يبدو أن الولايات المتحدة لم تدرك بعد أن كل البشر على كوكب الأرض في سفينة واحدة، وان الثقوب التي تتسع في جسم السفينة سوف تغرقها بكل من تحمل، لا فرق في ذلك بين غني وفقير، أو قوي وضعيف، ورغم أن المنطق البسيط يقود أي عاقل إلى ذات النتيجة إلا أن تلك البديهية غائبة - أو مغيبة - عن الرئيس بوش، الذي قرر ألا يحضر قمة جوهانسبرغ، مع ما يعنيه ذلك من كونه علاقة تراجع من جانب الدولة التي تزعم قيادتها للنظام الدولي الجديد، دون منازع، حتى أن مدير البرنامج الدولي في مجلس الدفاع عن الموارد الطبيعية أكد أن غياب بوش عن القمة، يعكس حقيقة أن أميركا لم تعد تقدم ذلك النوع من القيادة الضرورية، إذا كنا بصدد التعامل مع القضاء الخاص بسوء حالة المناخ، وحماية البيئة، والتنمية المستدامة. يأتي غياب بوش في إطار سياق عام يعكس الجنوح الشديد باتجاه الفردية التي تفتقد أي غطاء أخلاقي، لتصرفات القطب الأوحد التي تمس حقوق ليس فقط الفقراء من أبناء العالمين الثالث والرابع، لكنها - أيضا - تطال وأن بدرجة أقل مصالح الحلفاء والأصدقاء من الأغنياء على جانب الاطلسي الآخر. لقد كان المشهد الافتتاحي في ولاية بوش اعلان الانسحاب الأميركي من إتفاقية كيوتو في مارس 2001، والذي فجر أخطر أزمة دولية تتعلق بسياسة الحفاظ على البيئة منذ فترة بعيدة، بدعوى أن الإتفاقية قد تضر بالاقتصاد الأميركي في بادرة تبرهن على التجاهل التام لمصالح العام أجمع. وفي الوقت الذي أحجمت فيه إدارة بوش عن اتخاذ أي خطوات مؤثرة في مجال حماية البيئة من التلوث بفعل ضخها 25% من الغازات المسببة للاحتباس الحراري، بينما تعدادها 4% فقط من سكان العالم، ورفض بوش - أيضا - التوقيع على «ميثاق ديو» حول التنوع البيولوجي، كما رفض المصادقة على اتفاقية حظر التجارب النووية،ولم تسلم حتى بيئة بلاده من بطشه - لصالح اباطرة النفط والمال - إذ اقترح التنقيب عن النفط في محمية ألاسكا الطبيعية، كما اقترح قطع أشجار غابات جنوب غرب أميركا بزعم إتقاء الحرائق. ولم تلتزم الولايات المتحدة بتقديم مساعدات للدول الفقيرة بنسبة 0.7% من ناتجها المحلي، والتي تعهدت بتقديمها الدول الغنية، كما رفضت فتح أسواقها أمام صادرات الدول النامية والأشد فقرا، بل على العكس من ذلك فإن واشنطن تمسكت بربط زيادة مساعداتها الإنمائية للدول النامية بالعديد من الشروط، بعضها ذات طبيعة اقتصادية تطلب فتح أسواقها أمام السلع الأميركية، وأخرى ذات طبيعة سياسية إذ تهدف إلى الضغط لتغيير المواقف السياسية، أو إظهار التأييد دون أي قيد أو مناقشة للتوجهات الأميركية. بداية غير مبشرة مبكرا، وقبل بدء فعاليات مؤتمر جوهانسبرغ، أعلن أكثر من مسئول أميركي أن بلاده لن تتجاوب مع المحاولات الرامية لإجراء مفاوضات جديدة حول زيادة ميزانية المعونات الخارجية، أو سبل زيادة التدفقات التجارية باعتبار أن تلك القضايا كانت مثار مناقشة في منتديات أخرى. واكتفت الولايات المتحدة بالاعلان عن رغبتها في تشجيع المشروعات المشتركة مع القطاع الخاص، وعرض تقديم الأغذية المعدلة وراثيا للدول الفقيرة التي تتعرض لأزمات غذاء مع الإصرار على رفض الإلتزام بأي إطار زمني لتقديم المساعدات، أو المساهمة في المشروعات، ولم تلق واشنطن بالا للانتقادات الموجهة لهذا النوع من المشروعات باعتبارها تزيد من مكاسب القطاع الخاص مقابل تدهور حال الفقراء. غير أن الوفد الأميركي لم يلق بالا لمثل هذه الإنتقادات، مؤكدا أنه لن يوافق على أي قرارات ملزمة، أو برامج زمنية محددة للتنفيذ، ومرة أخرى فإن الأداء الأميركي يتسق مع الدأب الذي مارست به واشنطن عملية تفريغ الكثير من الإتفاقات المهمة، وحتى المبادئ العامة التي تم التوصل إليها في قمة الأرض السابقة من مضمونها خلال العقد المنقضى، من عام 1992 وحتى الآن. تباين نسبي لقد كان ثمة تباين نسبي بين الموقف الأميركي والموقف الأوروبي، أو هكذا بدا الأمر في ظاهره، حين عمدت أوروبا إلى اعلان ميلها إلى تحديد أهداف دقيقة بالأرقام لخفض الفقر، وتشجيع اعتماد الطاقات المتجددة، تلك الأهداف التي عبر عنها المتحدث باسم رئاسة الإتحاد الأوروبي في جوهانسبرغ مطالبا برفع نسبة الطاقات المتجددة إلى 15% من الإستهلاك العالمي للطاقة بحلول عام 2010، والذي تعمد غمز الولايات المتحدة حين تساءل عن كيف يمكن لبعض الدول ألا توافق على تحديد أي هدف جديد بالأرقام، بينما يموت الملايين من البشر كل عام بسبب أمراض مرتبطة بالمياه الملوثه، وغياب نظم الصرف الصحي. ورغم هذا التباين إلا أنه تم رصد ضغوط ومساومات أميركية وراء الستار للحصول على تأييد أوروبي للقضايا الخلافية، بما يدعم الرؤية الأميركية لمواجهة مطالب الفقراء في قضايا حماية البيئة والتجارة والمساعدات وغيرها! وبينما حاولت المفوضية الأوروبية أن تبحث مع الدول الاعضاء إجراء خفض في نظام الدعم لمنتجاتها الزراعية، إلا أن الولايات المتحدة خطت عكس الإتجاه، بزيادة الدعم الحكومي للمزارعين الأميركيين إلى 180 مليار دولار، الأمر الذي يهدد الصادرات الزراعية للدول الفقيرة، في الوقت الذي تطالب فيه تلك الأخيرة بوقف الدعم لمزارعيها، وبالمقابل فإن الإتحاد الأوروبي منح الدول الأكثر فقرا في العالم فرصة لتصدير منتجاتها للأسواق الأوروبية بما في ذلك المواد الغذائية. على أن التباين بين الموقف الأميركي والموقف الأوروبي لا يعني فتح الباب على مصرعيه أمام تفاؤل الفقراء، لأن ثمة مصالح تجمع الأغنياء على جانبي الاطلسي رغم ما يبدد من هوامش قد تعكس بعض الخلافات التي يمكن للعالم النامي أن يحقق من خلالها قدرا من المكاسب. فالملاحظ أن أوروبا - بشكل عام - لم تنتقد الولايات المتحدة، إلا فيما تنفرد به الأخيرة من تجاوزات تحقق مصالحها، أما ما يجمعها من مصالح فإن وثيقة مشتركة بلورته بصورة تتيح للأغنياء على ضفتي الاطلسي التهرب من التزامات وتعهدات دولية سابقة، كما تترجم الوثيقة إصرار أميركا وأوروبا على الفصل بين اتفاقات منظمة التجارة العالمية وقضايا البيئة وغيرها مما يمس مصالح الفقراء. ولم يهتز الضمير الأميركي، أو الحس المرهف لأوروبا حين أكد تقرير لمنظمة الحياة البرية العالمية على أن البشرية تستغل مصادر الكرة الأرضية أكثر من طاقتها بنسبة 20%، وأنه مع انتصاف القرن الـ 21 فإن البشرية سوف تحتاج إلى ما يعادل كرة أرضية أخرى، حتى تستطيع تلبية الاحتياجات الأساسية، ومن ثم المحافظة على بناء الجنس البشري. تعطيل متعمد لقد نجحت الولايات المتحدة في تعطيل وضع جدول أعمال ومشروعات وثائق تقود العالم إلى حلول عادلة لمشاكله الحقيقية فيما يتعلق بالمناخ والبيئة والتنمية وتحقق لها ذلك عبر آليات عديدة، بدءا بإجهاض المحاولات الرامية للإلتفاف على حلول حقيقية للخلافات بين الاغنياء والفقراء في الاجتماعات التمهيدية خلال العامين السابقين على المؤتمر، ثم غياب بوش المتعمد عن الحضور، والتلويح بالتهديدات عبر تصريحات انطلقت من واشنطن وجوهانسبرغ، ثم محاولة القاء المسئولية عن تخلف التنمية في العالم النامي على كاهل شعوبه وحكوماته والتنصل من أي مسئولية عند الحديث عن توزيع المسئوليات، مما وضع الجميع أمام حائط صد منيع يتمثل في موقف أميركي متصلب هدفه الأساسي تمييع الصياغات، بما يسمح بترك المجال مفتوحا للتحرك حسب أهواء إدارة بوش، حتى أن أحد المشاركين في فعاليات مؤتمر جوهانسبرغ أكد أنه ليس للولايات المتحدة ما تخسره لأنها ترغب في بقاء الحال على ما هو عليه، أما الإتحاد الأوروبي فيحتاج لعزل واشنطن من خلال كسب دعم مجموعة الـ 77 للدول النامية، والسبيل الأوحد لذلك يمر عبر التفافة سياسية كبرى! (غير أن أوروبا اكتفت بالتلويح ولم تكمل الشوط لأن ذلك يزيد من أرباحها!) وربما تحمل تلك الرؤية تفسيرا للصيحة التي انطلقت من برلين عشية مؤتمر جوهانسبرغ، وتبناها وزيران المانيان عبر دعوة لتشكيل جبهة واحدة تجمع الدول الأوروبية والدول النامية من أجل الضغط على الولايات المتحدة وتحقيق تقدم في مجال حماية المناخ، ومكافحة الفقر، أو ما وصفاه بـ «التحالف من أجل العدالة الشاملة». لكن نظرة متفحصة للأمر تكشف أن جوهر الموقف الأوروبي يعكس حرصا على مصالح قطاع من الاغنياء في القارة البيضاء الذين يرفضون بقوة الاغذية المعدلة وراثيا، بينما يرى الأميركيون هذا الرفض انتهاكا لقواعد التجارة الحرة! ومن جهة أخرى يدفعون الامم المتحدة لحث الفقراء على قبول الأغذية المعدلة وراثيا! كما أن ما أصاب العديد من الدول الأوروبية من كوارث مناخية كان الدافع الحقيقي وراء تبني شعار حماية المناخ والحفاظ على البيئة. هكذا يظل ما يجمع الاغنياء من مصالح وأطماع أكبر بكثير مما يدفع بعضهم - تكتيكيا - للتظاهر بالعطف على الفقراء، غير أن الأمر في جوهره لا يزيد على كونه مجرد مناورة يدفع ثمنها - دائما - الشعوب النامية والأشد فقرا، التي ليس أمامها إلا الحلم بالعيش على كوكب آخر أكثر أمنا وعدلا بعيدا عن أغنياء الأرض الذين يصرون على خوض الحرب ضد كوكبهم لعقد مقبل على الأقل، حين تنعقد قمة أخرى تطالب - من جديد - بإنقاذ البشر والأرض من جبروت الاغنياء بقيادة أميركا! غير أنها لن تكون سوى صرخة أخرى في الفضاء الفسيح! إلى اللقاء - إذن - مع قمة أخرى بعد 10 سنوات! ـ كاتب مصري