شهدت قمة الأرض الأخيرة والتي عقدت في جوهانسبرغ بجنوب أفريقيا مواجهة بين الدول الغنية خاصة الولايات المتحدة والدول الفقيرة. هذه المواجهة وان كان موضوعها قد تركز حول قضايا التنمية ومواجهة مشكلة الفقر والبيئة والمياه والغذاء وغيرها من المشكلات التي يبدو من أول وهلة انها ذات طابع فني أو تقني، الا ان أساسها هو العوامل السياسية، ومن ثم فان لهذه المواجهة ابعادها السياسية المهمة التي يتعين تحديدها، لأنها تمثل المفتاح الذي يمكن من خلاله حل الكثير من جوانب الاختلاف بين الدول الغنية والفقيرة، كما ان هذه الأبعاد السياسية اذا لم يتم التعامل معها بشجاعة خلال المستقبل القريب، فان النتائج المترتبة على الفشل في التعامل معها سوف تكون نتائج مدمرة بالنسبة لكوكب الأرض ولمستقبل الانسان على هذا الكوكب، يؤكد هذا الأرقام التي أعلنتها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية المتخصصة حول أوضاع الفقر والغذاء والخدمات الصحية في الدول الفقيرة والتي يمثل سكانها غالبية سكان العالم، فيكفي ان نذكر في هذا الصدد ان حوالي 2 مليار انسان لا يحصلون على احتياجاتهم من مياه الشرب النقية، وعلى خدمات الصرف الصحي، وأن ما يزيد على ثلث سكان كوكب الأرض لا يتجاوز دخلهم الدولار الواحد يوميا، وأن هناك 2.2 مليون انسان يموتون سنويا نتيجة الاصابة بالأمراض الناتجة عن عدم حصولهم على مياه الشرب النقية، وأن هناك 13مليون انسان يواجهون خطر الموت جوعا في الجنوب الأفريقي، هذه الأرقام التي تثير الفزع حول مستقبل الانسان وحياته على كوكب الأرض تمثل تحديا خطيرا للمجتمع الدولي يتطلب تضافر كافة الجهود لمواجهته، وفي مقدمة هذه الجهود ما يتعلق بالجوانب السياسية، ومن هنا نركز في هذا المقال على الأبعاد السياسية لما حدث في قمة الأرض الأخيرة على النحو التالي : أولاً: الاختلاف في الرؤية بين الدول المتقدمة والدول المتخلفة حول النظام العالمي الجديد: ثمة اختلاف واضح في الرؤية بين الدول المتقدمة خاصة الولايات المتحدة والدول المتخلفة والفقيرة حول طبيعة النظام العالمي الجديد، فبينما تسعى الولايات المتحدة الى ترسيخ أسس نظام عالمي احادي القطبية لأطول مدة ممكنة تكون لها الكلمة العليا في كل تفاعلاته الاقتصادية والسياسية والثقافية، في ظل سيطرة اليمين المتطرف على ادارة بوش الابن، فان الدول المتخلفة ترى ان النظام الجديد يجب ان يقوم على توازن المصالح، وأحكام الشرعية الدولية ممثلة في الأمم المتحدة ومنظماتها المتخصصة كاطار لتنظيم التفاعلات الدولية بأبعادها ومستوياتها المختلفة، ومن هنا جاء الاختلاف في المواقف بين الجانبين، فالولايات المتحدة أرادت ابلاغ رسالة محددة الى هذه الدول فحواها انه لا يوجد في العالم أي قوة تستطيع ان تفرض أي التزامات على الولايات المتحدة، وانما الولايات المتحدة هي التي تحدد التزاماتها بنفسها وفقا لمصالحها ورؤيتها حتى في القضايا والمسائل ذات الطابع الانساني، وقد عبرت الولايات المتحدة عن هذا بوضوح من خلال رفضها الالتزام بأي برامج محددة لتنفيذ أجندة القرن الحادي والعشرين التي تم الاتفاق عليها في قمة الأرض السابقة في ريودي جانيرو عام 1992، علما بأن الولايات المتحدة كانت قد شاركت وبقوة في وضع هذه الاجندة. على الجانب الآخر كان الاصرار على وضع برامج زمنية محددة لتنفيذ هذه الاجندة من جانب الدول النامية يعكس في واقع الأمر رؤيتها للنظام العالمي الجديد الذي يجب ان يقوم على توازن المصالح والالتزامات المتبادلة اللازمة لتحقيق هذا التوازن، وفي اطار منظومة الأمم المتحدة. ومن ثم فالهوة واضحة بين الجانبين في هذا الصدد، والخلاف الذي برز بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي هو خلاف في الأسلوب وليس في الجوهر وهو يعكس المساحة المحدودة في اختلاف المصالح بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي الذي لا يرفض من حيث المبدأ القيادة الأميركية للنظام العالمي وانما يطالب بوجود بعض الضوابط التي تتيح له الفرصة للدفاع عن مصالحه وعدم المساس بما هو قائم منها في ظل هذه القيادة . الولايات المتحدة من جانبها تسعى الى تهميش دور الأمم المتحدة أو السيطرة التامة عليها من أجل توظيفها لخدمة الأهداف والمصالح الأميركية في العالم، كما أنها تسعى الى توظيف المساعدات التي يمكن تقديمها للدول النامية، بما يخدمها ورؤيتها الاستراتيجية كقوة عظمى وحيدة، ومن ثم تتمسك بمساحة من المناورة تتيح لها فرصة المنح والمنع الانتقائي لهذه المساعدات بما يتواءم وتحقيق أهدافها على المستوى العالمي دون الأخذ في الاعتبار بأي أسس أو اعتبارات تتعلق بمصالح الدول النامية، أو المصالح الانسانية، أو الرؤى الفكرية المتعلقة بضرورة الحفاظ على الحياة على كوكب الأرض، وهي الرؤى التي برزت في مطلع التسعينيات بوضوح في ظل ظاهرة العولمة، في حين حاولت الدول النامية وضع الأسس الموضوعية للحصول على مساعدات الدول الغنية وفقا لرؤيتها السابق ايضاحها للنظام العالمي الجديد. والواقع انه في ظل تصلب الموقف الأميركي وسيطرة قوى اليمين المتطرف على الادارة الأميركية الحالية، فان الاتجاه المتوقع هو تصاعد المواجهة بين الدول الغنية والدول الفقيرة، بشأن العديد من القضايا الكونية، وهو تصاعد لا يساعد على حل المشكلات الكونية التي تهدد العالم، واستمرار الحياة على كوكب الأرض، بل يمكن ان يؤدي الى تفاقم هذه المشكلات. ثانيا: الربط بين التطور الديمقراطي في الدول النامية والمساعدات الدولية: بدا واضحا من خلال ما دار في قمة الأرض الأخيرة بروز اتجاه للربط بين تحقيق التطور الديمقراطي وفقا للرؤية الغربية والأميركية في الدول النامية، وتقديم المساعدات الدولية لهذه الدول من أجل التغلب على المشكلات الخطيرة التي تواجهها، وهو ما تعتبره العديد من هذه الدول تدخلا في شئونها الداخلية ومساسا بسيادتها لا يمكن ان تقبله وقد بدا هذا واضحا في موقف الدول الغربية تجاه دولة زبمبابوي وسياسة رئيسها بخصوص الاصلاح الزراعي في هذا البلد، والواقع ان الدعوة الى الاصلاح الديمقراطي في الدول النامية تستند الى أسس موضوعية، حيث كان للنظم غير الديمقراطية في هذه الدول دور مهم في استمرار التخلف، وهو ما تأكد عمليا على مدى أربعين عاما تمثل خلاصة تجارب التنمية في هذه الدول، ومعظمها فاشلة، الا ان الدعوة الغربية والأميركية للاصلاح الديمقراطي تفتقد للمصداقية، حيث انه على الجانب الآخر، فان الخبرة السياسية المعاصرة تؤكد ان الولايات المتحدة والدول الغربية لم تلتزم في سياساتها بدعم النظم الديمقراطية، بل أنها كثيرا ما أيدت نظما استبدادية في مواجهة نظم ديمقراطية، اذا ما كان هذا يتوافق مع مصالحها، ومن ثم فان دعوتها الى الربط بين الاصلاح والتطور الديمقراطي وتقديم المساعدات الدولية تفتقد الى المصداقية ولا تتوافر ضمانات لتحقيق هذا الارتباط، كما ان الرؤية الأميركية والغربية للاصلاح الديمقراطي وهي رؤية نابعة من تجاربها التاريخية الخاصة بمجتمعاتها لا تتوافق بالضرورة مع الأوضاع في الدول النامية التي يمكن ان يؤدي الأخذ بالرؤية الغربية في هذا المجال الى مخاطر شديدة تهدد وجود بعض هذه الدول، ومن ثم فالاصلاح الديمقراطي لابد وأن يكون نابعا من داخل هذه المجتمعات وبآليات ووسائل مناسبة لظروفها وربما تكون هذه الوسائل مختلفة بدرجة أو بأخرى عما هو قائم في الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي . ثالثا: الاختلاف في الأولويات بين الدول المتقدمة والدول المتخلفة: ثمة اختلاف واضح في الأولويات بين الجانبين، فالدول المتقدمة بقيادة الولايات المتحدة تعطي أولوية واضحة لما تسميه بمكافحة الارهاب، وهي مسألة ترى الولايات المتحدة ان على دول العالم أجمع ان تعطيها نفس الاهتمام، وأن تنحاز الى الولايات المتحدة في حربها ضد الارهاب، بل ان السياسة الأميركية تتحدد تجاه الدول الأخرى تبعا لمواقف هذه الدول من تلك المسألة، في حين نجد ان الدول النامية تعطي الأولوية لمكافحة الفقر ومواجهة المشكلات الخطيرة الناتجة عنه، وأن على الدول المتقدمة مسئولية تاريخية في المساعدة على مواجهة هذه المشكلات سواء بالرجوع الى الحقبة الاستعمارية التي شهدت عمليات نهب منظمة للدول المتقدمة لصالح الدول الاستعمارية أو بحكم ان الأساليب التي اتبعتها الدول المتقدمة في تحقيق نهضتها الاقتصادية قد الحقت أضرارا واضحة بالبيئة الكونية الأمر الذي أدى الى تفاقم مشكلات الفقر وتلوث البيئة وتهديد الحياة في الدول النامية، وهذه أطروحات مرفوضة من جانب الولايات المتحدة والدول المتقدمة، ومن ثم فالخلاف في الأولويات وهو خلاف سياسي في الأساس بدا واضحا في مناقشات المؤتمر. وبالرغم من وجود علاقة لا يمكن انكارها بين الفقر ومشكلاته والارهاب الا ان الولايات المتحدة والدول المتقدمة ترفض هذا الارتباط وفقا لرؤية الدول المتخلفة، بل تحاول تحميل هذه الدول بمسئولية تفاقم ظاهرة الارهاب الدولي، خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر الدامية في الولايات المتحدة، ومن ثم فاستمرار هذا الاختلاف في الأولويات وعدم التوصل الى اتفاق بشأن برنامج عمل المجتمع الدولي خلال القرن الحادي والعشرين يحمل في طياته العديد من المخاطر على مستقبل الارض. ومن خلال العرض المتقدم يمكن القول بأنه بغير التوصل الى حلول لهذه الخلافات السياسية بين الدول المتقدمة والدول المتخلفة فان مشكلات كوكب الأرض التي عقدت من أجلها قمة جوهانسبرغ سوف تتفاقم وأن الحل يكمن في ضرورة التوصل الى توافق سياسي عالمي بشأن هذه القضايا محل الاختلاف. ـ استاذ العلوم السياسية ـ جامعة حلوان