الأرقام التي لا تحتاج إلى تعليق تؤكد أن الشمال إنما يستمر في كذبه على الجنوب بأنه سيأتي اليوم الذي تنفرج فيه الأوضاع في الوقت الذي يحدث العكس تماما: فثلاثة رجال في الشمال أغنى من 48 دولة في الجنوب و20% من السكان يستهلكون 85% من ثروة الإنسانية، وقادة الجنوب غير الديمقراطيين يجدون دعما من الشمال لتعزيز قبضتهم على ما سيبقى من شعوب الجنوب حيا في القرن الحادي والعشرين. ذكر الخبير «إيغناسيو رامونيه» في مقال له نشرته «لوموند ديبلوماتيك» في عدد شهر أغسطس: انه لو فشلت القمة العالمية حول التنمية الحالية كما حدث بالنسبة لقمة «ريو» بالبرازيل قبل 10 سنوات فإن الجنس البشري بذاته سيكون مهددا وليس فقط الكائنات الحية الأخرى الحيوانية والنباتية. ويبدو أن توقعات هذا الخبير الاقتصادي بدأت تتأكد اليوم بعد النتائج الشكلية التي يبدو أن القمة وصلت إليها. ذلك أن المتتبع لما يحدث في الواقع من استمرار في تدهور لأوضاع الجنوب وتحسن مستمر لأوضاع الشمال يكاد يتبين له بالفعل أن الشمال يريد أن يصل إلى هذه النتيجة ، مع فارق بسيط انه يعمل على إفناء هذه المليارات من البشر الفقراء الذين أصبحوا عالة عليه وتبرئة نفسه من ذلك عن طريق مثل هذه المؤتمرات. ويكفي أن يبقى الوضع على ما هو عليه ليتخلص منهم جماعيا خلال بضعة عقود من الزمن، وبعد ذلك ستبقى الأرض لأرقى الأجناس ويتحقق الانتقاء الطبيعي الذي تحدث عنه «داروين» في تطور الكائنات، والذي يتناسب مع جوهر النظرية الرأسمالية المتوحشة التي أصبحت الآن سيدة العالم. وكيف لا نصل إلى هذه النتيجة والغربيون أنفسهم يعترفون بأنهم المتسبب الأول في اللاتوازن البيئي ، وفي اتلاف الملايين من الهكتارات الغابية وفي زيادة حرارة الكوكب وتلويث الأجواء ، بل ويقولون ان أول دولة في العالم، الولايات المتحدة، هي أكبر ملوث لكوكب الأرض! فمن يعاقب من؟ ومن يحمي من؟ ومن يتكلم مع من؟ إن كل الإحصائيات التي يعرفها العام والخاص وتنشرها جميع المؤسسات الدولية تؤكد: ان أكبر 3 أفراد أغنياء في العالم تفوق ثروتهم الـ 48 بلدا الأكثر فقرا في نفس الكوكب. وان مليارا من البشر لا يتوفر لديهم الماء الصالح للشرب إطلاقا و 3 مليارات يشربون مياه غير صالحة وان عدد الذين يموتون يوميا بسبب مشكلات المياه يفوق 10 مرات عدد ضحايا هجمات الـ 11 من سبتمبر التي ضربت نيويورك أي يزيد على 30 ألفا يوميا. وأن 20% من سكان العالم يستهلكون 85% من المواد الكيماوية المنتجة، و 80% من الطاقة غير المتجددة، و40% من المياه العذبة. والمليارات الأخرى تستهلك ما تبقى من فتات. وأن هناك أكثر من 6 آلاف كائن حي يباد سنويا، وهناك إمكانية فناء 13% من الطيور و25% من الثدييات و34% من الأسماك بشكل لم تعرفه الأرض منذ عهد انقراض الديناصورات. فكيف نصدق أن كل هذا سيتم التوقف عنده فجأة بعد أن يلتقي الشمال مع الجنوب في قمة أخرى من قمم الأرض. أو لم يلتقوا قبل ذلك بعشر سنوات فماذا حدث؟ الذي حدث أنه بعد 10 سنوات من قمة «ريو» البرازيلية تبين أنه تم تطبيق عكس التوصيات التي خرجت بها القمة آنذاك. فكيف نصدق اليوم بأن ما ستخرج به القمة سيطبق في السنوات العشر المقبلة؟ بدليل أن هناك قراراً ما فتئ الجنوب بتطبيقه منذ عقود من الزمن دون جدوى وهو ذلك القاضي بتخصيص ما يقارب 1% من ثروات الدول الغنية للفقراء بل أن الهوة ازدادت اتساعا ولا أمل في أن تضيق في المستقبل. ولعل هذا ما يؤكد، سواء اعتبر البعض أن قمة «جوهانسبرغ» خرجت بتوصيات وقرارات مهمة أم لم تخرج، ان الغربيين لن يلتزموا بها كما لم يلتزموا من قبل، وان الاحتمال الوحيد وشبه المؤكد بالنسبة لنا أن فناء جزء من البشرية أصبح في حدود معينة يخدم الدول الصناعية المتقدمة باعتبار أن ذلك سيعفيها من عدة مشكلات وسيمكنها من قارات بكاملها ستبقى إذا ما استمر الوضع على ما هو عليه الآن بغير سكان يثيرون القلاقل ويتقاتلون فيما بينهم ويشكلون محاور للشر وأخرى للأصولية وثالثة للمرض أو يسعون لامتلاك أسلحة الدمار الشامل ولو كانت القنبلة القذرة. ولا أرى ان هذا يعد شططا في الخيال ، إنما هو واقع للأسف لا نريد أن نصدقه وإن كنا نراه يوميا بأم أعيننا. أليست الحروب التي تحدث في الكرة الأرضية جميعها في بلدان الجنوب وكل ضحاياها من الجنوبيين الذين يقتلون بسلاح يتم تصنيعه وبيعه في الغرب؟. أليست المجاعات التي تقضي على الآلاف من الأطفال والكبار الأبرياء كلها في الجنوب نتيجة الحرب أو الفقر أو سوء التسيير الذي للغرب أيادي طولى فيه لا شك في ذلك؟. أليست أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية هي مقابر نفايات الغرب بتواطؤ من النخب الحاكمة المساندة من قبل البلدان الصناعية بما لكل ذلك من انعكاس على صحة السكان وعلى زيادة وفيات الأطفال من جراء الإشعاعات واستهلاك المواد المشعة؟ هل يمكن أن نجد أزمة في العالم أو تدهورا في الأوضاع البيئية والاقتصادية والصحية وليس للبلدان الصناعية المتقدمة يد طولى فيه؟. ألا يعتبر هذا إسهاما في القضاء على جزء من الجنس البشري لصالح جزء آخر يعتبر أرقى وأذكى واقدر على البقاء؟. يبدو أن الأمر في حدود معينة هو كذلك وإن كانت لنا مسئوليات فيما يحدث. وإن كنا نجني ثمار تساهلنا أو قبولنا بسيطرة الآخر الذي مازلنا نعتقد أنه بإمكانه أن يقود ويسود كما كان من قبل، واننا لا نستطيع بدونه أن نعيش. وهي ذي بالفعل المأساة أنه بقدر ما نلوم الآخر على استغلالنا والعمل على إنهائنا من الوجود تماما ننسى أن نلوم أنفسنا نحن الذين يذهب قادتنا بالمئات وجماهيرنا بالآلاف إلى «جوهانسبرغ» ـ إذ قدر عدد المشاركين بـ 60 ألف مشارك من 180 بلدا ـ ولكنهم لم يذهبوا للدفاع عن شعوبهم ومستقبلها بقدر ما قام أغلبهم بعملية استعطاف غير مجدية للآخر همهم الوحيد أن يرضى عليهم ولا يزحزحهم من كراسيهم. فكم من قائد من قادتنا في الجنوب ذهب وهو مطمئن على عرشه ليتفرغ للدفاع عن مستقبل بلده وأمته وحضارته؟ وكم من وفد من وفودنا ذهب من غير أن تكون الأعمال أو السياحة حتى هي هدفه وبعد ذلك لا يهم إن احترق الكوكب أو انتهى هذا النوع من الثدييات أو ذاك أو حتى اندلعت هذه الحرب أو تلك ما دام سيجني الثمار من رحلته ويعود سالما غانما؟ كم من مسئول جنوبي سيجعل العلاقة مع نظيره الجنوبي الآخر أعلى وأهم من تلك التي يقيمها مع الأوروبي السيد والمتحكم في مصيره وفي جزء من مصير العالم. أي أن أغلب وفودنا ذهبت لتسجل المطلوب منها القيام به لصالح الشمال وليس العكس لتحظى في المقابل بتأييدها له وبالاستمرار في تعزيز بقائها على رأس هذه الدولة أو تلك. وبعد ذلك فليعم الطوفان. ولعل هذا ما يجعلني أكثر اعتقادا بأن الغربيين في قرارة أنفسهم يعتبروننا أهل لأن نزول لا أهل لأن نبقى لأن قادتنا في الواقع لا يتصرفون كقادة شعوب تريد أن تجد لها مكانة في هذا الكوكب إنما كقادة يريدون البقاء بمفردهم ولو انقرضت شعوبهم على آخرها. وفي كل الحالات فإن أيام الانقراض مقبلة. ـ أستاذ الفكر السياسي والدراسات المستقبلية جامعة الجزائر