اسرائيل تقف الآن في مفترق الطرق.. هذا ما صرح به وزير الدفاع الإسرائيلي بنيامين بن اليعازر يوم السابع عشر من أغسطس 2002، واستكمل الوزير الصهيوني كلامه قائلا: اما ان تمضي اسرائيل بكل قوتها نحو تطبيق خطة ما وتعلن استعدادها للتفاوض فورا، أو أن تواصل توجيه ضرباتها العسكرية الا مالا نهاية. وهنا يكون السؤال المنطقي المترتب على هذا الكلام: وهل تستطيع أي قوة في الدنيا، مهما تبلغ من جبروت، أن تظل تقاتل إلى مالا نهاية؟ والاجابة هي مستحيل، وحتى لو افترضنا جدلا أن هذا ممكن، فما هي النتيجة؟ لا شيء سوى مزيد من دماء الفلسطينيين والاسرائيليين، وهدم المنازل والخراب الاقتصادي، واليأس والألم.. فهل هذا هو مايسعى اليه رئيس الوزراء ارييل شارون؟ ان استطلاعات الرأي الاخيرة في اسرائيل تشير الى ان الاسرائيليين بدأوا يسأمون من هذه السياسة العنيفة، وأخذت شعبية شارون في التدني، واصبحنا نقرأ كل يوم عن مظاهرات تخرج من شوارع القدس وتل أبيب تطالب الحكومة هناك بإيقاف نزيف الدم. فماذا ينتظر شارون؟ تحطيم عظام كل الفلسطينيين!! ان بن اليعازر له رأي آخر، لقد اعترف بان الخيار العسكري قد فشل في القضاء على الانتفاضة، وبأن اسرائيل استنفدت كل الوسائل العسكرية في حربها ضد الفلسطينيين، ووصلت الى طريق مسدود. ولعل أبلغ دليل على هذا الطريق المسدود، استخدام قوات الاحتلال الشبان الفلسطينيين كدروع بشرية خلال عمليات المداهمة والاعتقال التي ترتكبها كل يوم، ولم ينف الجيش الإسرائيلي ذلك بل أكده، وأعلن انه سيواصل هذه السياسة! هل هناك (افلاس) أكثر من ذلك؟ أن لجوء الجيوش النظامية الى استخدام المدنيين العزل كدروع بشرية يعكس أقصى حالات اليأس وانعدام الحيلة. ووسط عمليات الاقتحام الوحشية للمدن الفلسطينية، وحملات الاعتقال الظالمة لأقارب الفدائيين.. وتشريد أسرهم وهدم منازلهم، جاء اتفاق (غزة - بيت لحم أولا) الذي توصل اليه الجانبان الاسرائيلي والفلسطيني يوم 16 أغسطس الجاري، ليثير عديدا من التساؤلات حول مدى جدية اسرائيل في تنفيذ هذا الاتفاق..؟ ولماذا لم تضع جدولا زمنيا لاتمام انسحابها من كل الاراضي الفلسطينية؟ وهل توجد علاقة بين هذا الاتفاق وبين توقيع الاعلان عن انتخابات اسرائيلية مبكرة في شهر يناير 2003 من جهة، وتصاعد التهديدات الأميركية بضرب العراق من جهة اخرى؟! واخيرا.. هل يمكن ان يحقق ذلك الاتفاق (المحدود) الأمن للاسرائيليين بعد تولى السلطة الفلسطينية المسئولية في الاراضي التي ستنسحب منها قوات الاحتلال؟ للاجابة على هذا التساؤلات، ينبغي التأكيد أولا وقبل كل شيء على ان خطة بن اليعازر وزير الدفاع الاسرائيلي الأمنية (غزة) - بيت لحم أولا (ليست سوى شرك اسرائيلي ضمن العديد من الافخاخ التي نصبتها اسرائيل للسلطة الفلسطينية منذ أوسلو وحتى الآن. ان خطة اليعازر الأمنية تقضي باختصار، باستعداد اسرائيلي للانسحاب التدريجي من المدن الفلسطينية مقابل ان تقوم السلطة الفلسطينية بمنع الفصائل الفلسطينية من ضرب الأهداف الاسرائيلية. وكان لابد لهذه الخطة من أن تؤدي الى انقسام حاد في الساحة السياسية الفلسطينية، حيث اعتبرتها فصائل المقاومة على اختلافها، خطة اسرائيلية محكمة لتسليم اسرائيل السلطة الفلسطينية قطاع غزة، وبالتالي يكون القطاع هو الاراضي الأولى والاخيرة التي تتنازل عنها اسرائيل، الا ان السلطة الفلسطينية اعلنت موافقتها المبدئية على الاقتراح الاسرائيلي، معتبرة الخطة في حال تطبيقها هي بداية الانسحاب الاسرائيلي من المدن الفلسطينية. فالسلطة الفلسطينية معنية بتخفيف الضغط والمعاناة عن الشعب الفلسطيني، وهي مستعدة لتولي الحفاظ عن الأمن في الأماكن التي يقوم الجيش الاسرائيلي باخلائها، خاصة انها تعارض العمليات الفدائية التي تستهدف المدنيين الاسرائيليين. وبرغم موافقة السلطة على هذه الخطة، الا أنها تشكك في امكانية التزام اسرائيل بتنفيذها، خاصة وان الاخيرة ارتكبت العديد من المجازر التي تحبط أي محاولة جدية كانت تهدف الى تهدئة الأوضاع. أما حركة المقاومة الاسلامية (حماس) فقد رفضت هذه الخطة الامنية المشبوهة بشدة، وقالت انها مجرد تضليل للمس بالمقاومة الفلسطينية المشروعة ضد الاحتلال، واعتبرت ان قبول هذه الخطة يعمل على توفير أفضل الظروف لقوات الاحتلال لكي تواصل اعتداءاتها على الشعب الفلسطيني، كما اعتبرت حماس ان هذه الخطة هي مجرد مسكنات وامتصاص للنقد الدولي، والهدف منها فقط كسب الوقت لمزيد من القتل والتدمير. وفي ذات الاتجاه، يرى بعض المراقبين ان خطة بن اليعازر الأمنية (غزة - بيت لحم أولا) تأتي في التوجه نفسه الذي بدأت فيه المفاوضات الإسرائيلية - الفلسطينية بعد أوسلو، والمتمثلة في (غزة - أريحا أولا)، واعترض العديد من السياسيين على هذا الاتفاق قبل تسع سنوات، واتهموا حينها بالتشدد والتطرف، وعدم استيعاب المتغيرات، والعجز عن رؤية ما بعد الصهيونية، غير ان الاحداث جاءت فيما بعد لتؤكد صحة رؤية المعارضين، فماذا كان منتظرا من اتفاق لا يحمل سوى المكاسب لإسرائيل فقط والمآسي للشعب الفلسطيني، بدليل ما وصلت اليه الأوضاع حاليا في الاراضي الفلسطينية. ويتخوف العديد من المراقبين ان يكون هذا الاتفاق هو أقصى ماستقدمه اسرائيل، وعندها تقام الدولة الفلسطينية الموعودة في غزة، فيما تضم الضفة الغربية الى الأردن أو يتم الاقتسام الوظيفي فيها، على النحو الذي تحدث عنه الاسرائيليون قبل نحو 18 عاما وفق خطتي ألون وشارون. وفي تصاعد لوتيرة الأحداث، والتي قطعت الطريق امام أي تفاهم بين السلطة والفصائل المعارضة لهذا الاتفاق، فقد أعلن الشيخ أحمد ياسين الأب الروحي لحركة حماس، ان سفك الدماء بين الفلسطينيين والاسرائيليين سيستمر، في اشارة الى رفض الهدنة أو توقف العمليات الفدائية. وترى الحركة ان التوقيت الذي ستختاره للضرب لن يرتبط باللقاءات التي تجري بين الحين والآخر، بين الأميركين والفلسطينيين أو العرب، فهذه قضية لا تعول عليها حركة حماس كثيرا، ولا تعتمد عليها ابدا في مواجهتها مع الاحتلال الاسرائيلي حاليا، حيث ان هذه اللقاءات، من وجهة نظرها، وقتا ضائعا لا طائل منه، بين تحركات واتفاقيات ومحادثات والنتيجة في النهاية لا تزيد على (الصفر). لذا تعتقد حركة حماس وغيرها من حركات المقاومة الفلسطينية، ان العمليات الفدائية هو الوسيلة الوحيدة المتاحة لها لأن تضرب اسرائيل، لاسيما انها تفتقر الى الأسلحة التي يستخدمها العدو مثل طائرات (اف 16) والأباتشي والدبابات والصواريخ الذكية (الأميركية الصنع) ويتساءل قياديو هذه الحركات، هل المطلوب منا الآن الاستسلام؟ إن ايديولوجية المقاومة الفلسطينية في دفاعها المشروع عن النفس والتصدي للاحتلال، والتركيز على المواجهة في الآونة الراهنة، هي ان كل سكان اسرائيل هم من العسكريين، لذا فإن رفض حركات المقاومة الدائم لوقف العمليات ضد اسرائيل، انما يندرج تحت هذه العقيدة الراسخة لديهم. ولم يكد حبر الاتفاق الأمني الفلسطيني - الاسرائيلي المسمى بغزة - بيت لحم أولا يجف، حتى قامت القوات الاسرائيلية باقتحام مدينة الخليل، لتمارس هوايتها في القتل والتدمير والاغتيال العشوائي للفلسطينيين، دونما تمييز تحت زعم محاربة قوى الارهاب، ولا شك ان المنهج الاسرائيلي لم يتغير، فالقوات الاسرائيلية لم تنسحب انسحابا كاملا من المدن والقرى الفلسطينية التي شملها الاتفاق كمرحلة أولى، وانما اعادت انتشار قواتها الى أطراف تلك المدن والقرى، لتكون جاهزة لاعادة الاحتلال في أي لحظة، وهو ما جعل المواطن الفلسطيني يفقد الأمل والثقة في الانسحاب الاسرائيلي، وهو ما يؤدي لاستمرار حالة المعاناة اليومية الفلسطينية، دونما أي وازع انساني، وهذا ماتظهره التقارير الصادرة مؤخرا عن تدهور أوضاع الأطفال الفلسطينيين ووصولها الى مرحلة خطيرة، نتيجة لنقص المواد الغذائية، بل أن الأوضاع الإنسانية الفلسطينية في ظل الاحتلال الاسرائيلي باتت تنذر بوقوع كارثة انسانية مروعة. ويمكن القول ان المراهنة الاسرائيلية على تحقيق الأمن للمواطن الاسرائيلي من خلال احتلال المدن الفلسطينية ثم الانسحاب منها، وكأنها هبة ينتظرها الشعب الفلسطيني ستكون خاطئة، كما انه اذا كان الهدف من الاتفاق وهو محاولة اسناد مهمة حفظ الأمن للسلطة الفلسطينية ضد المنظمات الفلسطينية، واستخدامها وسيلة لكبح العمليات الاستشهادية، ومن ثم التهديد بوقوع حرب أهلية بين الفلسطينيين، وهو أيضا رهان خاسر، لان وحدة الصف الفلسطيني باتت خطا أحمر لكل الفلسطينيين، ينبغي ان يستمر كذلك. ان كل الحقائق تؤكد استحالة تنفيذ مثل هذه الاتفاقات الأمنية المشبوهة أو امكانية ان ترى مثل هذه التفاهمات غير المنطقية طريقها الى التحقيق، وذلك لسبب غاية في البساطة وهو ان رئيس الوزراء الاسرائيلي الليكودي آرييل شارون ووزير دفاعه العمالي بنيامين بن اليعازر غير جادين في خطة الانسحابات المتدرجة من المدن والقرى الفلسطينية التي اعاد الجيش الاسرائيلي احتلالها، ويكفي دليلا على ذلك أن شارون، في محاولة منه لتهدئة خواطر غلاة اليمينيين في حكومته - وزراء (مفدال) واسرائيل بيتنا - قال مسترضيا وزراء الحزبين، ان كل ماحدث هو سحب بعض الدبابات وناقلات الجند من وسط بيت لحم، وستستمر العمليات (الاغتيالات والاعتقالات وهدم البيوت) في كل مكان. والأمر الذي تعنيه أقوال شارون هذه وتثبتها ممارساته اليومية، هو انه يواصل وسوف يواصل عملياته الاجرامية ضد الفلسطينيين، بغض النظر عن أي تفاهمات أمنية مثل (غزة - بيت لحم أولا). وماكان شارون ليوافق على هذا التفاهم لولا تدني شعبيته واضطراره الى اجراء تخفيضات في الموازنة العامة فرضتها الانتفاضة، ولولا أنه يريد تجنب الظهور كما لو كان يرفض كل وأي فرصة لتهدئة الأوضاع والعودة الى التفاوض. أما بن اليعازر فإنه يريد من خلال الانسحابات التدريجية، وهي ليست جدية، التسلح بذخيرة لمواجهة منافسه القوي على زعامة حزب العمل رئيس بلدية حيفا، ميتسناع الذي عرض برنامجا انتخابيا أكثر اقناعا. ومن العجيب ان الاسرائيليين يعانون من فقدان الشعور بالأمن، وهم الذين يملكون جيشا قويا، يمثل أبشع ما انتجته الحداثة من قدرة التدمير والتخريب واقتلاع الزرع والضرع وهلك الحرث والنسل، جيشا يجمع بين الطائرات والدبابات والمدرعات واجهزة توجيه الصواريخ ومختلف منتجات الثورة الاليكترونية، في حين لا يملك الفلسطينيون سوى الارادة في التخلص من الاحتلال، والايمان بعدالة قضيتهم والقدرة على تصنيع بعض المتفجرات البدائية. الأمر ينطوي بلا شك على مفارقة لافتة، ألا وهي ان من لا يملكون كل وسائل الدفاع عن أنفسهم، بل والهجوم على الآخرين ايضا، يفتقدون للأمن، في حين أن من لا يملكون شيئا للدفاع عن انفسهم، لا أحد يعير افتقادهم للأمن انتباها، الغريب ان هذه الدعوة الاسرائيلية حول الافتقاد للأمن تلقى أذانا صاغية في مختلف انحاء العالم، على حين ان الضحايا الحقيقيين لافتقاد الأمن، وهم الفلسطينيون، لا يؤخذ واقعهم بعين الاعتبار أو على محمل الجد، وكأنه من الطبيعي والمحتم ان يعانوا هذا المصير. ولكن اذا كان الشعب الفلسطيني يملك مفتاح أمن اسرائيل والاسرائيليين، فإن هؤلاء يملكون بدورهم مفتاح الأمل للشعب الفلسطيني في مستقبل أفضل بلا احتلال وفي دولة مستقلة، وهذا يعني صفقة بسيطة واضحة لا تحتمل الالتباس والمناورة والغرق في تفاصيل المفاوضات التي تستهدف منذ البداية الوصول الى طريق مسدود. ولكي تجد هذه المعادلة الطريق الى حيز الواقع، ينبغي للإسرائيليين ان يقنعوا بهدف واحد، الا وهو الأمن في حدود خط الرابع من يونيو عام 1967، وان يقروا ضرورة انهاء الاحتلال والانسحاب، ذلك أن الجمع بين الأمن واستمرار الاحتلال، هو من قبيل المحال هو جمع بين المتناقضات، التي تستعصى على التعايش. غير أن بساطة هذه المعادلة ووضوحها لا يشكلان في حد ذاتهما ضمانا لنجاحهما، طالما استمرأت اسرائيل العمل على تكريس العدوان وسرقة أوطان الغير والاستغراق في قضايا لاهوتية واساطير تاريخية يهودية. وعليها ان تعرف مسبقا ان الاحتلال ليس له من طريق لانهاء مضاعفاته سوى الانسحاب والاعتراف بحقوق الفلسطينيين، والا فالمقاومة وفقدان الأمن سيظلان الثمن الذي عليها ان تدفعه. ـ كاتب مصري