يعتبر الدكتور فيصل كلثوم مدير مركز الابحاث والدراسات الاستراتيجية بجامعة دمشق واحداً من المفكرين العرب المشتغلين بالشأن الثقافي والبحثي العربي وهو كذلك محام مخضرم ونقيب المعلمين ومحاضر في الجامعة السورية ويمتلك رؤية موضوعية للأحداث العربية والعالمية. «البيان» حاورته حول أهمية مراكز الأبحاث العربية والتنسيق فيما بينها كما تطرقت لمواضيع الساعة كمسألة حوار الحضارات وأساليب دعم الانتفاضة في الأراضي العربية المحتلة ودور المثقف العربي في هذه المرحلة. ـ من خلال موقعك كمدير لمركز الدراسات والبحوث الاستراتيجية كيف ترى أهمية هذه المراكز في خدمة القضايا الراهنة في المنطقة العربية والعالم؟ ـ لم تعد أهمية مراكز الدراسات خافية على أحد في عالم اليوم نظرا لما تقدمه من اسهامات بحثية وعلمية في مجالات السياسة والاقتصاد والثقافة واستناداً الى الدور الذي تقوم به من خلال رصد وتحليل التطورات والتحولات التي تشهدها المجتمعات المعاصرة بترابطاتها المحلية والاقليمية والدولية. وقد ادركت المجتمعات المتقدمة ومنذ فترة طويلة أهمية المعرفة المتخصصة وضرورة الاستعانة بالخبراء والباحثين في مختلف مجالات الحياة. ومع أن تقاليد وخبرات مراكز الأبحاث مازالت في بداياتها في بلداننا العربية عموماً الا أننا نطمح في مركز الدراسات والبحوث الاستراتيجية في جامعة دمشق ومن خلال نشاطات المركز المختلفة الى خلق وتوفير المعرفة الموضوعية واجراء الابحاث والدراسات ذات الطابع الاستراتيجي المتصلة بحاضر سوريا والامة العربية ومستقبلهما وذلك من خلال تعميق الوعي بهذه القضايا وتقديم المعطيات العلمية المتصلة بقضايا التنمية والتحديث ومشروع النهوض الحضاري العربي علاوة على مواكبة الملفات والأحداث الساخنة التي تهمنا كعرب وذلك من منطلق الحرص على تعزيز الأمن القومي العربي بمعناه الواسع. ـ وما هي اهم نشاطات مركز الأبحاث والدراسات الاستراتيجية بجامعة دمشق وعلاقاته التنسيقية مع مراكز الأبحاث العربية والاكاديمية؟ ـ لا يقتصر نشاط المركز على شكل واحد من النشاط حيث نقوم بعقد ندوات علمية موسعة او حلقات نقاش تخص موضوعاً محدداً او نساهم في بحوث علمية ميدانية في الحقل الاجتماعي كما نشارك احياناً بالتعاون مع مراكز بحثية عربية في بعض النشاطات المتعلقة بالاتفاقات المعقودة في هذه المراكز فعلى سبيل المثال نظم المركز في شهر مايو 2002 ندوة علمية متخصصة حول موضوع «الأمن القومي العربي في عالم متغير» بالتعاون مع مركز البحوث العربية بالقاهرة شارك فيه نخبة متميزة من العلماء والباحثين العرب من سوريا، مصر، لبنان، والاردن وبعض الباحثين العرب المقيمين في أوروبا وأميركا. كما عقد المركز في بداية شهر يوليو الحالي طاولة مستديرة لمناقشة مشروع «برنامج الاصلاح الاقتصادي في سوريا» ضم العديد من المختصين من المراكز والجامعات السورية وأصدر في ختامها ملفاً يتضمن ورقة العمل المقدمة للنقاش والمداولات ومن ثم الاستخلاصات والتوصيات الختامية. اما بالنسبة لعلاقات المركز مع المراكز العربية المماثلة فهناك العديد من اتفاقات التعاون بين مركزنا والمراكز العربية في لبنان، الاردن، الامارات العربية المتحدة، فلسطين، العراق، مصر، وايران اضافة الى بعض المراكز في اوروبا الغربية كألمانيا وفرنسا ونحن نطمح الى زيادة فاعلية اوجه التعاون مع هذه المراكز لتجنب تكرار الموضوعات والتنسيق ما أمكن لانجاز تصور بحثي متكامل يمكن لكل واحد من المراكز المذكورة ان يتولى احد الموضوعات المتفق عليها وبهذه المناسبة أعتقد أنه من المفيد عقد اجتماع يضم كل مراكز الأبحاث الاستراتيجية في الوطن العربي لتبادل الخبرات ووجهات النظر والتنسيق فيما بينها. ـ يكثر الحديث في الآونة الأخيرة حول مفهوم حوار الحضارات في ظل الهيمنة الاميركية كيف ترى امكانية التواصل الحضاري والثقافي في هذا الإطار؟ ـ اريد بداية ان اشير الى المبالغة التي اولاها المفكرون لموضوع صدام الحضارات خصوصاً بعد ان قام صموئيل هنتغتون بنشر مقاله الشهير في مجلة «foreign affairs» حول صدام الحضارات ثم تطويرها فيما بعد ونشرها في كتاب تحت الاسم نفسه. وأعتقد أن الدعوة الى حوار الحضارات قد جاءت من موقع رد الفعل المضاد للقول بالصراع الحضاري ويكفي القاء نظرة متخصصة على عالم اليوم لنكتشف انه يتوحد بمقدار ما ينقسم ويتشتت فالعالم يميل الى التوحد على الصعيد الاقتصادي والتكنولوجي لكنه يزداد تمزقاً وانقساماً على صعد الخصوصيات الثقافية والهويات ورؤى العالم ولما كان وجود الانسان والحضارة وجود صراعي اساساً وذلك بسبب الميل الضمني والصريح الذي تبديه كل حضارة للتوسع والانتشار على حساب الحضارات الاخرى غير ان ما يغلب امكانية التصادم على امكانية الحوار او العكس هو موازين القوى الفعلية وكيفيات استخدامها لتحقيق الغايات والمصالح التي تحددها كل حضارة لنفسها وبهذا يكون الحوار والصدام مجرد وسيلة تنتقيها الحضارات لتحقيق أهدافها. واليوم يبدو واضحا ان الحضارة الغربية في صيغتها الاميركية هي أكثر ميلا للهيمنة والتوسع على حساب الحضارات الاخرى وذلك من خلال استخدام القوة الاقتصادية تارة والاعلامية والتكنولوجية تارة اخرى ثم القوة العسكرية السافرة في طور ثالث وباستخدام كل هذه القوى مجتمعة في أغلب الاحيان وهو ما يجعل من أية دعوة للحوار الحضاري رغبة اخلاقية وربما سذاجة سياسية اكثر منها رغبة حقيقية في الاتفاق على قواسم مشتركة بين الحضارات وانطلاقا من اعتقادنا الراسخ بأن السيطرة للأقوى بالمعنى الواسع للقوة فليس هناك اي تناقض برأينا بين توظيف دعوات الصدام او الاستفادة مما تتيحه دعوات الحوار طالما ان الطرف الاقوى هو المستفيد من العلاقة في الحالتين. لكن ما سبق لا يقلل من ضرورة تمسكنا كعرب بخصوصياتنا الثقافية والعمل على توفير شروط خلق ممانعة ثقافية اصبحت في ظل التهديدات التي تنتجها العولمة المدعومة بتكنولوجيا التشويق والاثارة، والاخضاع شكل من أشكال الحفاظ على الهوية ورمز للاستقلالية والبديل الحقيقي للذوبان في ثقافة الاخر واطاره الحضاري الذي تجاوز الحدود واللغات والأعراق ولم يعد شعب ما بمنأى عن تأثيراته. ـ برأيك هل هناك وسائل وأساليب جديدة لدعم الانتفاضة في الاراضي العربية المحتلة وتفعيل مبدأ رفض التطبيع مع العدو الصهيوني؟ ـ قبل الحديث عن وسائل وأساليب جديدة لدعم الانتفاضة اعتقد ان السؤال الأصح هو هل أحسنا الاستفادة من الوسائل والأساليب المعروفة لمساندة اهلنا في الارض المحتلة؟ وبصيغة اخرى دعونا نقول هل استطاع النظام العربي ان يقوم بمهامه ويؤدي الادوار المطلوبة منه سياسياً واقتصادياً في هذا المجال ام انه اثبت وعلى النقيض من ذلك انه يفتقد الى فاعلية التأثير اضافة الى التبعية وغياب الارادة السياسية المستقلة بل ان اغلب القرارات تفرض عليه من الأجنبي لذا يحتاج الى اعادة نظر جذرية في أدواره ومهامه الراهنة والمستقبلية. ثم هل قام الشارع العربي بالدور المطلوب منه في اسناد الانتفاضة بشكل منتظم له طابع الديمومة والتأثير الفعلي على اصحاب القرار؟ ام انه اكتفى بردات فعل لحظية ومؤقتة وبنشاطات شعبية كالتظاهر والاعتصام والتبرع والمقاطعة للبضائع الاميركية والاسرائيلية وهي على اهميتها ودلالاتها الايجابية مازالت تفتقد الى الكثير من التنظيم والتفعيل وبصيغة اخرى نحن لم نستنفذ كعرب لا رسميا ولا شعبيا الاساليب المعروفة للوقوف بشكل مؤثر الى جانب اهلنا في الارض المحتلة فما بالك باقتراح اساليب ومسائل جديدة لذلك. اما عن سؤال التطبيع الثقافي فأنا اعتقد جازما بأن الأحداث التي شهدتها المنطقة جعلته سؤالاً زائفاً وذلك لان الحس العفوي للشارع العربي قد رفضه اساساً وأثبت المثقفون العرب على اختلاف انتماءاتهم ومشاربهم الفكرية والسياسية انهم قد ادركوا مخاطر التطبيع الثقافي ورفضوه أساساً فالخشية الحقيقية اليوم هي الناتجة عن تسويق التطبيع السياسي ومشاريع التسوية عند العدو فالتطبيع يبدأ بالاقتصاد والدبلوماسية لينتهي بالسياسة والثقافة وهي مرفوضة باعتقادنا وباعتقاد غالبية العرب من الشرفاء والأحرار الذين يحرصون على كرامة ومستقبل هذه الأمة. ـ يبدو التوصل الى السلام في الشرق الاوسط عملية صعبة التحقيق فما هو المطلوب حالياً من المثقف العربي في هذه المرحلة؟ ـ انا أتفق مع الرأي القائل بأن التوصل الى سلام حقيقي في مسألة الصراع العربي الصهيوني عملية معقدة وصعبة وبعيدة المنال ان لم تكن مستحيلة وما يمكن الوصول اليه في أحسن الفروض هو تسوية شبه مؤقتة اظن بأنها ستكون في جزء كبير منها على حساب الحق العربي نظراً لاختلال موازين القوى الفعلية ولاعتبارات تتصل بالمناخ الدولي المهيمن عليه اميركياً ولخضوع معظم النظم العربية وتعيشها الى الداعم الاول لوجود قوة العدو ولكن ما ان تتبدل المعطيات وتتغير المعادلات حتى يتم نقض تسوية كهذه لا حباً بالصراع بل لأنها تسوية ملغومة اساساً وغير عادلة وبالتالي فهي غير قابلة للبقاء طويلاً. اما فيما يتعلق بالمطلوب من المثقف العربي في هذه المرحلة فهو لا يقل برأيي عن المهام التي يواجهها اي مثقف يواجه مع أمته تحديات مصيرية وخيارات صعبة وظروفاً استثنائية تتضافر فيها عوامل الكبح الداخلي من تخلف وأمية واستبداد مع عوامل الكبح الخارجي المتصلة بنهب ثروات الوطن وتفريغ احلامه وفرض تصورات وارادة القوى المتنفذة عالمياً ولهذا أعتقد ان الدور الحقيقي للمشتغلين في مجالات الفكر والثقافة يتجاوز الوظيفة التقليدية للمثقف والمبدع صوب فضح اسباب الضعف والعجز التي يعيشها العرب اليوم الى جانب تجاوز الخطاب التعبوي والتحريضي على أهميته صوب امتلاك خطاب نقدي يكشف عوامل الضعف ويعري الممارسات الخاطئة والأفكار التي اوصلتنا الى هذه الحالة الهامشية ويعمل في الوقت نفسه على إبراز نقاط القوة التي تمتلكها الامة وتوظيف الطاقة الكفاحية الكامنة عند الشعب العربي في خدمة قضايانا المعادلة. وهنا لابد لي من التحذير من الخطاب العقلاني البارد والذرائعي الذي يقدم لنا تحت مسميات الاعتدال والواقعية السياسية ويدعونا للقبول بالأمر الواقع باعتباره الممكن الوحيد فالقول بأن مشكلتنا اليوم كعرب انما تتمثل في عدم قدرتنا على ادارة الازمة وتحسين موقعنا على موائد التفاوض يتناسى اساس المشكلة وهو برأينا الوضع المتردي الذي يجعل منا الطرف الأضعف في سلسلة الأزمات المتواصلة التي نواجهها. وحتى يكون الخطاب الثقافي العربي نقدياً ومنتجاً فعليه ان ينطلق من حرص شديد على تأسيس وترسيخ المناخ الديمقراطي الذي يشكل الارضية اللازمة لكل نجاح لاحق اما القبول بالحلول الجاهزة والوصفات الخلاصية فلن يضيف الا وهما جديداً لقائمة الحلول المبتسرة التي جربناها طويلاً ودونما جدوى.