في دبلوماسيتها المتعلقة بالتعامل الخارجي، دأبت إسرائيل على إقحام الأبعاد السياسية في كل القضايا موضع الاهتمام والتداول. ويشكل هذا التقليد الذي يطرح السياسة على كل موائد العلاقات الدولية جزءا من ميراث الحركة الصهيونية للدولة اليهودية . فهذه الحركة وعت منذ باكورتها إلى ضرورة ارتباط مشروعها الاستعماري بمصالح القوى الدولية الفاعلة، وذلك بغض النظر عن طبيعة هذا المصالح وأنماطها، وعلينا - في حقيقة الأمر - أن نعترف بأنها أنجزت هذه الغاية على نحو مرض. قبل عام بالتمام، تخلت إسرائيل بوضوح عن هذا التقليد. وذلك حين اتهمت القوى العربية المشاركة في مؤتمر ديربان بمحاولة تسييس المؤتمر، المعني أساسا بقضايا حقوقية وقانونية !! وقد تبعتها في هذا الاتهام الولايات المتحدة، التي بلغ بها التأثر بموقف الحليف الإسرائيلي حد التضامن معه في الانسحاب من المؤتمر.غير أن ذلك الموقف المعاكس لم يكن، فيما أظهرت الوقائع المتصلة بمسار السلوك الإسرائيلي والأميركي في « قمة الأرض 2002»، سوى تحول إنتقائي مؤقت. ففي سياق أعمال هذه القمة عادت إسرائيل إلى سيرتها التقليدية، وعمدت إلى غمس القضايا المطروحة بالمضامين السياسية بكل قوة. من ذلك مثلا، أن الوفد الإسرائيلي إلى القمة أشاع أن ثمة تعاونا متفقا عليه بين مثلث إسرائيل -الأردن -السلطة الفلسطينية، لاستغلال نهر الأردن والبحر الميت في مشروعات بيئية. لكن الوفد الفلسطيني عجل بنفي هذه الأطروحة، مؤكدا أن حديث المشروع جاء في شكل « إعلان سياسي » ضمن خطة إسرائيلية للتأثير في مقررات قمة جوهانسبرغ. كأن الوفد الفلسطيني أراد لفت الانتباه إلى أن إسرائيل تتطلع إلى صرف أنظار المؤتمر عن خطاياها السياسية، إنطلاقا من الإيحاد بوجود تعاون بيئي مع الجانب العربي الفلسطيني. وفي تقديرنا، أن النهج الصهيوني الإسرائيلي يتسق ونظرية العلاقات الدولية التي لا تستثني الهدف السياسي من إطار مختلف أنماط التفاعلات بين الفواعل الدوليين، وتعد المساومات التي شهدتها قمة الأرض نموذجا مثاليا لصحة هذه النظرية، فالمفترض أن هذه القمة معنية بقضايا السكان والبيئة والتنمية ومكافحة الجوع والتصحر والإصلاح الاقتصادي الزراعي والصناعي.. التي من شأنها التأثير طويل الأجل على الحياة البشرية بمجملها، لكن القوى المشاركة لم تتمكن من تنمية الضغوط والمساومات والمماحكات ذات الطبيعة السياسية. و(الاستراتيجية ) والأيديولوجية عن هذه القضايا. الدبلوماسية الاميركية مثلا دافعت داخل المؤتمر عما أسمته « الإدارة الجيدة »، وهو مفهوم يعني ضرورة توفير الأخر والأنظمة السياسية والقضائية الديمقراطية التي تكافح الفساد وتحافظ على الموارد الداخلية ولا تهدر المساعدات الخارجية في أي بلد يود أن تصله هذه المساعدات، وبخلاف محاولة الترويج لفكرة وجود تعاون (فلسطيني- إسرائيلي) يشغل المؤتمرين عن العدوان المستمر ضد الشعب الفلسطيني، فقد سعى الوفد الإسرائيلي إلى إستخدام آليات إلتفافية لبيع مواقفه السياسية وتثبيت مفاهيمه حول قضايا بالغة الأهمية والحساسية في مسار الصراع الإسرائيلي العربي عموما. فخلال منتدى المنظمات غير الحكومية عممت منظمة يهودية بيئية تعمل في القدس خريطة تظهر الضفة الغربية «المحتلة» على إنها جزء من أرض إسرائيل. الأمر الذي ندد به الوفد الفلسطيني وسارع إلى تصحيحه أمام الحاضرين. كذلك إستغل الإسرائيليون المناسبة كي يحاولوا وصف الإنتفاضة الفلسطينية بالعمل الإرهابي،وقد رد الفلسطينيون بأن الممارسات الإسرائيلية في فلسطين هي التي ينطبق عليها مفهوم الإرهاب وأن الإسرائيليين « مجرمون وكاذبون ونازيون ». لقد كان تابومبيكي -رئيس جنوب أفريقيا ورئيس المؤتمر - موفقا تماما حين تعرض في أنشطته ومداخلاته لقضية البطالة والمضامين السياسية لأعمال المؤتمر. فبشكل مباشر دعا «مبيكي» إلى إقامة دولة فلسطينية وإنهاء الحصار على كوبا، وأمام آلاف المجتمعين. قال مبيكي إن «للشعب الفلسطيني الحق في إقامة دولته وله الحق في التنمية». وتبدو حكمة الربط بين هذين الحقين في ذهنية رئيس المؤتمر، من أن أهداف التنمية والحفاظ على الموارد وحسن إستغلالها وتوجيهها وإدارتها لا تتحقق بمعزل عن الاستقلال السياسي والتحرر الوطني وتقرير الشعوب لمصائرها عموما. والحق أن دول الجنوب كلها أبرزت بدورها وعيا متقدما بالحشو السياسي لقضايا المؤتمر، حتى أن معظم المشاركين من هذه الدول، على مستوى القيادات السياسية والخبراء الفنيين لم تراودهم تفاؤلات أو آمال كبيرة بشأن نتيجته. وكان لهذه الشكوك ما يبررها بالنظر إلى أن قمة الأرض لم تبحث في قضايا مستجدة تماما، لقد سبقتها عشرات المنتديات والأنشطة الدولية وثيقة الصلة بأجندة هذه القمة.وفي القمة المشابهة الأولى التي عقدت منذ عشر سنوات في ريو دي جانيرو بالبرازيل إتخذ المؤتمرون زهاء ألفين وخمسمائه توصية، لم يتم التقيد سوى بالعشرات منها. والسبب، أن جل هذه التوصيات إرتبط بمواقف وسياسات مجموعة الدول المتقدمة، بينما لم تملك الدول النامية وسائل ضغط قوية تمكنها من إلزام هذه المجموعة بما إتفق عليه. لنتأمل على سبيل النمذجة والتمثيل تطور قضية المساعدات المخصصة للتنمية من جانب الدول الغنية للدول الفقيرة، فمنذ عام 1969 أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة حجم هذه المساعدات بما يعادل 0.7 من إجمالي الناتج المحلي للدول الغنية. وكان ذلك تمهيدا لرفع هذه النسبة إلى 1 في وقت لاحق.والذي حدث بالفعل أن معظم الأغنياء لم يلتزموا بذلك القرار، بل وبما هو أقل من المعدل المطلوب بكثير. وفي مارس الماضي أثبت مؤتمر للأمم المتحدة حول تمويل التنمية ( عقد بالمكسيك) أن أغنياء الإتحاد الأوروبي يساعدون فقراء الجنوب بما لا يزيد على 33 من الناتج المحلي.. أما الولايات المتحدة فلا تقدم إلا نسبة تقل عن ذلك بكثير. لكن ما هو أهم من هذه النتيجة المخيبة للآمال، هو إجماع معظم المؤتمرين على أن المساعدات التنموية ليست مبرأة إطلاقا من شبهة الإرتباط بشروط سياسية يفرضها الأغنياء على الفقراء. وفي هذا الإطار، عبثا تذهب دعوات التعاون الدولي من منطلقات إنسانية وتعاطفية بحتة. فالعلاقات والإنحيازات السياسية تكاد تكون المحدد الحاسم لحجم هذا التعاون ولمعرفتها اليقينية بهذه القاعدة، فإن دول الجنوب لا ترى في قمة الأرض الأخيرة وبقية الملتقيات العالمية المشابهة أكثر من منصة تجأر عليها بالشكوى من سياسات الأقوياء، الأغنياء، المتقدمين. أما عمليات المنح والمنع الحقيقية فتجرى بناء على مساومات لها مسارب أخرى تحف بها الضغوط والتفاعلات السياسية من كل جانب،وداخل هذه العملية المعقدة، تظهر تجليات موازين القوى بين الأطراف بالمعنى الشامل. بل وتظهر تداعيات طبيعة النظام الدولي ونمط توزيع القوة والمكانة بين أطرافه. إن تسيد الولايات المتحدة لقمة هذا النظام بصورة منفردة تقريبا، سمح لواشنطن بنبذ كثير من الأطر التعاقدية الدولية المتعلقة بقضايا الحفاظ على البيئة ومساعدة الدول الفقيرة ومواثيق حرية التجارة.. فهي رفضت التعليق على مواثيق كيوتو،وعلقت مساعداتها الخارجية على إلتزام الدول المتلقية بأطر سياسية نظامية معينة، وتقوم بدعم المزارعين الأميركيين بنحو 180 مليار دولار مهددة بذلك الصادرات الزراعية للآخرين، بمن فيهم الحلفاء الأوروبيين !. ومثل هذه المواقف والسلوكيات لايمكن - ولا يصح أيضا - مطالعتها إلا من خلال موازين القوى في النظام الدولي برمته. فالولايات المتحدة تدرك أنها دوليا بمأمن من الضغوط التي يخضع لها الأخرون حتى إشعار أخر. في كل حال ستتخذ قمة الأرض بضع مئات من التوصيات التي تضيف الكثير للتراكم التقليدي الموروث عن الملتقيات السابقة المشابهة. ولا تراودنا الهواجس في أن هذا التراكم، قديمه وجديده، لن يجد طريقه إلى التطبيق الفعلي، طالما ظل محكوما إلى المساق السياسي الاستراتيجي للعلاقات الدولية. فالكلمة في هذا المساق مازالت للمصالح الذاتية بمعناها الضيق للفواعل الدوليين. ومع ذلك يبقى لهذه القمة،ونظائرها،بعض الجدوى بالنسبة للمستضعفين في الأرض. ففيها ومن خلالها يستطيعون البوح بهمومهم وشواغلهم وتبليغ رسالتهم. لقد أشرنا إلى أن القوى الطغيانية الإستعمارية كإسرائيل، تغتنم هذه المناسبات لتسييس خطابها وتبرير إجرامها وتزوير كثير من الحقائق المحيطة بوجودها وسلوكياتها.. ونحسب أن معسكر المستضعفين أولى باستخدام المناسبات ذاتها لفضح هذا الإجرام والتزوير. وبيان الطابع باستخدام المناسبات ذاتها لفضح هذا الإجرام والتزوير وبيان الطابع « الإنساني» الحقيقي الذي تنطوي عليه مقاربة هذا المعسكر للعلاقات الدولية. ـ كاتب فلسطيني