الجدال الحقيقي الذي ساد لقاءات قمة الارض بجوهانسبيرغ رمقته واشنطن بعين الغيظ والحذر، وذلك لعدة اسباب منها الطارئ ومنها الأصيل، على مستوى الاسباب الطارئة فقد تركزت انظار العالم لفترة من الوقت على جوهانسبيرغ بعيداً عن واشنطن، وبالتحديد عن مسرح احياء الذكرى الاولى لكوارث سبتمبر التي تريد لها واشنطن ان تكون محط تركيز العالم اجمع بعيداً عن اي منافس اخر من احداث العالم مهما كانت اهمية ذلك الحدث. وعلى هذا المستوى تريد واشنطن ان تكون هي الضحية الوحيدة في المنظور العالمي ولذلك فلم يكن من مصلحتها ان تطرح على صعيد البحث قضايا المستضعفين من شعوب العالم الثالث في افريقيا واسيا واميركا اللاتينية، ولا ان تثار الضجة على الدول الغربية بما فيها اميركا نفسها وان ترفع في وجهها تهم الاستغلال والاذلال وعدم المبالاة بمصائر الارض. اما على مستوى الاسباب الاصيلة فإن غلاة المفكرين الواقعيين الذين يسيطرون على حقل العلاقات الدولية وعلى المؤسسة الحاكمة في اميركا ينظرون نظرة استخفاف الى كافة الاجندة التي اعتنت بطرحها ومناقشتها قمة الارض. ان القضية الاهم في نظر هؤلاء هي قضية الامن العالمي عموماً، وامن الدولة العظمى على الخصوص، فإذا توطد الامن ونشأت سلطة مهيمنة حاكمة على النظام العالمي تيسر عند ذلك ان تتسارع خطى التنمية وتنحل مشاكل الفقر والمشاكل البيئية والاجتماعية تباعاً. ان مشكلة الامن ليست مشكلة يسيرة، وذلك لأن المتربصين به كثر لا يحصيهم العد، واما المهتمون بحراسة وتوطيده فهم قلة معدودة، لا تتعدى الدول الاعضاء الدائمة في مجلس الامن وهذه هي الدول التي تتولى رسمياً حراسة الامن، اما فعلياً فتحرسه الدولة العظمى وحدها ولذلك فينبغي ان تظل الدولة العظمى عظمى على الدوام وان تتمتع بالهيبة اللازمة وتحظى بالطاعة التامة، والانقياد المطلق، ولكي تظل الدولة العظمى، عظمى الى الابد، فلابد ان تضاعف من اقدار قوتها وان تعمل على اضعاف الدول الاخرى وعرقلة مشاريع التسلح فيها، حتى لا تنافسها على مضمار القيادة او تتحالف ضدها في يوم من الايام، او تنخرط في نشاطات لا تتمكن الدولة العظمى من كبح جماحها. ان من الترف الذي لا مسوّغ له ان تصرف الدولة الكبرى انظارها لبحث او تنفيذ مطالب اخرى «هامشية» مثل التوازن البيئي، او الآثار السلبية لاستخدام انواع معينة من الوقود، او ما يحل بالغابات، او فتك الايدز بشعوب القارة الافريقية، او حقوق المرأة، او تفاقم المجاعات فكل ذلك مما يمكن حله مع تواصل التقدم البشري تلقائياً، او مما يمكن ان تنصرف لحله الدول الهامشية وبشريطة الا تؤدي تلك الحلول الى اي مساس بمزايا و حقوق او ممارسات الدولة العظمى. والا فإن من حق الدولة العظمى ان تتمتع باستثناء واضح من اي قرار يضيرها في ذلك الشأن. ومن هنا كان طبيعياً ان تضرب واشنطن صفحاً عن كل المقررات الى اصدرتها المؤتمرات السابقة للحفاظ على الأرض ومستقبل التوازن البيئي فهي مقررات لم تنبثق عن ارادة الدولة العظمى بل كانت لتضار تلك الدولة وتقيد مصالحها وممارساتها. الطرح المعقول الجاد ومن سوء حظ واشنطن في هذه الدورة لمؤتمر الأرض ان الدعوة له كانت موضوعية وجدية اكثر حيث ابتعدت عن صراخ التطرف المثالي الذي وسمها في الماضي، ومن سوء حظ واشنطن ان الذين تزعموا المؤتمر هذه المرة كانوا من أفذاذ القيادات العالمية الذين هم اقرب من حيث الطرح النظري والممارسة العملية الى المدخل العالمي في تحليل العلاقات الدولية وبعضهم اقرب الى المدخل الراديكالي المسمى بمدخل رفض التبعية. بدت اطروحات قادة من امثال جيرهارد شرويدر أقرب إلى تمثيل العالم ومصالحه من أطروحات واشنطن الواقعية الامنية الفاقعة ولذلك فقد حازت على اعجاب وتأييد أكثر مما تلقى اطروحات واشنطن القاصرة. ان امهات المشكلات العالمية عند قادة من امثال شرويدر تتعدى مسألة الحرب، وتتمثل في تلك التي يحدثها ويزيد من خطورة وقعها تسارع التقدم الحديث على الكوكب الارضي وتهدد مستقبل العيش فيه بأعم واعمق مما تمثله الحرب، إن الحرب قد لا تطال كل البشر، ولكن عدم التوازن البيئي، ومشكلات تناقص مصادر الطاقة بسبب الاستنزاف المتواصل لتلك الموارد المحدودة، ومشكلات نقص الغذاء مع تزايد السكان، وتفاقم المجاعات، فضلاً عن ان مشكلات حقوق الانسان التي يتواصل انتهاكها في كثير من الاقطار ويمتنع عن التصدي لها بسبب تمتع حكومات الدول القومية بحق السيادة الذي يخولها ان تفعل بمواطنيها ما تشاء، يمثل اكثر صورة تدعو للقلق عن مستقبل الانسان في كثير من دول العالم. ان الحرب مشكلة صارخة، فعلاً إلا أن أضرار المشكلات السابقة لا تقل بل تزيد على اضرار الحروب، ولذلك فلابد ان نعطي تلك المشاكل اولوية في الاهتمام والنظر والمعالجة الناجزة، ولتنصرف واشنطن الى شأنها ولكن لا يحق لها ان تعوق مجهودات من تؤرقهم تلك المشكلات. اما الراديكاليون وهم قد مثلوا في مؤتمر الأرض بقائدين ذوي نزعات ماركسية او يسارية، وعلى العموم من امثال فرناندو انريكي كاردوسو رئيس البرازيل وتابو مبيكي رئيس جنوب افريقيا فتقوم نظرتهم على قضية محورية واحدة يمكن ان تتسع ولكن سرعان ما تعود للتركيز على مناطها الاصيل وهي قضية المركز والهامش وشبه الهامش لا يتردد هؤلاء في توصيف مشكلة واحدة على انها المشكلة العالمية الاهم وهي مشكلة الاستغلال الاقتصادي والتبعية، وهي مشكلة لصيقة الصلة بطبيعة النظام الاقتصادي الرأسمالي العالمي، الذي صمم ليؤدي اولى قطائفه المتمثلة في ضمان نجاح النشاطات الاقتصادية التي يقوم بها المركز، هذا بينما لم تعط اي ضمانات تذكر للاطراف التي انحصر اداؤها في توفير المواد الخام التي تتدنى اسعارها آنا بعد آن، واستيراد المواد المصنعة التي تتصاعد باسعارها باستمرار، هذا فضلاً عن بلدان المركز التحكم في شروط نقل التكنولوجيا الى الاطراف والهوامش وشبه الهوامش وربما زاد قلق واشنطن من ضغوط قمة الارض عليها، تزعمت تلك الضغوط اقطار شأن البرازيل وجنوب افريقيا وهي اقطار تواصل نهضتها الاقتصادية والصناعية حثيثاً حتى تمكنت حديثاً من الخروج من حيز الهامش الى شبه الهامش وذلك ما يعني في عرف «الواقعية» مواصلة السعي في مضمار المنافسة وهو سعي خطي ليس على المستوى الاقتصادي والسياسي وحسب وانما على المستوى الامني والعسكري كذلك. ولواشنطن الحق كل الحق ان يتضاعف حذرها وقلقها من نجاح المؤتمر الذي اتسم طرحه عموماً بالاعتدال وتجنب المغالاة تماماً في هذا العام وقد كان يسر واشنطن ان يلج المؤتمرون في الصراخ الاحتجاجي الذي لا يفضي الى اتفاق ولا اصدار توصيات او قرارات، وقد كان التمادي في المزايدة كفيلاً بأن يجهض كل المجهودات والآمال المعقودة عليها، ولكن اللقاء الذي تم بين ممثلي التيارين «العالمي» و«الراديكالي» كان لقاء مشهوداً وقد مهد لتكاثر عدد الرؤساء، الذين شاركوا في المؤتمر في دورته الراهنة حتى زاد عددهم على المئة تواطأوا على بحث اهم المشكلات وتجنب اثارة واشنطن وت؟؟؟ جرحها الدامي منذ عام بنصب تحديات جديدة امامها في هذا الحين. دعم المنظمات الدولية وفي الاجتماع الذي تم بين قطبي التيارين الاساسيين العالمي بزعامة شرويدر والراديكالي بقيادة كاردوسو وهو الاجتماع الذي تم بتاريخ الثالث من سبتمبر الجاري تم تحديد الوجهة الرئيسية لمباحث المؤتمر وهو هدف زيادة المجهودات المبذولة في مجال استخدام الطاقة النظيفة التي لا تؤذي البيئة ولا تضر بمستقبل التمدن الانساني على المدى البعيد. وقد تضامن مع هذين التيارين المتحالفين، تيار المنظمات الدولية وهو تيار آخر يثير قلق واشنطن اذ لاتريد اي استقلال فعلي، او نفوذ حقيقي للمنظمات الدولية انما تريدها اذرعا تابعة للادارة السياسية الاميركية تستخدمها ـ مهما اختلفت تخصصاتها ـ في مجال واحد هو مجال فرض الامن وممارسة الضغوط على المخالفين لاسيما مما يسمى الدول المارقة. ولكن هاهي المنظمات الدولية تلقي بثقلها بعيدا عن واشنطن هذه المرة بتحالفها مع «العالميين»، و«الرادكاليين»، لقد حضر الامين العام للامم المتحدة، كوفي عنان، بنفسه لقاءات المؤتمر واسهم بجهد عقلي مثمر في توجيهه، وعنان مفكر طليعي يعتبر اضافة حسنة لسالف مجهودات التيار العالمي، ولعل اسهام عنان كان هو الذي شذب وأطر بقية المجهودات ودمجها في البوتقة التي انتهى اليها البحث. لقد عثر عنان على المفردة «المفتاحية» التي غدت تقود البحث وهي مفردة «المسئولية» وذلك عندما قال ان هناك كلمة واحدة تتردد في جميع اذهان المؤتمرين بجوهانسبرغ لصياغة خط التطور البشري المستدام وهي وحدها الكلمة التي يمكن ان تنبثق عنها خطة عملية ستقوم الامم المتحدة بتبنيها على الرحب والسعة هذه الكلمة هي كلمة (المسئولية) من هذا الكوكب وأمنه ورفاه سكانه في مقبل الاجيال. وقد ألمح عنان بنقد غير مشتط الى تجربة الدفع الحضاري خلال القرنين السالفين حيث اكد انه منذ بدء الثورة الصناعية في اوروبا فإن مؤشرات النهضة ابانت عن تغيير واضح في معايير العيش الاقتصادي واتسم بقدر من النشاطات الخالية من الشعور بالمسئولية حيث تم ملء الجو بالغازات الخانقة واجراء بوادر خلل بيئى مفزع تمثل في اجتثاث الغابات من اصولها واستنزاف المياه من الاسماك وتسميم المياه والتربة معا بالاسمدة الكيميائية وتصحير الارض ـ كل ذلك تم من اجل احداث ثراء سريع للانسان ولكن مع ذلك لم تتم مراعاة حسن المساواة بين البشر حيث جرى دفع قطاعات واسعة من الافارقة والآسيويين الى هوامش الهامش الذي كانوا فيه ابتداء وبالتالي ترافق عدم التوازن البيئي المستحدث مع انعدام آخر للتوازن والمساواة في انماط ومعايير حياة البشر. ان هذا النمط من التطور اذا كان صالحا لفئة معينة من البشر ـ والاشارة هنا الى اميركا بخاصة ـ فإنه يضر الاغلبية العظمى من البشر. هكذا تجرأ عنان للافضاء بمقولته ولكنه قالها بمعقولية و«مسئولية» وتهذيب واستطرد منبها واشنطن ومستحثا لها بقوله ان تكاليف التراخي والتهاون هي اكثر بكثير من تكاليف اليقظة الفورية من اجل اتخاذ موقف ناجز لاصلاح الخلل البيئى قبل ان يتفاقم وتعم البلوى به وحينها قد يتعذر او يستحيل الاصلاح. ان عنان بعيد جداً في مداخلته عن التسليم الواقعي لواشنطن كما انه بعيد جداً عن تطرف الراديكاليين الذين يشتطون احيانا الى حد رفض نموذج التطور الصناعي الراهن بدعوى عدم ملاءمته لحياة الانسان. وفي مقابل هذين التيارين الاستقطابيين يقول عنان اننا لا نحتاج الآن الى تمزيق نظام الحياة الراهن وتبديده. فهو نظام يحوي مزايا باهرة وسلبيات خاسرة والاجدر والاجدى هو ان نكشف طريقا جديدا جريئا يحافظ على المكاسب رصيد التجارب الايجابية ويضيف اليها التكنولوجيا الزراعية التي تزيد رفاهية انسان العالم الثالث، وتكنولوجيا تجديد الطاقة التي تعد من المصادر التقليدية القديمة التي تلوث البيئة وتنذر بالنضوب في المستقبل المنظور. لقد اكدت الامم المتحدة كما اكد برنامج المناخ والصندوق العالمي للطبيعة والبيئة على محاور خمسة للتقدم الانساني الراشد المنضبط هي محاور الماء والطاقة الزراعة، والتنوع البيولوجي من اجل تحقيق تقدم مطرد تزيد معدلاته على ما يتحقق حاليا في تلك المحاور ويتم ذلك بضبط السلوك السياسي والاقتصادي للدول الفقيرة على نطاق الهامش، على ان يتم ايضا الزام الدول الغنية ببذل العون لها ويتم في نفس الوقت ضبط السلوك الشره للشركات عابرة القارات التي دأبت على امتصاص كل ما يتحقق من انجاز في دول الهامش وبعض دول شبه الهامش. ان ما ذكره السياسي التنظيري المقتدر كوفي عنان كان شرارة التفجير التي اعادت دمج وصياغة متبنيات قمة الارض في اطار من المعقولية والرشد والنضج تنأى بها عما شهده العالم في قمة 1992 التي كثر بها الضجيج والعجيج من غير ان تفرز سياسات ذات أثر خلاق وبحسب قمة اليوم انها ترسي اتجاها جديدا في العلاقات الدولية يقترب بها من المنحى الانساني، وينأى بها عن مأثورات الامنيين الواقعيين الذين لا يكادون يرون ويعترفون بسوى مشكلة الحرب. ـ استاذ العلاقات الدولية ـ الولايات المتحدة