دافع د. مصطفى عثمان اسماعيل وزير خارجية السودان عن الاتفاق الاخير الذي وقعته الحكومة مع الجبهة الشعبية مؤكداً أنه كان الخيار الوحيد، وقال الوزير ان لديه مخاوف كمواطن سوداني من هذا الاتفاق وان مخاوف مصر مشروعة ومخاوف بعض الاطراف ايضا مشروعه لكن علينا ان نعمل سويا لبناء الثقة بين المواطن السوداني في جنوبه وشماله حتى لا نصل الى الانفصال. وهذا نص الحوار: ـ لماذا هذا الاتفاق الذي من المؤكد سيؤدي الى الانفصال ولماذا كانت اذن الحرب كل هذه السنوات والتي أودت بحياة الملايين خلال 40 سنة وعطلت التنمية؟ ـ الحرب في السودان منذ 40 سنة أوجدت المرارات بين أبناء الوطن الواحد وسبب استمرار الحرب هو التدخل الاجنبي، وظلت الادارة الاميركية السابقة تستخدم هذه الحرب لاضعاف النظام في السودان دون مراعاة للارواح التي ازهقت والاموال التي بددت فالحرب بددت، اكثر من 50 مليار دولار خلال السنوات الماضية. الحرب لم يكن تأثيرها على الجنوبيين بل طالت الشماليين الذين استشهدوا دفاعاً عن الوطن وحرصاً على وحدته. إميركا نجحت في تأليب دول الجوار لتوفر قاعدة خلفية للتمرد وتقدم الدعم المطلوب، وللاسف الشديد السودان تعرض للغزو ثلاث مرات منذ 1997 من دول الجوار وهذه الدول تدخلت مباشرة في السودان بدعم من أميركا واستحدثت مظلة المعارضة كستار، واستمرار هذه الحرب بدأ يخلق نوعاً من التساؤل.. الحكومة والشماليون يتساءلون الى متى ستستمر هذه الحرب.. السودان ظل متخلفاً منذ الاستقلال اذا قورن بمثله من الدول التي استقلت مثل كوريا الجنوبية وماليزيا» فكوريا استقلت مع السودان عام 1956 ولم يكن لديها بترول أو أنهار وثروات زراعية وعلى الرغم من ذلك اصبحت من الدول المتقدمة والسودان ظل بين 56 دولة الاكثر فقراً في العالم لان كوريا امتلكت الاستقرار السياسي والاجتماعي وماليزيا نجحت في استثمار ثرواتها رغم تشابهها مع السودان في تركيبته السكانية من تعدد الأعراق والثقافات واصبحت ماليزيا واحدة من النمور السبعة والسودان اصبح من أكثر الدول فقراً بسبب هذه الحرب، وظل السودان طوال السنوات يقاتل للحفاظ على وحدة اراضيه من اجل الوصول الى حل يرضي ابناء السودان يجعلهم يعيشون مثل بقية الدول ولكن ظلت الحرب بسبب التدخل الاجنبي لبعض الدول وشوهت صورة السودان في الخارج وتصوره بأنه يمارس الرق والتفرقة العنصرية والتفرقة الدينية، واستطاع الغرب ان يلصق بالسودان التهم عن طريق الاعلام ، وبدأت الحرب التي خلقت نوعاً من الانفصال الحقيقي فأصبحت حركة التمرد تمتلك بنوكاً ولديها مطارات وجامعات وهناك العديد من الشركات الاجنبية بدأت تستثمر هناك وكل هذه المرارات جعلت ابناء الجنوب يفكرون في الانفصال. ـ أليست هناك مسئولية تقع على الحكومة السودانية لأنها اوصلت الامور الى هذا الحد؟ ـ الحكومة فعلت كل ما في وسعها منذ 1995 حتى الآن من اجل التوصل الى وقف لاطلاق النار، فالحكومة قبلت المبادرة المشتركة بدون تحفظ رغم ان قبول التجمع كان مناورة وقبلنا مبادرة الايغاد مضطرين لان المعارضة الشمالية والجنوبية قبلتها وانها فرصة للوصول الى حل رغم تقرير المصير الذي لم يكن موجوداً في المبادرة المشتركة وهذا هو سبب عدم تحركها بسبب معارضة التجمع الديمقراطي لها، رغم قبول الحكومة بها بدون تحفظ وسمينا لدولتي المعارضة اسماء الحكومة في المؤتمر التحضيري وعجز التجمع عن تسمية ممثلين وبذلك انفصل حزب الامة وعاد الى السودان ولم تعقد اللجنة التحضيرية وطلبنا من دولتي المبادرة القيام وممارسة عمل اللجنة التحضيرية ولذلك فشلت دولتا المبادرة في عقد اللجنة بسبب تواجد الوحدة الطوعية ولكن التجمع وافق بشرط ان تتضمن موضوع حق تقرير المصير ولكن الحكومة وافقت بدون اي اضافة على البنود التسعة للمبادرة ولذلك المبادرة لم تتحرك من مكانها بسبب هذا التحفظ واستمرت الحرب، اما الايغاد تركت لان موجود فيها حق تقرير المصير. الآن ما تم في نيروبي عالج موضوع حق تقرير المصير وعلاقة الدين بالدولة وان الاتفاق قال ان الطرفين ملتزمان ان يعملا سوياً خلال الفترة المقبلة لبناء الثقة والعمل على أن يصوت الجنوبيون عبر استفتاء لصالح الوحدة، بالنسبة للحكومة لم يكن لديها افضل من الحل الموجود بدلاً من ان تستمر الحرب ونصل الى الانفصال بالقوة كما هو كان جار والان اصبح لدينا فرصة لوقف الحرب وان نحافظ على وحدة السودان من اقصى شماله الى جنوبه ومن اقصى شرقه الى غربه، وان نحاول خلال 6 سنوات ان نستعيد الثقة بين ابناء الوطن الواحد في اطار الالتزام بأن الوحدة هي الحل المفضل. ـ هل تلقيتم تأكيدات اميركية بأنهم سوق يعملون في جنوب السودان ويساعدون على التنمية هناك بهدف ان تكون الوحدة هي الخيار المحبب؟ ـ نعم تلقينا مثل هذه التأكيدات وثمة عامل آخر مهم يتمثل في لجنة تضم الطرفين وممثلين من دول الايغاد وممثلين من دول اخرى ومؤسسات عالمية يتم الاتفاق عليها ومهمة هذه اللجنة تتأكد من ان تنفيذ الاتفاقات تسير في الاتجاه الذي يجعل خيار الوحدة هو الامر المحبب والمراجعة ستتم بعد 3 سنوات من قبل اللجنة التي هدفها التأكيد من ان خطوات التنفيذ تقود إلى الوحدة. ـ ما الذي جعل حق تقرير المصير امراً واقعاً في اتفاق «ماشاكوس» رغم وجود موقف اميركي معلن يؤكد وحدة السودان؟ ـ الاتفاق الذي حدث ليس سوى اتفاق بين الحكومة والحركة وليس اميركياً وتقرير المصير اصبح امرا واقعاً لان كافة القوى السياسية اقرت حق تقرير المصير ولم يكن على الجبهة ان تقبل سوى على اتفاق يتضمن حق تقرير المصير وبالتالي كان على الحكومة الا ترفض التوقيع بحجة وجود حق تقرير المصير فالاتفاق بين طرفين سودانيين وليس اميركيا. ـ كيف تفسر الغموض في الاتفاق حول فيدرالية وكونفيدرالية؟ ـ الاتفاق واضح جداً وليس فيه غموض ويتحدث عن فيدرالية، فالاتفاق لا يعطي الجنوب حق اقامة وزارة خارجية او وزارة دفاع كما لا يعطيه الحق في اصدار عملة مستقلة وهذه العناصر هي التي تشكل معنى السيادة لكي تعطي للجنوبيين خصوصية في ظل وضع فيدرالي. ـ ما هو ردكم على التخوف المصري على اتفاق «ماشاكوس»؟ ـ القلق المصري قلق مشروع ونحن لسنا ضد القلق المصري وكذلك الليبي مشروع وانا كوزير خارجية متخوف ايضاً، في تقديري معالجة هذا التخوف تنتهي في شيئين وهما: اولاً: ان نعمل معاً خلال الفترة الانتقالية باقصى ما نستطيع داخليا لتعزيز الثقة بين الشمال والجنوب واعطاء اكبر قدر ممكن من العدالة والمساواة واشعار المواطن الجنوبي بانه في بلده يستطيع ان يأخذ حقه كامل دون نقصان وانه بنفس القدر مواطن الجنوب مثل مواطن الشمال ولابد ان يشعر بذلك المواطن في الجنوب من خلال قسمة عادلة للثروة والسلطة وان يتم التعامل معه على نفس المساواة. ثانيا: لابد من التعاون مع دول الجوار جميعاً ليست مصر وليبيا بل اوغندا واثيوبيا وكينيا وتشاد واريتريا باعتبار انه لابد من ايقاف الدعم العسكري لحركة التمرد لأن هذا لا يفيد لانه اذا حدث انفصال في الجنوب سيكون بداية لانشقاقات وانفصالات داخل هذه الدول بالتالي علينا جميعاً ان نتجه نحو اخواننا في الجنوب لمساعدتهم اولاً في التنمية ثم انه ليس في مصلحة المنطقة ان يحدث انفصال ونحن نتجه إلى الاتحاد الافريقي واعتقد ان هذه الدول في موقف يجعلها ان تساهم بقدر كبير في الاتجاه نحو الوحدة. ثالثاً: القوى الخارجية لابد ان نعرف انها كانت حريصة على استقرار المنطقة وعلى رفاهية المواطن السوداني والافريقي وعلى ايقاف الحرب» الحل ليس في الانفصال وان عليهم مساندة الحكومة والجنوبيين في تقرير المصير لان الانفصال له مخاطره. ـ استمرار المعاناة التي نراها اليوم؟ ـ الحرب لن تتوقف بين الشمال والجنوب بالانفصال لو كان ذلك يمكن ان يحدث لما اشتعلت الحرب بين اريتريا واثيوبيا بعد ان حدث استقلال اريتريا. لابد من النظر إلى التركيبة السكانية في السودان القبلية اذا حدث الانفصال سيحدث فيه ما يحدث في رواندا للاخوة في الجنوب وبالتالي من مصلحة افريقيا الاستقرار العالمي، ومصلحة افريقيا ومصلحة السودان ان يحدث نوع من التفاعل فإذا ما حصل في اطار نوع من التراخي وبناء الثقة عندئذ نقول ان مشاكل افريقيا كلها قد عولجت لأن السودان نموذج مصغر للقارة الافريقية ونموذج مصغر لمشاكل افريقيا. ـ ما الذي يجب على العرب عمله من اجل مساعدة شعب السودان؟ ـ نريد من الاخوة العرب الكثير من خلال الفترة المقبلة ونحن محتاجون اليهم اكثر خلال هذه الفترة، نريد ان توجه الاستثمارات من اجل التنمية في الجنوب، نريد ان يكون هناك صندوق في الجامعة العربية لتنمية الجنوب، الجنوب غني بالموارد الطبيعية ويحتاج إلى مشروعات كثيرة للتنمية، نريد ان يشعر المواطن الجنوبي ان العرب ومصر وليبيا يقفون معه وليسوا ضده من خلال اقامة المشروعات وتنمية الجنوب من قبل رجال الاعمال والمستثمرين العرب سيوصل إلى الجنوبيين بالوحدة طواعية. ـ لماذا التصعيد مع مصر بعد ابداء قلقها من اتفاق «ماشاكوس» من خلال تصريحات الرئيس البشير حول حلايب بأنها أرض سودانية وانه سيرفع قضية امام محكمة العدل الدولية؟ ـ لا يوجد تصعيد، واذا كان السودان محتاج إلى مساندة مصر في السابق فإنه محتاج اكثر إلى مساندتها ودعمها والوقوف بجانبه، فنحن الآن في مرحلة حرجة وفي اشد الاحتياج إلى مساندة مصر ومساعدتها بالتالي لا مجال اطلاقاً للتوتر في العلاقات ما بين مصر والسودان على الاطلاق.. نحن لا نشك لحظة في نوايا اخواننا في مصر من اجل الحفاظ على وحدة واستقرار وامن السودان. ونحن نحذر من مغبة افتعال ازمة وهمية مع مصر ونحن في اشد وامس الحاجة لمساعدة ومساندة مصر خلال هذه المرحلة حتى لا يصل الجنوبيين إلى الانفصال. ونحن ندرك مدى القلق المصري على وحدة السودان وليس كما يصوره البعض الذين يريدون الصيد في الماء العكر انها دعوة مصرية لاستمرار الحرب الاهلية في السودان وان مصر لا تريد سوى مصالحها المائية والامنية.