الملف السياسي: عام مضى على تفجيرات نيويورك وواشنطن التي تمت في الحادي عشر من سبتمبر ومازال العالم يقف مشدوها لما جرى مستعيدا الذكرى المؤلمة لحدث هز العالم، ومازالت اصداؤه وتداعياته ماثلة وستبقى لسنوات مقبلة كذلك لأنها لحظة فاصلة في التاريخ ادخلت العالم في زمن جديد هو عالم ما بعد 11 سبتمبر. وعندما نقف اليوم امام المشهد الداخلي الاميركي والمشهد الدولي لنرصد المتغيرات الدراماتيكية التي جرت في العالم جراء ذلك الحدث نجد ان التحولات بدأت من الولايات المتحدة.. هذه الامبراطورية التي تقود العولمة وتتزعم العالم الحر وتنادي بالديمقراطية وحقوق الانسان تتحول الى دولة بوليسية شبيهة ببعض الدول العالمثالثية التي ترصد أنفاس الناس وتراقب اتصالاتهم وتحركاتهم ومراسلاتهم وحياتهم الخاصة ضمن اجراءات أمنية وقيود لا تنتهي، وهي ممارسات تنتهك الدستور ومضامين حقوق الانسان وتهدر الحريات والحقوق المدنية بدعوى حماية الأمن العام وهي اليافطة المرفوعة في بعض دول العالم الثالث، ناهيك عن معتقل جوانتانامو الذي اضحى يمثل روح الانتقام الاميركي في مشهد يعكس الاستهانة بآدمية الانسان والتعاطي معه خارج القوانين والتشريعات الدستورية. ان الولايات المتحدة استثمرت احداث 11 سبتمبر جيدا حيث سعت الى تعزيز هيمنتها على العالم ووضعت استراتيجية تؤهلها لأن تكون الامبراطورية الوحيدة التي تحكم العالم وأعطت لنفسها الحق في استخدام سياسة الذراع الطويلة للوصول الى أي بقعة في العالم للاستحواذ على مصادر الطاقة وتعزيز المصالح وتوسيع رقعة نفوذها. 11 سبتمبر مرحلة جديدة بكل المقاييس سواء على صعيد العلاقات الدولية او على صعيد التفرد الاميركي بالعالم وتهميش بقية القوى الدولية والنظم الاقليمية، لذا فان الامبراطورية الاميركية تقود اليوم ما تسميه الحرب ضد الارهاب عبر خطط مفتوحة على كل القارات للوصول الى كل المناطق الساخنة وبالتالي العمل على اعادة رسم خريطة العالم واحداث متغيرات جيوسياسية تخدم مصالح واهداف واشنطن الظاهرة منها والخفية. والواضح ان مرحلة ما بعد الحرب على افغانستان قد افرزت واقعا جديدا كشف عن النوايا الحقيقية لأميركا في تحييد روسيا وأوروبا وبقية القوى الدولية عن ممارسة اية ادوار فاعلة في خارطة الاحداث لتصبح الساحة خالية للاعب واحد يمارس الهيمنة ويرغب بالاستحواذ على مواطن الثروات في العالم. ولا شك ان العلاقات العربية الاميركية لا تخرج عن ذات الاطار حيث تشهد تلك العلاقات تدهورا شديدا وتتجه للمجهول في ظل الانحياز والدعم اللامتناهي لسياسة شارون الاجرامية ضد الشعب الفلسطيني وادارة الظهر للعرب وقضاياهم، وتبدو واشنطن اليوم في حالة عداء مع الدول العربية الحليفة التي كانت قبل 11 سبتمبر تصنف ضمن الدول الصديقة التي ترتبط معها بروابط مصلحية عمرها سنوات، ووفقا لكل المقاييس فقد حدث انقلاب شامل في المفاهيم وفي الاستراتيجيات والتحالفات وتغير اصطفاف الدول ليبنى وفق اسس ومصالح وأولويات مختلفة ستفرض نفسها على السياسة الدولية وعلى مسار الأحداث. ان الولايات المتحدة التي تشن اليوم حربا ضد الارهاب تبدو وكأنها تحارب العالم كله من خلال استعدائها لمعظم الدول ضمن تصنيفات «الخير والشر» التي حددها القاموس الاميركي، لذلك فانها وضعت في استراتيجيتها قائمة طويلة من المنظمات والدول ستشملها الاجراءات العقابية بشكل أو بآخر، بيد أن التساؤلات التي تطرح نفسها هي: ما هي حدود انتهاك واشنطن لمبادئ الشرعية الدولية وعدم التدخل في الشئون الداخلية كمبدأ أصيل في العلاقات الدولية؟ وما هي مواقف الدول الكبرى الاخرى ازاء روح الهيمنة الأميركية والرغبة في السيطرة على منابع الثروات والنقاط الاستراتيجية في العالم؟ لا شك ان سيناريوهات المستقبل تحمل الكثير من المفاجآت والمتغيرات ضمن الحراك الدولي والتبدلات الحاصلة في العالم