منذ ان تم الاعلان عن اتفاق غزة ـ بيت لحم أولا وهناك العديد من التصريحات التي صدرت عن المسئولين الاسرائيليين والفلسطينيين حول تطبيق هذا الاتفاق على أرض الواقع التي اظهرت تخبطاً واضحا، فهناك من المسئولين الاسرائيليين، من أكدوا ان الاتفاق قد تم تجميده، في حين أكد اخرون ان الاتفاق مازال حيا ولكن تطبيقه يتطلب جهدا فلسطينيا لوقف العمليات الاستشهادية في حين جاءت أغلب تصريحات المسئولين الفلسطينيين تصب في اتجاه عدم الثقة في تنفيذ اسرائيل لالتزاماتها وفقا لهذا الاتفاق وخاصة أن قواتها واصلت عمليات التدمير والاغتيال للفلسطينيين. أما فصائل المقاومة ومنذ البداية فقد رفضت هذا الاتفاق جملة وتفصيلا «الملف»التقى د.قدري سعيد مستشار مركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية وضياء رشوان الخبير بالمركز لالقاء الضوء على مغزى اتفاق غزة ـ بيت لحم أولا وطرحه في هذا التوقيت بالذات، وهل تملك السلطة الوطنية الفلسطينية خياراً أخر غير القبول بالعروض الاسرائيلية، ومعارضة القوى الوطنية والاسلامية للاتفاق وهل تؤدي الى إحتراب بين الفلسطينيين، ودور الضغوط الخارجية في موافقة السلطة على الاتفاق. بداية يقول د.قدري سعيد مستشار مركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية ان الاتفاق جاء انعكاسا لمجموعة من التطورات التي حدثت على الساحة الفلسطينية، وخاصة مايتعلق منها بما تم في اطار اصلاحات السلطة الوطنية، وكذلك كنتيجة للزيارات التي قامت بها وفود فلسطينية لواشنطن، فيبدو ان جميع الاطراف فكرت في تجربة فكرة ان تنسحب اسرائيل بقواتها من بعض الاراضي الفلسطينية في مقابل ان تضطلع السلطة الوطنية بمهام الأمن في هذه الاراضي وهو ماحدث بالنسبة لاتفاق غزة - بيت لحم أولا، ولكن لان اسرائيل من ناحية لم تلتزم ببنود هذا الاتفاق واستمرت في عملياتها العسكرية واغتيالها لقيادات المقاومة في المناطق الاخرى، وكذلك في ظل معارضة اعضاء اليمين في الحكومة الاسرائيلية لذلك لهذا الاتفاق لم يسفر عن الكثير. وحول امكانية ان تؤدي معارضة القوى الوطنية والاسلامية الفلسطينية للاتفاق الى احتراب بين الفلسطينيين يقول د.قدري سعيد: لا مجال هناك للحديث عن صدام قوي بين السلطة الوطنية وفصائل المقاومة وذلك لأن السلطة الوطنية ليس لديها قوات مسلحة يمكن من خلالها الدخول في صدامات مع فصائل المقاومة المسلحة، كما انه لوحظ خلال الفترة الماضية ان فصائل المقاومة وبما فيها كتائب الاقصى التي تمثل فتح لا يوجد بينها شقاق أو خلاف يمكن ان يؤدي للصدام وبالتالي لا مجال للحديث عن صدام بين السلطة وهذه الفصائل في الوقت الراهن. ويعتقد د.قدري سعيد ان الوضع الفلسطيني صعب للغاية في الوقت الراهن سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي، فعلى المستوى الداخلي هناك صعوبات اقتصادية رهيبة وممارسات اسرائيلية سيئة للغاية وهدم للمنازل وتدمير للبنية التحتية واغتيال لقيادات وعناصر المقاومة، وعلى المستوى الخارجي الولايات المتحدة تمارس سياسة تقوم في مجملها على انهاك العرب وتشتيتهم وبحيث لا يجدون وقتا للبحث في مساعدة الفلسطينية سياسيا أو ماليا، وذلك يجرهم الى موضوع العراق الذي يستحوذ حاليا على كل الاهتمام ولذلك صارت المشكلة الفلسطينية بعيدة عن الاجندة الاميركية أو العربية أو الدولية واصبح الفلسطينيون يعملون بمفردهم وكل هذا يمثل ضغوطا شديدة عليهم دفعتهم الى القبول بأي اتفاق يقدم اليهم مثل غزة، بيت لحم أولا. تساؤلات عديدة من جانبه يرى ضياء رشوان الخبير بمركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية انه لكي نعرف مغزى موافقة اسرائيل على هذا الاتفاق في هذا التوقيت بالذات لابد ان تطرح بعض التساؤلات منها هل حقق الاتفاق مصلحة اسرائيلية؟ هل يقلل من المصالح الاستراتيجية التي حددها شارون؟ هل يفتح الطريق لاعادة ولو جزء من الحقوق الفلسطينية؟ .. للاجابة عن هذا التساؤلات سنجد ان الاتفاق في مجمله يصب في المصلحة الاسرائيلية فهو اتفاق أمني صرف لا يحمل اسرائيل بأية اعباء أو التزامات بل أن الامر على حد قول شارون لا يعدو مجرد تحريك بعض القطع العسكرية الاسرائيلية من وسط بيت لحم الى أماكن أخرى، فالاتفاق لا يحمل في طياته حلولا لأي من المشاكل السياسية على الاطلاق ولا يحقق أو يفتح الباب لاعادة ولو جزء بسيط من الحقوق الفلسطينية وكل مافعله هو القاء مسئولية حفظ الأمن على السلطة الوطنية الفلسطينية في غزة وبيت لحم، والغريب أنه وعلى الرغم من أن الاتفاق يصب كله في المصلحة الاسرائيلية، الا ان الحكومة الصهيونية لم تلتزم ببنوده وراحت تمارس هوايتها في قتل وتشريد الفلسطينيين. ويضيف ضياء رشوان أن هذا الاتفاق لا يمكن اعتباره وكما رأى البعض انه جاء بعد توصل اسرائيل الى قناعة كاملة بفشل الخيار الأمني، وخاصة ان الاتفاق نفسه هو اتفاق أمني ولا يركز الا على هذا الشق وهو يحقق لاسرائيل ما كانت تحققه باستخدام قواتها العسكرية، ولذلك لا يمكن اعتبارها قد فشلت في فرض خيارها الأمني، بل على العكس نجحت، وذلك بالضغط عسكريا وسياسيا حتى حققت أهدافها الأمنية التي تتمثل في التهدئة أولا وصولا الى حالة الأمن التي تريدها وذلك من خلال الالتزامات التي وضعت على كاهل السلطة الوطنية الفلسطينية والتي لن تجد أمامها الا ممارسة الضغوط على فصائل المقاومة الفلسطينية في سبيل الالتزام بما اتفقت عليه مع الجانب الاسرائيلي، أي ان الاتفاق وكما سبق ان قلنا هو مجرد تفويض للسلطة الوطنية للقيام بالمهام الأمنية مقابل انسحاب القوات الاسرائيلية وهذا نجاح كبير لاسرائيل حيث لم يحصل الفلسطينيون بالتالي على شيء اللهم الا زيادة الاحتقان والتوتر بين فصائل المقاومة والسلطة الوطنية وهذا ماتريده اسرائيل. وحول السلطة الوطنية وهل تملك خيارا آخر غير القبول بالعروض الاسرائيلية يقول ضياء رشوان: السلطة الوطنية ومنذ وقت طويل مضى تقبل كل مايعرض عليها من الاسرائيليين والامريكان، والغريب ان كل ماقبلته من عروض لم يحقق لها اي من مطالبها وحقوقها ومع ذلك تستمر في قبول الجديد من المبادرات والعروض فلماذا اذن ترفض هذا العرض بالذات، لقد قبلت السلطة اتفاق جنين، كما قبلت بتسليم أفراد من المقاومة وترحيل اخرين خارج البلاد، والغريب ان السلطة مازال عندها أمل في الاميركان بأن يفرضوا حلا ما للقضايا المعلقة وهو أمل لا يقوم على أي واقع أو أرضية سياسية تعضده بعد هذا المارثون الطويل من المماطلات الأميركية، لقد اصبحت المقاومة هي الورقة الوحيدة الصالحة الآن في يد الفلسطينيين ويجب عليهم الا يضحوا بها في مقابل أي من الاتفاقات والتفاهمات الهزيلة مثل غزة. بيت لحم أولا التي ولد ليموت كما أكد الكثير من المتابعين لتطورات الأحداث. ويستبعد رشوان ان تؤدي معارضة القوى الوطنية والاسلامية للاتفاق الى صدام بين الفلسطينيين فهو يرى ان الفلسطينيين نضجوا كثيرا وتدربوا على مثل هذه المشاكل جيدا، فالسلطة تقبل ماتقبله وكتائب الأقصى تعمل وتطفو على السطح الخلافات وتقبض السلطة على بعض أفراد المقاومة ولكن في النهاية لا يصل الأمر الى الصدام فكأن الجميع هناك بينهم اتفاق غير مكتوب بعدم تصعيد الأمور لأن ذلك ليس في مصلحتهم، كما انهم يدركون ان السلطة عندما تقدم على خطوات بهذه الصورة تكون واقعة تحت ضغوط قوية ومن هنا تستطيع التأكيد انه وفي ظل الظروف الحالية لن تصل الأمور الصدام القوى الذي يخشى منه بين السلطة الوطنية الفلسطينية وفصائل المقاومة بسبب اتفاقات مثل غزة - بيت لحم أولا، ولكن هذا الصدام يمكن ان يحدث اذا اقدمت السلطة على توقيع اتفاقات كبرى خاصة باللاجئين أو بالقدس أو غيرها من القضايا المهمة والكبرى الا تتوافق مع توجهات فصائل المقاومة عندها يمكن ان يحدث الصدام الشديد بينهما. وفيما يتعلق بدور الضغوط الخارجية في موافقة السلطة الوطنية على هذه التفاهمات يرى ضياء رشوان ان الفلسطينيين بالفعل يتعرضون لضغوط قوية سواء من الاميركان والأوروبيين أو حتى اخوانهم العرب الذي لم يعودوا يقدمون أية مساندة تذكر لهم، وبسبب انفراد الولايات شعروا انهم بمفردهم في مواجهة الجميع ومن سوء حظهم ان اللحظة التاريخية الحالية من اسوأ اللحظات بالتالي المتحدة بالعالم وممارستها لأقصى درجات البلطجة السياسية، كما ان الفلسطينيين يواجهون في الوقت الحالي ظروفا اقتصادية صعبة للغاية ومرشحة لأن تزداد سوءا في المرحلة المقبلة، أي ان السلطة بسبب ذلك قد تلجأ للموافقة على اتفاقات تعرض عليها حتى ولو كانت لا تحقق لها أي حقوق لا لشئ الا لأن تظهر بأنها غير متشددة وتمتلك الكثير من المرونة وفي محاولة لاثبات ان الطرف الاسرائيلي هو المتعنت والذي ليس لديه النية لانهاء الخلافات العالقة ولكن الواضح انها لا تجد من يناصرها أو يقف معها من أي من الأطراف الدولية أو غيرها