ربط الحاج وراق سيد أحمد الامين العام لحركة القوى الحديثة الديمقراطية «حق» بين مصادرة الاجهزة الامنية لصحيفة«الحرية» وبين تحركات فئة داخل الحكومة اطلق عليها اسم «الظلاميون». وحكى وراق لـ «البيان» كيف ان السلطات الامنية قامت فجراً بمصادرة صحيفة «الحرية» التي يشغل منصب المدير العام بها عقب اكتمال طباعتها واعدادها للتوزيع مما ترتب عليه خسائر بلغت في مجملها عشرة ملايين جنيه سوداني. غير انه قلل من امكانية ان تشكل تهديداً للموقف المالي للصحيفة. وحذر وراق من «العواقب الوخيمة» التي ستترتب على البلاد من جراء تحركات الفئة الحكومية الظلامية التي ضربت السلام في مقتل». وانحى باللائمة على الحكومة في انهيار مفاوضات ماشاكوس واماط اللثام عن غضب حكومي عارم من صحيفة الحرية بسبب اتخاذها موقفاً ناقداً لقرارها القاضي بالانسحاب من المفاوضات نقله وزير الاعلام والاتصالات لرئيس تحرير الصحيفة حول خطها الذي انتهجته. وارجع المصادر إلى شعور حكومي بالرغبة في الانتقام من الصحيفة. وكانت صحيفة الحرية المحسوبة على اليسار المعتدل في المسرح السياسي السوداني قد وجهت انتقادات لاذعة للحكومة من خلال تغطيتها الاخبارية المتميزة لاحداث انهيار المفاوضات كما وجه الحاج وراق في العدد الذي لم يصل إلى القراء انتقادات اضافية من خلال عموده «مسارب الضي» للموقف الحكومي وفيما يلي تنشر «البيان» نص الزاوية التي صودرت الصحيفة بسببها: مقال الوراق لان غمار اهل السودان عانوا كثيراً من التجارب المريرة على مر الدهور، وكثيراً ما تحولت احلامهم إلى كوابيس، وقادهم ابطالهم الذين وضعوا عندهم آمالهم ومحضوهم ثقتهم إلى الهزائم والخيبات، فقد ابتدعوا حيلاً نفسية تقيهم شر المزيد من الاحباطات، ابتدعوا الا يتوقعوا شيئاً كي لا يخسروا شيئاً، وطبعوا انفسهم الا يسرفوا في التفاؤل، ولا ان يسرفوا حتى في الاحتفاء والسرور! هذه بعض من حكمتهم.. وما من منصف يلقي اليوم عليهم: ـ يشق اطول انهار العالم بلادهم من اسفلها إلى اعلاها ومع ذلك يشكون العطش! ـ ويطأوون على 200 مليون فدان صالحة للزراعة ويعانون في ذات الوقت من المسغبة والمجاعات! ـ ويتراءى السلام حتى يكاد يلمس لمس اليقين ولكنه وفي لحظات خاطفة يتلاشى كحلم ليلة قائظ! منطقيون اذاً اهل السودان في انهم اذا ضحكوا استغفروا! واعترف شخصياً بأني خرجت عن الحكمة المعتمدة، فقد تفاءلت وباسراف بسلام وشيك، ولست نادماً على ذلك، ولا يائساً ولا محبطاً، فإنى علي قناعة بأن السلام ممكن وبأن اهل السودان يحتاجونه ويستحقونه. قال هيكل: ما من قوة اقوى من فكرة آن أوانها، وقد آن أوان السلام. فهو مقبل، اما باختيار الاخيار في طرفي القتال (واما الاشرار فلا سلام لهم ـ الانجيل) واما قادم بأثمان باهظة ـ رغم انها غير ضرورية ـ عندما يفرضه الاغيار! ليس من اضافة ملموسة يمكن ان يضيفها احتلال (توريت) للموقف التفاوضي للحركة الشعبية، بل على العكس اكد اتهاماً رائجاً له ما يبرره بأن الحركة الشعبية تحرص كلماً اطلقت حمامة للسلام ان تدس تحت جناحيها قنبلة! وليس من مسوغ ابداً لقرار الحكومة القاضي بتعليق المفاوضات، فرغم ان ايقاف العمليات العسكرية مرغوب سياسياً ونفسياً الا انه لم يتم الاتفاق عليه بعد، وعلى هذه الحقيقة استندت الحكومة في عملياتها العسكرية الاخيرة، ثم انه ليس من سبيل لايقاف الحرب بغير التفاوض، واذا كانت الحكومة سبق ووافقت على اعطاء كامل الجنوب حق تقرير المصير بعد 6 سنوات بما يتضمن احتمال انفصال الجنوب فأي منطق يبرر الانسحاب من التفاوض اثر سقوط مدينة من مدن الجنوب؟ هذا بالطبع خلاف ان العملية السلمية الجارية الآن لم تعد ملكاً لطرفي التفاوض وحدهما، وانما وراءها المجتمع الدولي، ولذا غالباً ما يرتب التراجع غير المبرر عنها نتائج وخيمة.. والواضح اذا ان قرار الحكومة بتعليق التفاوض قرار غير مدروس، وهو رد فعل يمكن فهمه، ولكنه غير مبرر وغير صحيح.. وفي لحظات الانعطاف التاريخية فإن الاوجب والاوفق ان تتخذ القرارات السياسية الكبرى على اساس الحساب العقلاني الراشد والشجاع، لا على اساس الانفعالات او تحت ضغط المزايدات ودسائس المتآمرين. لو كانت في البلاد مؤسسات مجتمع مدني فاعلة لامتلأت الشوارع دفعاً وضغطاً لاجل السلام.. ولكن؟ اللهم انت السلام ومنك السلام واليك يرجع السلام اللهم انت تعرف ضعف ارادتنا وقلة حيلتنا فاغفر لنا وارحمنا وافتح علينا بالسلام!