دعا الدكتور رشاد الشامي احد ابرز المتخصصين في الشئون العبرية الى عدم المبالغة في الرهان على تحول اسرائيل الى دولة تأكل ساكنيها. واكد الشامي ان السلام في المفهوم الصهيوني غير قائم أصلا.. وأن هناك تناقضات كثيرة داخل اسرائيل تجعل الحروب هي طوق النجاة الوحيد لها. ويعد الشامي واحدا من أبرز المتخصصين في الشأن الصهيوني، وله مؤلفات كثيرة حظيت باهتمام وسائل الاعلام ومراكز الدراسات منها الروح العدوانية في الشخصية الاسرائيلية، اشكال الهوية في الهوية في اسرائيل وغيرها.. كما أصدر مؤخراً موسوعة «المصطلحات الدينية اليهودية» والتي يؤكد انها تهدف الى رؤية ما تحت السطح في العوامل التي تحكم الصراع السياسي الدائر الان في تل أبيب. وأشار صاحب الموسوعة الى ان دراسة لغة الخطاب الديني تكتسب اهمية شديدة بعدما أصبحت جزءا عضويا من لغة كافة السياسيين في اسرائيل ولم تعد قاصرة على الأحزاب الدينية. سألناه في البداية عن مواكبة اصدار الموسوعة للأحداث التي تشهدها الأراضي الفلسطينية والاعتداءات الاسرائيلية المستمرة فقال: إننا في الدول العربية وفي اطار مرحلة تطوير الصراع العربي الاسرائيلي في العقدين الأخيرين من القرن العشرين، انتقلنا من مرحلة الصراع مع العدو الى السعي لمعرفة الآخر اليهودي الاسرائيلي.. ومن هنا فإن محاولة الفهم العميق لما يجري في الساحة الاسرائيلية، أصبح في حاجة الى أدوات مساعدة، حتى ندرك طبقة ما تحت السطح التي تحكم الصراع السياسي الدائر الآن في اسرائيل، وخاصة أن لغة الخطاب الديني، لم تعد لغة قاصرة على رجال الأحزاب الدينية في اسرائيل أو الحاخامات بل أصبحت جزءا عضويا من لغة الخطاب لدى كافة السياسيين في اسرائيل من زعماء الأحزاب العلمانية، سواء من اليسار الصهيوني أو من اليمين الصهيوني، في ظل حالة المد الديني التي تجتاح اسرائيل منذ ثلاثة عقود وما زال يواصل اكتساحه للقلاع العلمانية فيها. ـ موسوعتك تستهدف جمهورا خاصا ومن المتخصصين أو الدارسين للعبرية؟ ــ مقاطعا.. لا فالجمهور المستهدف من هذا العمل الموسوعي، لا يقف عند حد المتخصصين في الدراسات العبرية، الذي لاشك أنهم سيستفيدون منها، بل يتعداه الى كافة جمهور المثقفين التواقين دوما الى المعرفة، وخاصة بالنسبة لهذا الحقل الذي ما زال منغلقا امام الكثيرين، فالموسوعة تضم 800 مصطلح «ديني يهودي» وهو أكبر عدد تضمه موسوعة عربية في هذا المجال حتى الآن. ـ من خلال دراستك للعقيدة اليهودية ما هي رؤية اليهود لغير اليهودي؟ ــ فسر حاخامات التلمود الوصايا العشر في الشريعة اليهودية على أنه يباح لليهود أن يقتل الجوغيم «الأغيار» الذي يعتبرون في نظرهم من الكفرة والملحدين، ويستحقون القتل والابادة من على وجه الأرض، وهو ما ينفذه الجنود الاسرائيليون الآن في الأرض الفلسطينية، بل أنه في حالة قتل اليهودي للمسيحي أو المسلم فانه يكون قد تقرب بهذا القتل من الله، وأخذ صكا يمكن أن يدخل به الجنة لأنه بذلك يطهر الأرض من آثام غير اليهود، بالاضافة الى هذا فإن الشريعة اليهودية أباحت لليهودي أن يقتل يهودياً مثله اذا ثبت أنه يفرط في أرض اسرائيل «أي فلسطين» الدينية والتاريخية والارث الموعود ليسلم جزءاً منها أو بعضها الى غير اليهود وهو ما حدث بالفعل في واقعة اغتيال اسحق رابين رئيس الوزراء الاسرائيلي الأسبق في 5 نوفمبر 1995 عندما اغتاله مهووس ديني يهودي لأنه قبل تسليم الضفة الغربية الى الفلسطينيين في اطار اتفاق السلام الذي وقعه معهم. ـ ألا يعني هذا أن تحقيق السلام غير وارد لدى اسرائيل؟ ــ في هذه النقطة يجب أن أحدد أن مفهوم السلام بالنسبة للصهيونية هو مفهوم مختلف عن المفهوم الذي يتحدث به العرب أو الذي يتصورون أنه من الممكن أن يضعوا به الدولة الصهيونية في مأزق اذا ما جعلوا استراتيجيتهم هي السلام في مواجهة تلك الدولة العدوانية التوسعية والاستعمارية ذلك لأن السلام في المفهوم الاسرائيلي والصهيوني هو أمر غير قائم أساسا، لأن السلام من منظورهم لا يعني إلا شيئاً واحداً هو أن يقوموا باحتلال الضفة الغربية وابادة سكانها أو في أحسن الحالات ترحيلهم وتطهير أرض فلسطين منهم وفق المفاهيم الدينية الأسطورية المرتبطة بالوعد الالهي وبأن هذه الأرض قد أعطاها الله لهم ملكا ابديا يعودون اليها متى شاءوا ويفعلون بأهلها ما يشاءون. الحلم الصهيوني ـ وهل ترى أن حلم الصهيونية لا يزال ثابتا في دولة اسرائيل الكبرى من النهر الى البحر؟ ــ لا يمكن أن نهمل أو نتجاهل على الاطلاق أن الصهيونية لم تحقق أهدافها بعد وأن حلم دولة اسرائيل الكبرى ما زال يداعب جهابذة الصهاينة وقادة اسرائيل على اختلاف مشاربهم سواء اليساريون أو اليمينيون كذلك فكرة التوسع لتحقيق النبوءة الصهيونية ما زالت قائمة، والصراع ما زال مستمراً وسيستمر لعقود مقبلة وهم لا يتورعون عن اللجوء الى كل الوسائل لتحقيق أهدافهم دونما اعتبار لأي شئ أو ولاية قوة داخل المنطقة أو خارجها، والدليل على ذلك هو سلوكهم على مدى أكثر من نصف قرن في التعامل مع الفلسطينيين حيث قاموا بابادتهم والاستيلاء على قراهم ومدنهم وارتكاب المذابح متبعين في ذلك المبدأ الصهيوني «نحن لا يعنينا ما يقوله الآخرون المهم هو أن نحقق ما نريد» واذا لم ننتبه الى هذا جيدا ونتحسب له في عالمنا العربي بكافة الوسائل فإن الطامة ستكون كبرى وربما بأسرع مما نتوقع. ـ ولكن لكل مجتمع نقاط ضعف فأين تراها في المجتمع الاسرائيلي؟ ــ نعم أي مجتمع له نقاط ضعف ونقاط قوة.. واسرائيل في هذا السياق دولة من المهاجرين تضم شتات ما يزيد على 72 دولة من العالم وتحتوي في داخلها تنوعا هائلا من الثقافات خلق داخلها صراعات على المستوى الديني بين الدينيين والعلمانيين، وعلى مستوى الطائفي بين السفارديم والاشكنازيم، وعلى المستوى السياسي ما بين اليمين واليسار وعلى المستوى الطبقي ما بين الأغنياء والفقراء، وعلى مستوى السكان ما بين المهاجرين القدامى والمهاجرين الجدد، إلا أنه في رأيي يجب ألا نبالغ كثيرا في المراهنة على أن هذه الصراعات تمثل نقاط ضعف يمكن أن تؤدي الى تحول اسرائيل الى دولة تأكل ساكنيها، ولك أن تتصور أن اسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي تعيش في حالة حرب مستمرة، لأن الحرب بالنسبة لاسرائيل وبالرغم مما تنطوي عليه من مآس فهي طوق النجاة الوحيدة لها للخروج من المأزق التي يمكن أن تعرضها للخطر من الداخل. ـ في ظل العقيدة الصهيونية كيف ترى مستقبل الصراع العربي الاسرائيلي؟ ــ لابد أن نضع في الاعتبار وبشكل واقعي بعيدا عن أي انفعالات عاطفية عدة اعتبارات مهمة في مراحل الصراع المقبلة مع اسرائيل وعلى ضوئها يجب أن نفهم أننا لن نستطيع أن نكسر شوكتها إلا اذا كسرنا طوق هذه الحلقات مهما طال الزمن.. وأهم هذه الحلقات هي مساندة أميركا الدولة العظمى في العالم وبجانبها الدول الأوروبية يؤيدون وجود اسرائيل والحفاظ على أمنها سواء لأسباب اقتصادية أو أمنية أو دينية.. الخ، وكذلك أن اسرائيل تمتلك مقومات التقدم العلمي والتكنولوجي والعسكري بما يفوق كثيرا ما لدى الدول العربية واذا لم نحاول أن نلحق بركب العالم في هذا المجال لنتفوق عليها، فستظل اسرائيل هي المتحكمة والمستبدة وصاحبة الكلمة العليا في رسم مستقبل المنطقة وبما يتواءم في الوقت نفسه مع مصالح أميركا الدولة العظمى في العالم الى أن اسرائيل ورغم بعض المآخذ على النهج الديمقراطي فهي بالفعل دولة ديمقراطية وبالتالي لن نستطيع في أحد جوانب المواجهة أن نقف أمامها الا اذا سادت البلاد العربية حالة من الديمقراطية الصحيحة لتصبح مدخلا حقيقيا لامتلاك الدول العربية آليات التقدم العلمي والتكنولوجي الحديث بما يساعد في تحديث المجتمعات العربية بشكل قادر على التصدي لاسرائيل في أي وقت. ـ ما الذي تضيفه الموسوعة بالنسبة للقاريء العربي؟ ــ أهم ما يميز الموسوعة هو العمل على أن نورد المصطلحات الدينية اليهودية بنطقها العربي مكتوبة بالحروف العربية ومشكلة، حتى يسهل على كل من القارئ المتخصص وغير المتخصص قراءتها بشكل صحيح وذلك لأن المصطلح في صيغته العبرية يقرب القارئ من فهمه في خصوصية الثقافة اليهودية بما يحمله من رموز ودلالات ومفاهيم دينية وطقسية وتاريخية، وهو النهج الذي تتعامل به على سبيل المثال، الموسوعة الأجنبية التي تتعامل مع المصطلحات الاسلامية حيث توردها كما هي في العربية معبرة عن خصوصية الدين والثقافة الاسلامية مثل مصطلحات الحج ـ السحور ـ الجهاد ـ الزكاة ـ الاحرام.. الخ، كما حرصنا على أن تكون الاستفادة منها ميسورة للمتخصصين في الدراسات العبرية والقارئ العادي الذي لا يعرف العبرية فوضعت لها ثلاثة فهارس الأول بمفتاح المصطلح العبري مع المقابلة العربي، والثاني بمفتاح الترجمة العربية مع المقابل العبري والثالث فهرس موضوعي وكلها مقرونة بأرقام الصفحات. القاهرة ـ محمد الصادق