستوى العربي بالحد الادنى الممكن كلفتها على الساحة الاميركية والاوروبية تبلغ 22 مليون دولار ونصف المليون، لم يبادر احد الى دفع دولار واحد لتنفيذ هذه الخطة رغم الوعود التي قطعت لنا من قبل امراء ورؤساء وملوك التقينا بهم ويملكون كل الامكانات، اعلنا الفشل في آخر مؤتمر لوزراء الاعلام العرب واثار كلامنا استياء عدد كبير من الزملاء، لكنه اثار ايضا ارتياح كل الاعلاميين والصحافيين المتابعين والرافضين لكل انواع القيود التي تفرض عليهم، ادى الامر الى تشديد الالتزام بهذه الخطة