فرضت احداث 11 سبتمبر في كل من نيويورك وواشنطن نفسها على تفاصيل الحياة اليومية لاكثر من 35 مليون عربي ومسلم يعيشون في دول اوروبا، وتسلطت على المهاجر العربي ظواهر الغضب والسخط والنقمة التي صارت تشبه العزف الصاخب الذي يدوي في اذنيه ليل نهار. قبل تلك الاحداث لم يكن الاوروبي يبدي اهتماماً خاصاً في شئوننا اليومية العربية كمهاجرين على المستويات كافة، ولم يلتق زعماء اوروبا ولا مرة للتباحث في هذه المعضلة (الهجرة) وكأنهم غير معنيين بها. الا انها اصبحت هما اوروبياً كبيراً بعد مجيء احداث 11 سبتمبر لتدخل عنصر الارهاب اليها، فاصبح هاجس الارهاب يطغى على السياسات التي تتبعها هذه الدول، وتصدرت هذه الظاهرة الى جانب الهجرة والمهاجرين جدول اعمال القمم والاجتماعات الاوروبية على مختلف المستويات، فالجاليات العربية والاسلامية من وجهة نظر هؤلاء هي بؤر طبيعية لاحتضان ما يصعب توقعه من مخاوف تهدد حياة مواطنيهم. وتعطلت في هذا الظرف الذي زادت به حدة التوترات اليومية اجزاء كبيرة من سياسة التسامح التي طالما اعتبرت من مواصفات النظم الديمقراطية الاوروبية. كما طالبت ولاتزال عدة دول اوروبية مثل المانيا وايطاليا واسبانيا وهولندا بفرض عقوبات على الدول التي لا تقفل حدودها امام خروج المهاجرين في شكل فاعل والغاء اتفاقات الشراكة القائمة معها. واتجهت الدول الاوروبية الى تشريع سلسلة انظمة جديدة معطوفة على التشريعات القانونية الصادرة من برلمانات هذه الدول تستند الى معادلة الامن والعدالة للحد من التسهيلات في شأن الهجرة واللجوء في اشارة واضحة الى تداعيات احداث سبتمبر الماضي. في هذه الاجواء الملبدة الكالحة زادت نغمة التباكي في الكتابات الاوروبية على الديمقراطية في العالم العربي، وظهرت الاحاديث اليومية السامة في الصحافة ووسائل الاعلام الاخرى بعد ان اصبح العرب فريسة سهلة يتعرض لها من يشاء، ولم يعد تشويه سمعتهم وصورتهم امراً يحترم فحسب ولكنه غدا امراً مدراً للارباح، وهذا التشويه المجاني المستمر اصبح يتحدث بلغة نقدية حادة وجارحة تفتحه ليل نهار ابواب غياب المشاركة السياسية الحقيقية في اطار الانظمة العربية وتتزامن موجة العداء مع المخاوف مما يروج عن الاسلام والمسلمين لتظهر كتابات وحوارات وكتب تعود بنا الى موجات الغضب والكراهية التي كانت سائدة في القرون الوسطى ضد المسلمين والتي كانت تطالب بتنصيرهم قسراً او طردهم من البلاد عزاباً او متزوجين عاملين او عاطلين عن العمل، كما ترسمه بيانات الرابطة الشمالية الايطالية التي يتزعمها العنصري اومبيرتوبوسي وزير التعديلات الدستورية في حكومة الائتلاف اليميني الحاكم في ايطاليا. وابرز هذه الكتب (الغضب والكبرياء) للصحفية الايطالية اوريانا فالاتشي الذي اثار حتى الان عدة موجات من ردود الفعل ضد اطروحاته العنصرية النازية، فهو يحمل كما كبيراً من الحقد والتضليل ومجافاة الوقائع تقطر كل كلمة من كلماته بالسم الرخيص، تصف العربي بأنه انسان غير مقاتل، ولا يليق به حتى وصف الجندي لأنه مجرم بالفطرة وكذاب ومخادع ومحتال يبحث عن اللذة الرخيصة على حساب المبادئ والمثل العليا. كنا ولانزال تحت مفاعيل الحملة على الارهاب التي مازالت تلقي بظلالها الكثيفة والكريهة على النظرة الى المغتربين العرب والمسلمين، في جميع الاوساط الاجتماعية والثقافية، علماً بأن اغلبية عرب المهاجر الغربية مولعون بابراز خصوصيتهم كي يثبتوا ان الغربة لم تفعل فعلها فيهم، وانهم اوفياء للجذور، ويعيش اغلبهم على هامش الحياة السياسية والثقافية وتحبيذ الانعزال وتجنب الظهور وحب الانغلاق. وهذا الامر سهل علينا كعرب في بلاد الاغتراب ان نعيش محبطين تحت رقابة عيون الاخرين التي انفتحت بكل آفاقها المتفحصة لرصد حركاتنا لاجل دفع فواتير يومية من دمائنا ودماء اولادنا للتهديدات التي تنطلق بين الحين والاخر من امراء المؤمنين وهي تتوعد الاميركيين والاوروبيين بالويل والثبور، وتذكر ضعاف النفوس بحتمية الانتصار الموهوم لتجرفنا مياه حقد من نعيش معهم اكثر فأكثر. وعلى الرغم من حالة الهدوء الحذر الذي تعيشه اوساط عديدة ان الجاليات العربية في الشارع الاوروبي، وعلى الرغم من الاتحاد الاوروبي بدأ بضخ الاموال في اسواق المال وخفضت مصارفه المركزية اسعار الفائدة الى ادنى مستوياتها منذ عقود، مما ساعد اقتصادياتها على تجنب تباطؤ طويل الامد، وبدأ الانتعاش الاقتصادي الذي انتكس بعد تداعيات نيويورك وواشنطن، الا ان حالة من الاحباط والخوف وبرودة في الحياة ما زالت هي السائدة، جاعلة اياً من المغتربين يمتلك شعوراً بتحمل جزء من المسئولية تجاه ما حدث، وانه سيخسر او يضحي بشيء. دول الاتحاد الاوروبي شهدت خلال الاشهر الاخيرة تراجعاً ملحوظاً في حملة العداء المستعرة ضد العرب والمسلمين والتي انخرط فيها عدد كبير من السياسيين والاحزاب اليمينية والعنصرية، للحد الذي بدأنا نشعر وكأننا في حالة اشتباه او اتهام دائم في مواقع العمل وفي الشارع والسوق وحتى في اسرة النوم، وقد نجحت هذه القوى العنصرية التي يساندها اللوبي الصهيوني بالربط بين الارهاب والاسلام، فالحقت بالعمالة العربية المهاجرة وبالذات العمالة غير الشرعية من الذين لا يحملون بطاقات اقامة قانونية كل انواع العسف الاقتصادي والاجتماعي والنفسي والسياسي، تتوجت بالطرد الجماعي للعدد الكبير من الابرياء من مساكنهم ومواقع عملهم. كما تعرض العديد من ابنائنا وبناتنا الى حملات تكاد تكون منتظمة من مظاهر التمييز العنصري، ولم تترك لاحد حرية الاختيار او الحياد، لقد كان الكلام ولايزال علناً ومن قبل الولايات المتحدة الاميركية رددته بعدها حليفاتها الاوروبيات حيث الخيار واحد اما ان تكون معنا او مع الارهاب الذي يعني لبعض المتعصبين الاوروبيين تردد بعضنا على الجوامع او المراكز الثقافية العربية. لا يمكن اغفال ما سعت اليه بعض الاحزاب والقوى اليسارية المحبة للخير حيث تمت ما يشبه حالة الاستيقاظ من خلال بعض الدعوات لضمان تهدئة الخواطر وعدم الخلط بين الارهاب والاسلام والاعتراف بدور الحضارة العربية والاسلامية، وعن الروابط القوية بين اوروبا ومنطقة الشرق الأوسط، مما أدى الى تحسين صورة العرب والمسلمين بعض الشيء وأدى الى تصحيح بعض من اوضاع الناس الذين تضرروا وتراجع حدة العداء للجاليات العربية والاسلامية عموماً في أوروبا. المواطن العربي في اوروبا بدأ يشعر بأنه خارج كل منافسة حتى لو كانت شكلية في الواقع الاجتماعي الذي يعمل ويعيش بداخله، فثقافة الهيمنة التي تقوم على زعم الطرف الوحيد القوي الذي لا يرغب في اشراك غيره بكونه الضحية المستهدفة، فهو المحق والقوي والأفضل، وهذا الموقف اشعر بعضنا بوجود حدود لأوهام التعايش السابقة، فنحن من وجهة نظر الآخر ارهابيون وشياطين تستحق الرجم، وقد قامت الآلة الإعلامية اليهودية التي تفرض هيمنتها على أبرز المؤسسات الإعلامية الاوروبية بتنشيط دماء مؤسساتها ورجالها، لتسبق السياسة الاوروبية في توجيه أصابع الاتهام الى كل من يظن انهم خلف هذه الأعمال، ولترسم صورة الارهابي العربي الذي يعيش الى الجوار وتحفر في ذهن الجميع صغارا وكبارا وشيوخا واطفالاً لتحقيق أغراضها العدائية وتعبئة الرأى العام الاوروبي بصورة مكثفة لمواجهة العدو الجديد (العربي)، من خلال تغطية كانت مكثفة وتركز على الأحداث، وقد استطاعت هذه الآلة الجبارة على تشكيل الرأي العام العالمي المساند لوجهة النظر الاميركية التي تشحن النفسيات وتعبيء المشاعر المعادية لتكيل الاتهامات الى العرب أينما وجدوا لتلبيسهم الصورة الارهابية الوحشية التي تسعى للقتل وسفك الدماء. التغيرات شملت جميع القطاعات يتلمسها المغترب العربي من خلال المعاملات التي باتت تستغرق وقتاً أطول في انجازها، أو من خلال المعلومات الثبوتية التي بات العديد مطالب بتقديمها الى الاجهزة الأمنية، أو في عمليات التدقيق وتأشيرات السفر والمطالبة بالحقوق في مقاعد الدراسة أو المعامل، كما فرضت تدابير أكثر صرامة على المقيمين، وجر العديد منهم الى أقبية التحقيق حيث سلحت العديد من الحكومات الاوروبية نفسها بسلطات أوسع للاعتقال وقلصت الحقوق المدنية للمحتجزين في اطار ما تدعيه بسعيها للتعرف على شركاء محتملين. وسياسة التراجع في الحقوق الاجتماعية الممنوحة للمهاجرين والمقيمين الاجانب وبالأخص العرب منهم شملت تشريعات جديدة تسمح بترحيل المهاجر إذا طرده رب العمل، مما شجع في زيادة استغلال ارباب العمل للمهاجرين كما هو الحال في ايطاليا، كما يخضع طالبو الاقامة على الأراضي الدنماركية الى امتحانين في اللغة الدنماركية والمواطنية، وتتبع هولندا سياسة طرد كل طالبي اللجوء الذين دخلوا البلاد من دون وثائق وتحديد عملية الانضمام العائلي... الخ. وردت العديد من دول الاتحاد الاوروبي التي تحولت نحو اليمين الذي نجح حتى الآن في اثبات قوته في فرنسا وايطاليا وصولاً الى الدنمارك وهولندا مروراً بأسبانيا والبرتغال والنمسا، بتغذية المخاوف المتعلقة بالهجرة، وبنشر الذرائع والأكاذيب لتخويف الناس من أخطار شرق أوسطية وهمية بحجة حماية السكان من الأخطار النووية والاشعاعية والجرثومية والكيماوية القادمة، فوضعت الحكومة الايطالية على سبيل المثال خطة لمواجهة أي هجوم بالاسلحة الكيماوية أو البيولوجية وخصصت نحو 60 مليون يورو على مدى ثلاث سنوات للاستعداد لمواجهة أي هجوم ارهابي، وهي بين الحين والآخر تعلن عن قبض قواتها الأمنية على جماعات يشتبه بارتباطها بشبكة القاعدة، ولا يصيبها الخجل أو الحياء حين تقبض على مهاجرين عرب أثناء زيارة لهم بصحبة استاذ جامعي ايطالي احدى الكنائس بحجة انهم يخططون لنسف الكنيسة، وسرعان ما تكتشف انهم مجرد زوار. وفي بريطانيا تشكلت قوة تدخل سريع تضم ستة آلاف من جنود الاحتياط مهمتها التدخل فوراً بعد اعتداء ارهابي على أراضيها، اضافة الى تصاعد المضايقات وسن القوانين المجحفة بحق المهاجرين الجدد. هناك غياب عربي كامل تجاه ما تتعرض له الجاليات العربية من جراء هذا الحدث الكبير، فنحن طيلة عام كامل لم نجد فريقاً عربياً من أي جهة عربية رسمية أو شعبية (السفارات العربية، المؤتمر الاسلامي... الخ) قد شارك في الدفاع عن مصالح ووجود هذا العدد الكبير من المهاجرين، وهذا الفشل الاعلامي العاجز أساسا والذي لم يرسم له أي تأثير ولم يمتلك بعداً عالمياً ليدافع عن العرب، يبقى من وجهة نظرنا إعلاماً عربياً رسمياً يعكس الموقف السياسي العربي الضعيف، الذي يفتقد حريته ويرتكن على الدوام الى الرقابة، فحتى القنوات الفضائية وبعض المواقع الاخبارية المستقلة على الانترنت تظل استثناء، لأنها ناطقة باللغة العربية، ولها تأثيرات محدودة لا تتجاوز العالم العربي. وأبرز مثال هو انطلاقة القناة الفضائية الاسرائيلية التي بدأت بالبث العربي، في الوقت الذي تتوالى فيه اجتماعات وزراء الإعلام العرب ليناقشوا خططهم بشأن (المؤامرة) التاريخية على الأمة العربية وكيفية تصحيح صورة العرب في الغرب من خلال ايجاد وسيلة إعلامية عالمية مؤثرة تتمثل بفضائية عربية ترعاها وزارات الإعلام العربية.إ ننا وللأسف وبعد سنة كاملة من الانتظار لوضع استراتيجية إعلامية عربية لتصحيح صورة العرب في الغرب لم نر فعلاً ملموساً في التعاون ولا في الخطط المتصدية لما يطلق عليه اسم المؤامرة التي اهتزت بها صورة العرب في بلاد الغرب، فمازالت حكوماتنا ومؤسساتنا وسفاراتنا تعاني من التردد والوعود لتخلق مسافات يصعب تحقيق بعض منها، فالانظمة السياسية العربية التي لم تتمكن لحد الآن من تطوير علاقة سوية مع شعوبها بالداخل، أثبتت انها غير معنية بمعضلة مواطنيها في دول الاغتراب الذين نزحوا عن بلدانهم التي ضاقت بهم، بسبب قصور اقتصادي معطوف على قمع سياسي واجتماعي، إذ ان المهاجر العربي الذي يسمع ويتابع سيل الكلام المهدور عن الحاجة الى العمل الثقافي والإعلامي المشترك، وعن ضرورة وجود خطة إعلامية مشتركة ومدروسة لمواجهة الاستحقاقات، والقدرة على تحقيق نتائج تستهدف تحسين الصورة لدى الآخرين، مازال يرتطم بظاهرة التقاعس والتخاذل في الخطاب السياسي العربي الموجه الى الخارج والذي لايزال مزدحماً بكل أشكال الزخرفة اللغوية. ـ كاتب عراقي ـ روما