يتذكر العالم كله بدرجات متفاوتة من المشاعر مرور عام على أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي وقعت في نيويورك وواشنطن والتي أطلق البعض عليها مسميات متعددة، من أبرزها وأكثرها تكرارا مسمى «أحداث الثلاثاء الدامي»، هناك من سيظل يراوح مكانه متحدثا عن ما قبل وبعد ذلك التاريخ، والبحث عن تفسيرات لفهم الأسباب التي أدت إلى هذا العمل الرهيب، والشخص أو الأشخاص أو المنظمات التي كانت وراء التخطيط ودقة التنفيذ المحكم الذي أذهل العالم. وهناك من يحاول اختبار مدى ما حققته تلك الضربة من أهداف أو فشلت في تحقيقه، ومعرفة مدى نجاح أي عمل مماثل مستقبليا على العلاقات البينية القائمة بين القوى الإقليمية وعلاقة تلك القوى بالقوة الأعظم المتمثلة في الولايات المتحدة التي أصابتها الضربة بجرح عميق في كبريائها لم تنجح حرب أفغانستان في التئامه، وتحتاج إلى حروب أخرى لمداراة خجل الفشل الذي لا يزال يخيم على آلاتها العسكرية الجبارة والأجهزة الأخرى المعاونة لها التي فشلت جميعا في توقع مثل هذا الحدث، وتخشى أن تفلت الأمور من بين أيديها في ظل الانتصار الهش الذي تم تحقيقه بعد أشهر من استخدام أعتى الأسلحة وأكثرها تدميرا على ارض جرداء ودولة مفترضة تسمى أفغانستان. هناك بالطبع من يحاول اختبار نظريات متوهمة كنظرية «صدام الحضارات» وغيرها من النظريات التي تحض على الصدام والعمل على القضاء على من تراهم العدو المحتمل ولو بعد حين، تطبيقا لنظريات أمنية تقوم على «إجهاض» ما يحتمل أن يكون مخططا لتنفيذه في المستقبل، أو في علم الغيب، وربما كانت تلك النظرية التي يؤمن بها صقور البيت الأبيض، ويجدون في الرئيس جورج دبليو بوش دميتهم التي يحركونها بسلاسة ويسر لتحقيق أهداف خاصة ضيقة تصب في النهاية في مصالح الرئيس وأسرته ومعاونيه من المستفيدين من نفط القوقاز وما يأتي بعد ذلك من تجارة السلاح والموت. هناك أيضا من يطرح الأسئلة عن الأوضاع العالمية أو الداخلية في الولايات المتحدة نفسها بعد أن انتقلت الحرب التي كانت تدور طوال عقود في الخارج وإذا بها تجري في داخل أراضى الإمبراطورية العظمى التي كانت تعتقد أنها بمنأى تماما عن أن تكون هدفا مباشرا، وأن يسقط ضحاياها في بلادهم دون أن ينتقلوا إلى الخارج كما كان في السابق. بعض تلك الأسئلة تتساءل عن مدى تأثير أحداث 11 سبتمبر في إحداث تغيير جذري أو سطحي في سياسات الولايات المتحدة تجاه الآخرين سواء أكانوا أصدقاء أم أعداء . المؤكد لكل عين تراقب تطور الأحداث بدقة أن الولايات المتحدة لم تتغير، أو تغير سياستها عن ما كانت عليه قبل 11 سبتمبر، وإن ما حدث أنها تغيرت درجة إعلانها عن أهدافها، ودرجة استخدامها للعنف من اجل تحقيق مصالحها أو مصالح شركاتها، أو حتى مصالح الطبقة الضيقة التي تدير تلك السياسات، وبدلا من الحديث سابقا عن القوة العظمى يتم الحديث الآن وبشكل مفتوح عن القوة الاستعمارية الوحيدة في هذا العالم الذي تلاشت فيه القوى الأخرى، واصبح مباحا كل شيء لجنود الولايات المتحدة، إلى درجة عدم الاعتراف بالاتفاقيات الدولية، والاستهانة بأبسط حقوق الشعوب الأخرى، بل وأبسط حقوق المواطنين الأميركيين أنفسهم الذين تم تقديم حريتهم ضحية على مذبح الحفاظ على الأمن الجماعي لكل المواطنين في مواجهة عدو مجهول اسمه «الإرهاب»، أو عدو هلامي الشكل غير محدد المعالم كالحديث عن «محور الشر» وغيرها من المسميات التي ليس هناك دليل واحد على خطورة أي منها على هذا الأمن الأميركي. كان من المفترض ألا تفاجأ سلطات البيت الأبيض، ولا الشعب الأميركي بما حدث يوم الثلاثاء الدامي، ببساطة لأنه ليس الحدث الأول الذي يقع داخل الأراضي الأميركية، وضحايا 11 سبتمبر ليسوا أول الضحايا الأميركيين الذي يسقطون داخل الأراضي الأميركية صرعى نتيجة سياسة حكومتهم في الخارج، فقد كان مبنى مركز التجارة العالمي نفسه هدفا لهجوم مماثل، وان في تلك المرة تم التفجير من أسفل، حدث هذا عام 1993، ثم حادث برج آخر في اوكلاهوما، أو في الخارج كما حدث في تفجير السفارة الأميركية الشهير في كينيا، أو ضرب المدمرة «كول» في المياه الإقليمية اليمنية. لذلك هناك من المراقبين من يرى أن لا شيء تغير داخل الولايات المتحدة ولا في سياساتها، وأن كل ما حدث أن الفواصل أصبحت اكثر حدة ووضوحا، ولا يستطيع أحد أن يحدد جهة أو أشخاصاً أو منظمات معينة يمكن أن يكون مسئولا عن أي أعمال عنف ضد الولايات المتحدة ومؤسساتها ومصالحها، لأن مواقف الولايات المتحدة في العديد من القضايا ترشح الكثيرين للانتقام منها ومن رموزها، باعتبارها هدفاً أميركياً صالحاً للرد على المواقف الأميركية تجاه قضايا مختلفة، مثل القضية الفلسطينية، وقضية حقوق الإنسان، ورفض الالتزام بمقررات كيوتو، وتحركها العلني الرافض لتشكيل محكمة الجنايات الدولية، وتحركاتها ضد أنظمة معينة كنظام صدام حسين لإسقاطه دون تقديم أدلة واضحة وقاطعة على امتلاكه، أو حتى سعيه لامتلاك أسلحة الدمار الشامل، في الوقت الذي تغض الطرف عن امتلاك إسرائيل لتلك الأسلحة وتستخدمها علنا، بل وتؤيد عمليات الإعدام اليومية التي يقوم بها الجيش الإسرائيلي ضد قادة المقاومة الفلسطينية تحت مسميات الاغتيال الانتقائي، أو تدمير البنية التحتية للدولة الفلسطينية بادعاء أنها تخدم الإرهاب، أو حتى تصدق اتهام شارون لياسر عرفات نفسه بأنه إرهابي. إذا كان جورج بوش قد أعلن منذ البداية وضع حدود لعلاقته بغيره من الدول والمنظمات والشعوب الأخرى تقوم على تفسير ديني متطرف مغرق في رجعيته، بتطبيق شعار «من ليس معي فهو ضدي»، فقد حدد بهذا الشعار أن العالم كله عدو للولايات المتحدة، ودرجة العداء تقاس بمدى تهديد أي طرف آخر لمصالح الولايات المتحدة التي اختلطت بدورها بمصالح شركات خاصة، ومصالح أفراد وجماعات لا تمثل الشعب الأميركي، المفترض أن تكون سياسة الرئيس حمايتها فوق كل شيء. من هنا، وحتى يمكن أن نعرف بالفعل من هم أعداء أو أصدقاء الولايات المتحدة بعد أحداث الثلاثاء الدامي، علينا أن نبحث عنهم، ونحدد مواقعهم باستخدام حساب المكسب والخسارة. أولا: علينا أن نبحث عن المستفيدين من دماء الضحايا الذين سقطوا في نيويورك وواشنطن، وبعد ذلك في أفغانستان، باعتبارهم ضحايا مباشرين للسياسة الأميركية، سواء سقطوا على أيدي أعدائها كما هو الحال في ضحايا مركز التجارة العالمي والبنتاغون، أو سقطوا على أيدي جنود الولايات المتحدة التي قررت اختيار أفغانستان لإعلان حربها ضد الإرهاب، دون أن تقدم دليلا ماديا واحدا على وجود منفذي العملية في تلك الأراضي، أو في فلسطين، باعتبار أن ضحايا شارون هم ضحايا غير مباشرين تسببت السياسة الأميركية في سقوطهم قتلى بسبب تصديقها للسفاح الإسرائيلي الذي يعلن أن هؤلاء ارهابيون، واغتيالهم يدخل في إطار الحرب العالمية ضد الإرهاب التي تقودها الولايات المتحدة الأميركية. يمكننا القول ان أول المستفيدين من دماء كل هؤلاء الضحايا هم الصقور المحيطون بجورج دبليو بوش وأصحاب المصالح في السيطرة على بترول بحر قزوين، ومن يطمحون إلى استخدام بترول العراق، بالطبع بعد اجتياحه الذي يتحدثون عنه هذه الأيام، لتحييد البترول العربي في منطقة الخليج، وفي مقدمته البترول السعودي الذي اعتبره رئيس المخابرات المركزية الأميركية السابق بأنه أخطر سلاح يمكن أن تواجهه الولايات المتحدة لو وجد من يفكر في استخدامه ضدها في المستقبل. تأتي بعد ذلك روسيا التي تعتبر أيضا من المستفيدين من أحداث 11 سبتمبر، بفضل تلك الأحداث واستغلال قادة موسكو له حصلت على دعم اقتصادي كبير بإعلان تأييدها للحرب الأميركية ضد الإرهاب والتي تستفيد منها في إبادة الشعب الشيشاني الذي اصبح إرهابيا في عرف الولايات المتحدة وأوروبا لأول مرة، بعد أن كان يتم النظر إليه على أنه شعب يناضل للحصول على استقلاله من الإمبراطورية السوفييتية بعد سقوطها. بل تعتبر روسيا من اكبر المستفيدين من احداث الثلاثاء الدامي لأنها بدأت تجد سوقا رائجة لبترولها، خاصة أنها تحاول منافسة دول الاوبك، مما فتح المجال أمامها للعودة إلى الساحة الدولية كقوة منافسة بعد أن كانت منعدمة التأثير بعد ما أصابها من انهيار إمبراطوريتها السابقة. تركيا حليف أميركي إسرائيلي مطلق ،وسياستها تخضع للعسكريين الذي يعتبرون الحكام الفعليين في البلاد، ويفهمون أن لهم دورا مهما لتحقيق السياسات الأميركية والإسرائيلية في منطقة الشرق الأوسط، لأن دور تركيا أساسي في حالة اجتياح العراق أرضا، وهذا الاجتياح لن يتم ما لم تكن هناك موافقة تركية، ودورها مهم أيضا في وصول بترول بحر قزوين إلى البحر المتوسط، دون أن يمر في أراض معادية للولايات المتحدة، لذلك تحاول تركيا الاستفادة من هذه العلاقة لتحقيق هدفها لدخول الاتحاد الأوروبي، وتعرف أنه لن يتم إلا من خلال ضغوط أميركية. تأتي بعد ذلك إسرائيل التي استفادت كثيرا من أحداث 11 سبتمبر، فقد أطلقت الولايات المتحدة يدها لتفعل ما تريد بالفلسطينيين وتحت مظلة حمايتها، ولكن هناك من يشكك في إمكانية استمرار استفادة إسرائيل، ويعتبرون هذه الاستفادة مؤقتة، لأن أي تغيير محتمل في خريطة الشرق الأوسط في حالة غزو العراق، قد يجبر الولايات المتحدة ومعها إسرائيل على دفع ثمن باهظ لما جرى على الأراضي الفلسطينية خلال هذا العام. وقوف دول الاتحاد الأوروبي في البداية إلى جانب الولايات المتحدة بلا تحفظ، جعلها أقرب إلى الوصيفة التي تجلس عند قدمي سيدتها في انتظار الأوامر، لكن حالة الهوس العسكرية التي تسيطر على البيت الأبيض أحدثت ثقوبا في الدعم الأوروبي لسياسة جورج بوش، وبدأت بعض الشعوب الأوروبية تجد في الإدارة الأميركية خطرا أكبر من خطر الإرهاب نفسه، وبدأت تضغط على حكوماتها لتنفذ سياسة تضع المصالح الوطنية فوق أي مصالح أخرى، من هنا يعتبر المراقبون أنه يمكن لأوروبا أن تحقق مكاسب مستقبلية لو أنها سارت في طريق مختلف، لأن السياسة الأميركية الحالية لن تكون نتائجها سوى الكوارث. أما إذا بحثنا عن الخاسرين في أحداث الثلاثاء الدامي فإننا سنجد العرب والمسلمين جميعا بدرجات مختلفة من الخاسرين، أول الخاسرين بالطبع هم الفلسطينيون الذين يعيشون وضعا مأساويا حرمهم من أي دعم خارجي، أشقاؤهم العرب يخشون غضب الولايات المتحدة، وأوروبا سقطت في خدعة الإرهابي شارون، وصدقت معظم الحكومات الأوروبية صفة الإرهاب التي تم الصاقها بالمناضلين الفلسطينيين، والبعض الآخر يخشى التحرك الإيجابي تجاه الفلسطينيين خوفا من الدعاية الصهيونية التي تركها العرب تستفحل دون أن يلعبوا دورا في تحجيمها.أ ما باقي دول العالم، بعضها يلعق الجراح التي حلفتها الكوراث الخاصة: من حروب وكوارث طبيعية، وهذا ينطبق على الدول الأفريقية، أما دول أميركا اللاتينية هناك من يتشابه مع وضع الدول الأفريقية، وهناك من له مشاكل أخرى ناجمة عن إهمال الولايات المتحدة لدورها في تلك المنطقة، لانشغالها عنهم بحربها في الشرق ضد الإرهاب، والبعض الآخر على الرغم من المشاكل التي يعيشها وفي معظمها اقتصادية يأمل في أن يستمر انشغال البيت الأبيض في حربه، لأن هذا الانشغال يوفر مناخا من العمل الهادئ لتحقيق بعض الطموحات الوطنية التي قد تقلق الولايات المتحدة. ـ كاتب مصري مقيم في أسبانيا