يرجع كثير من الخبراء ورجال الدين سياسة اميركا العدوانية إلى الوئام بين اليمين الديني المتطرف واليمين السياسي، ما يؤدي إلى تعاظم سياسة اميركا العدوانية والتي تبدو جلية وواضحة على الصعيد الخارجي منذ مدة بعيدة وازدادت وضوحاً بعد أحداث 11 سبتمبر على الصعيدين المحلي والخارجي. ويرى منتمو هذا الرأي ان اميركا تنظر إلى العالم نظرة أحادية ابعادها قومية دينية حيث يدفعها جبروتها وعنفوانها إلى التحكم بمصائر البشر، وخاصة العالم العربي، وسياسة توتير المنطقة العربية والعالم هي سياسة اميركية قديمة متجددة، تسعى اميركا من خلالها الى زيادة نفوذها في كافة المجالات، ودون تهديد المصالح الاميركية على الصعيدين العربي والدولي فلا رادع لاميركا عن عدوانها وسياستها الاستعمارية التوسعية. حول ذكرى 11 سبتمبر وتداعياتها نستطلع آراء نخبة من السياسيين ورجال الدين الاردنيين لتقييم السياسة الاميركية تجاه العالم الاسلامي وما يتعلق بمستقبل العلاقات العربية الاميركية، وفيما يلي نص الاستطلاع: يقول الأب سند أبو ساحليه ان صراع اميركا والغرب عموماً ضد الارهاب صراع سياسي استعماري، وانه على مدى التاريخ دأب على تغيير أشكاله وتبديل أسمائه نحو هدف واحد هو استغلال الشعوب. ويضيف أبو ساحلية أن التزاوج الذي تمّ بين اليمين الديني المسيحي واليمين السياسي وبدا جلياً منذ عهد إدارة ريغان، جعل لهذا التوجه أو وجهة النظر قدرة وقوة وتأثيراً مهماً على عملية اختيار الرئيس الاميركي من منطلق العقيدة الدينية وتحقيقا للمصالح السياسية، تلك العقيدة التي تؤمن بأن هناك شعباً مختاراً من الله ومميزاً عن البشر، وهي التي شكلت أرضية صالحة لدى الاميركيين بالشعور بالاستعلاء والتكبر والقوة، ومطالب اليمين المتطرف تمثل استراتيجية عليا في هذه المرحلة لاميركا. على الصعيد ذاته وإن من زاوية أخرى يرى الدكتور علي محافظة أن السياسة الاميركية تتأثر بعاملين خارجي وداخلي. أما الخارجي فهو متأثر بأحداث 11 ستمبر وكون الولايات الاميركية المتحدة القوة الأعظم في العالم، فيما يتمحور المستوى الداخلي في أن الإدارة الاميركية الحالية مؤلفة من شخصيات ذات اتجاه قومي وديني متطرف، وهذا يعتبر حدثاً نادراً في تاريخ الولايات المتحدة، فهذه الإدارة تمثل الطبقة الرأسمالية الاميركية وبخاصة شركات النفط الكبرى والشركات الصناعية التي تهيمن على الأسواق العالمية وهذه الشركات تحاول استغلال نفوذها في السياسة الاميركية ما يفسر لجوء الإدارة الاميركية إلى اثارة الحروب واثارة مخاوف الدول من الجبروت الاميركي ولجوء هذه الدول والشعوب بالتالي إلى اظهار حاجتها الماسة إلى اميركا، وهنا قد يكون في نظرة اميركا الاحادية ذات الأبعاد الدينية والقومية شيء من الصحة لكنه لا يعطى الجواب الكافي والمقنع فهذه الادارة لها دوافع داخلية لكنها تأخذ الوضع الدولي بالحسبان. على أن د.محافظة يشير إلى ان الفكر الأميركي فكر براغماتي، بمعنى أنهم ـ أي الاميركان ـ يواجهون المشكلة ويضعون الحلول المناسبة لها ويختارون منها الحل الأفضل، ولا اعتبار لدى محافظة في القول بان الاميركيين لديهم اهتمام بالمنظور التاريخي وحتى المستقبلي الذي يرى بأن العالم بدأ يمل منهم ويرى الوجه البشع للاميركان، فهم لا يأخذون الزمن بعين الاعتبار ويرون لديهم كل الامكانيات والتفوق على الجميع، وهذا ما ولد العنجهية الاميركية التي تعامل بها العالم. وهناك من يذهب إلى أن السياسة الخارجية الاميركية تحركها الكراهية الشخصية ودفع الناس وفق قوالب عنصرية معينة تستطيع أن تفسر اندفاع الرئيس بوش المحموم لكسب الرأي العام لحرب لم يستفزه أحد لشنها على حد وصف الكاتب الاميركي من اصل فلسطيني «راي حنانيا». التوتر في المنطقة سياسة اميركية مقصودة منذ عام 1980 وحتى الان لوحظت ظاهرة خطيرة جداً وهي كلما ازداد التوتر السياسي والأمني والاقتصادي في المنطقة كلما ازدادت المصالح الاميركية والغربية نفوذاً وقوة في العالم العربي، وقد توصلت لهذه النتيجة دراسة اجريت في جامعة اسطنبول بتركيا ونشرت مؤخراً ، فما سبب هذه المعادلة ؟ ربما يكون السبب في عجز العرب ـ كما يرى الدكتور محافظة ـ عن اتخاذ أي موقف لصد الولايات المتحدة واقناعها بأن مصلحتها مع قيام علاقات متوازنة مع العرب، أو ان العرب لا يرغبون في هذه العلاقات. والمنطق يقول ما دامت مصالح اميركا لا يمسها ضرر لا يمكن ان يغير الاميركيون من سياستهم وهذا ما يبرر دعم اميركا لسياسة شارون دون تحفظ وأقصى ما يستطيع العرب فعله في الوقت الحالي هي التصريحات واستجداء اميركا لتغير سياستها تجاه العرب. هذه النظرة والسياسة قد تدفع بالولايات المتحدة إلى إعادة استنساخ اتفاقية «سايكس بيكو» كما يرى عبد المجيد ذنيبات المراقب العام للاخوان المسلمين، فما حصل في أفغانستان تتمنى اميركا أن يحصل في العراق وربما في السودان والسعودية .. الخ، فإذا نجح هذا الموضوع في العراق فلا غرو ان يتكرر هذا النهج في كل الدول العربية. وفي أعقاب أحداث 11 سبتمبر وفي ظل التهديدات الاميركية للعراق وبعض الدول العربية والجهود الدبلوماسية المكثفة على بعض الدول العربية كالسعودية حليفة اميركا الأبرز، تخلق تساؤلات كثيرة عن مستقبل العلاقات الاستراتيجية العربية الاميركية فكيف سيكون مستقبل هذه العلاقات في ظل هذا التوتر الذي تشهده المنطقة والعالم ؟ الدكتور محمد محاسنه يرى في هذا الصدد ان العلاقات العربية الرسمية بأميركا ستتأثر وتتحول من علاقات الصداقة إلى علاقات العداء،فهذه الأنظمة ستضطر إلى التراجع للخلف من حيث الدفاع عن علاقاتها بأميركا على حد قوله، فهي ستغض الطرف مكرهة عن الحملات العدائية التي ستعلن في كل الأوساط العربية والاسلامية ضد المصالح الاميركية وإذا نجحت في ذلك ستحول العالم كله إلى مستعمرات بطريقة جديدة، أما إذا فشلت فستكون بداية النهاية لاميركا. لكن أحداً لا يستطيع التنبؤ بالمستقبل كما يقول الدكتور محافظة لكن هناك شروطا للعلاقات العربية الاميركية، فإذا استمر موقف العرب الحالي المبني على الجبن والخوف والضعف والتفتت والتجزئة وعدم الثقة ببعضهم وبأنفسهم سيزداد ضعفهم وتزداد المنطقة العربية ضعفاً وبالتالي تزداد الهيمنة الاميركية والإسرائيلية على المنطقة ما يؤدي إلى مزيد من التجزئة والتفتت، وهذا شيء خطير جداً بالنسبة للعرب، فإذا غير العرب من سلوكهم ولو بسيطاً فستتغير سياسة الولايات المتحدة في المنطقة .وهذا يعتمد على مدى صمود العرب في وجه اسرائيل بقيادة السفاح شارون. وحتى الان ليس هناك شيء يبشر بالخير إلا التصريحات، فالنفط يتدفق إلى الولايات الاميركية المتحدة وسائر العالم وهي ورقة الضغط الابرز لا يتم حتى مجرد التفكير باستخدامها. لغة المصالح من جهته قال الأب قسطنطين قرمش عضو المجلس الوطني الفلسطيني أن اميركا لا تفهم الا لغة المصالح، واذا شعرت واشنطن أنها مهددة فستضطر إلى تغيير سياستها، أما العرب الحاليون فهم قسمان قسم حاكم وقسم محكوم فالأول يشعر بأن مصالحه غير مهدده عبر هذه التطورات السياسية الخطيرة وهم مخطئون على الإطلاق على حد قوله، أما القسم الثاني فهم المغيبون والمغلوبون على امرهم، وما يفرزه القسمان خط سياسي عنوانه التهاون واللامبالاة حتى وصل العرب إلى الركون على السياسة الاميركية التي تعلن لهم صباح مساء عبر التصريحات والإجراءات أنها مع الاسرائيليين قلباً وقالباً، وإذا بقي الوضع على هذه الشاكلة فإن مستقبلنا مظلم ومأساوي، اما إذا اجتمعت كلمة العرب فإن الوضع لن يكون على ما هو عليه. وحدوث تغيرات داخلية داخل الأنظمة العربية وهذا شيء مستبعد، كما يرى د.محافظة، بسبب سيطرة الأجهزة الأمنية العربية على الشعوب العربية، لذلك فالشعوب العربية اهينت وتعودت خلال نصف قرن من الزمن على الذل والهوان لكن أحدا لا يتوقع كيف ستكون ردود أفعال الشعوب العربية واحتمال رفض الشعوب العربية لواقعها المأساوي يعطى بصيصاً من الأمل لمستقبل الامة العربية، فكثير من الشعوب تعرضت للذل والمهانة لكنها انتفضت وغيرت واقعها.