بعد مرور عام كامل على احداث 11 سبتمبر لا تزال معظم دول العالم مشغولة بتداعياتها الحقيقية، كما ان تبعاتها مصادر قلق واضرار لشعوب كثيرة، واسرار تلك الاحداث لا تزال فى رحم التاريخ، فاميركا لم تعلن الحقائق الكاملة لما تكون قد توصلت اليه من نتائج تحرياتها وابحاثها...؟!، وربما لا تعلن ذلك لاسباب استراتيجية فى عصرنا الراهن، ومن الممكن ان تلتزم الصمت ايضا خلال السنوات المقبلة، فالاحداث كانت كبيرة وفاجعة، واسرارها ستكون اكثر بشاعة، وعلى الرغم من التكهنات والاستنتاجات واختلاف الآراء حول احداث سبتمبر، الا ان الواقع يؤكد بما لا يدع مجالا للشك ان العرب والمسلمين جميعا مستهدفون، فقد ثبت ان اميركا وبعضا من حلفائها فى الغرب والشرق الاوروبى دخلوا حلبة تصفية حسابات تاريخية قديمة وحديثة، وامام حجم المصيبة الكبرى التى اصابت اميركا شعبا وحكومة، وقفت حكومات دول عربية واسلامية عاجزة تستجدى الامن والسلام لشعوبها، تدافع عن ذنوب لم تقترفها. حول 11 سبتمبر.. الذكرى والتداعيات اجرى «الملف السياسى» عددا من اللقاءات مع خبراء السياسة والاعلام فى كل من بروكسل ولاهاى واستطلع آراءهم: الخبير الاعلامى بشئون الشرق الاوسط «بيرتس هيندركس» يقول: لو لم يكن حدث 11 سبتمبر لكانت اميركا ستصنع مناسبة اخرى تتذرع بها لتقليم أظافر دول وشعوب بعينها، وذلك لان واشنطن فشلت خلال العقد الاخير من القرن الماضى فى تحقيق اهدافها عن طريق منح المعونات لتقييد حريات القرار فى عدد من دول العالم، فقد كان التطاول عليها وسبها على الساحة الدولية من طرف دول صغيرة يسبب لها نوع من الارق والاحراج، وهى الدولة الكبرى التى لا تريد التنازل عن الاستمرار فى لعب دور الاخ الاكبر للعالم. ـ هل تقصد دولا محددة مثل العراق وليبيا؟ ـ أسماء الدول وتحديدها لا يهم الان فى هذا الاطار بقدر ما يهمنا البقاء داخل الهدف، واعلان اميركا بعد احداث 11 سبتمبر سياسة «من ليس معنا يكون ضدنا» هو تجديد لسياسة اميركية قديمة، التى تقوم على التحالفات حتى ولو كانت جبرية، من اجل تحقيق مصالحها، وقد شهد العالم كله تجربتها فى فيتنام وخوضها حربا طويلة، كما ان سبتمبر أسفر عن تغيير يكاد يكون دائما في النظام العالمى، فقد حدثت تحالفات غير متوقعة، نتجت عنها تنازلات دبلوماسية جاءت مفاجئة للبعض، اضافة لاحياء اتفاقيات واجراءات قديمة كانت شبه نائمة، فجاءت مبادرة «روبرتسون» السكرتير العام لحلف شمال الأطلسى واعترافه بأنه كان أول شخصية سياسية سعى لتفعيل المادة الخامسة من ميثاق الحلف، وتمنح هذه المادة لأعضاء الحلف حق الدفاع المشترك، واعتبار أن أي هجوم على إحدى دوله يعتبر هجوما على جميع الأعضاء، وهذا يبين مدى نقاط التحالف والالتقاء السياسى والاستراتيجى، بجذوره القديمة وتجديداته وفقا للاحداث الملائمة لتحقيق اهداف، وفى اطار المتغيرات العالمية التي شهدناها بعد 11 سبتمبر، هو التحول المفاجئ فى العلاقات الروسية مع اميركا والغرب، اذكر انه بعد ساعات قليلة من احداث سبتمبر أعلنت روسيا بصراحة دعمها لاميركا، واتصل «فلاديمير بوتين» بالرئيس الأميركي على متن طائرة الرئاسة الخاصة، وهو ما اعترفت به «كوندوليزا رايس» مستشارة الأمن القومي والتى استقبلت مكالمة بوتين على الطائرة، فالعلاقات بين روسيا والغرب ودول اخرى اوروبية تحسنت كثيرا بعد احداث 11 سبتمبر. ـ هل يمكن القول ان 11 سبتمبر هو الذى فعل ذلك وحده أم هناك اسباب أخرى؟ السياسة هى استثمار يتم تأجيله، او الاسراع به وفقا لحالة السوق لمنتج ما، وتبقى بعد ذلك عملية التصنيع والبيع، هكذا هى لعبة السياسة التى تدفع المصالح للتباعد او الاقتراب حسب الظروف، فروسيا رأت فى دعم الموقف والرؤية الاميركية باعلان حربها على الارهاب فرصة ذهبية لكسب تأييد اميركا فى حربها ضد الشيشان، واللورد روبنسون البريطانى اراد مجاملة اميركا بتنبيهها لتفعيل المادة رقم 5، وذلك لزيادة دعم العلاقات البريطانية الاميركية وتقويتها، وقد اعترفت روسيا بانها وجدت تعاطفا من اميركا لم تشهده قبل 11 سبتمبر. يقول «روبيرت رولان» خبير السياسة الدولية فى بلجيكا ان احداث سبتمبر اهانة طعنت كبرياء اميركا فى الداخل والخارج وشعور بعض من ساسة العالم الاسلامى بالصدمة الاميركية دفعهم لتقديم دعم بدون تفكير، ففي الحادي عشر من سبتمبر استدعى رئيس الاستخبارات الباكستانية حينما تصادف وجوده فى زيارة عمل لواشنطن اثناء حدوث الهجمات، وسلمته وزارة الخارجية قائمة مطالب أميركية، بعد عودته لبلاده بساعات قليلة اتصل «برويز مشرف» بالخارجية الأميركية وأبلغها موافقة بلاده على مطالب واشنطن، واعلن ان بلاده تتحالف مع اميركا ضد الإرهاب في العالم كله؟ ـ وجدنا ايضا سرعة استغلال اسرائيل لاحداث سبتمبر واحداث نقاط التقاء باميركا.. فهل كانت هناك خلفيات لذلك؟ ـ الخطاب الذي ألقاه الرئيس بوش ليلة 11 سبتمبر وأعلن فيه على دول العالم مقولته الشهيرة «إما أن تكونوا معنا أو مع الإرهابيين» جاء بمثابة الضوء الاخضر لاسرائيل، للحصول على دعم اميركى مطلق لتصفية حساباتها مع الفلسطينيين، وعلى الجانب حصلت أميركا على دعم غير كبير بعد هجمات سبتمبر، واسرائيل ساعدتها ولاتزال تساعدها فى ذلك، وكل شيء بمقابل طبعا، اما سياسى او اقتصادى او عسكرى، وربما كل شيء. ـ بعد مرور عام هل سيستمر الدعم شبه الدولى لاميركا؟ ـ هذا يتوقف على قدرة وجهود الدول التى تتهمها اميركا بممارسة او دعم الارهاب، فى اظهار حقائق احداث سبتمبر، واثبات عدم تورطهم فيها بشكل او آخر، والا سيتطور الوضع وتدفع دولا اسلامية وعربية بالتوالى ثمنا باهظا. ـ وهل من العدل مطالبة دول اثبات براءتها فى جرائم لم ترتكبها؟ ـ ليس بهذا المعنى.. لكن تتعاون مع الغرب واميركا فى سبيل كشف معاقل الارهاب وتنفيذ المطالب الشرعية الدولية لتطويق الارهاب، عن طريق سد منافذ تمويله ودعمه، ومحاربة الارهاب هى لصالح كل الشعوب وليس اميركا وحدها، او دولة اوروبية فى الغرب. ـ تتعامل اميركا مع هذا الملف بأسلوب املاءات الشروط ما رأيكم في ذلك؟ ـ لا ننكر ان اميركا وجدت فى احداث سبتمبر فرصة جاهزة لإعادة رسم خريطة العالم، وليس بجديد قول انها تتصرف بطريقة الامبراطوريات القديمة فى التاريخ، لكن هذا هو الواقع الذى لابد من التعامل معه بحكمة، والا حدثت مصادمات اكثر دموية تدفع الشعوب الفقيرة وحدها ثمنها. يقول الخبير الاعلامى «جورج كلان» ان ازدواجية الثأر الاميركى سياسة موسمية فى سلوكيات واشنطن يجب القضاء عليها. يقف الاعلام الاميركى وراء حكومة بوش وقد منحه شيكا على بياض دون قيد او شرط، والغرب اعلن تحالفه، ودول عربية واسلامية منحت موافقتها على كثير من السياسة الاميركية، وقد رأت اميركا فى كل ذلك فرصة تاريخية للثأر وهى سياسة موسمية فى سلوكيات واشنطن، فهى ـ اميركا ـ تستعد لشن حربا ضد العراق، وربما تتبعها بتوجيه ضربات لدول اخرى، وهنا يجب على وسائل الاعلام العربية وفى الدول الاسلامية بالتحرك دوليا وعقد لقاءات مع وسائل الاعلام فى الغرب لتوضيح الرؤية قبل فوات الاوان