المنطقة التي اسكن فيها في قلب فرجينيا وعلى بعد بضعة اميال من واشنطن العاصمة، تعج شوارعها بأطياف المهاجرين الذين بدوا وكأنهم قد احتلوا تلك الحاضرة، فهم الاكثف وجوداً والاكثر ظهوراً واحتلالاً لمواقع العمل المفتوح، فالمهاجرون هم اصحاب المهن الشاقة التي تتعامل مباشرة مع الجمهور، ويمكن ان يقال اجمالاً ان اكثر من تسعين بالمئة من العاملين في محلات «السوبرماركت» ومحطات البنزين والمطاعم واعمال البناء، هم من هؤلاء. وتتناقص نسب المهاجرين كلما دق التخصص المهني وزاد عائد الاجر الذي يوفره وبالرغم من ان طوائف كبيرة من المهاجرين هي ذات خلفيات تعليمية جيدة، الا انه لابد لهم من ان ينخرطوا في تلك المهن لعدة سنوات، لان الشهادات التي لم يتم التحصل عليها في الولايات المتحدة، لا تؤهل صاحبها للعمل بها على التو هنا. وهكذا تتزايد نسبة اصحاب المهن الهامشية باستمرار على المدى القصير، وهؤلاء بالرغم من ان وجودهم اصبح ضرورة لمسيرة الحياة الاقتصادية في مجتمعات الخدمات بالمدن الاميركية الكبرى، الا ان وجودهم اصبح يشكل مصدر قلق لطوائف من الشعب الاميركي همومها ليست اقتصادية ولا خدمية وانما دينية وثقافية بالأساس. ان اكثر هؤلاء المهاجرين اصبحوا يحتفظون بعاداتهم وتقاليدهم واديانهم ولا ينجذبون لشيء من العادات والثقافات الاميركية ولا يهتمون بشيء سوى باجادة اللغة الانجليزية «باللكنة الاميركية» لان ذلك من متطلبات اجادة مهنهم والترقي فيها. اما في شأن العادات والتقاليد الاميركية فإن حوائل كثيرة تحول بينهم وبين اكتسابها اهمها انشغالهم الطويل بالعمل حيث ان اكثرهم يعمل لدوامين يستغرقان اكثر ساعات اليوم فلا يتاح لهم غشيان المحافل الثقافية، ولا اللقاء بطوائف الناس الا على محك العمل الجاد. ويشكل الوضع الطبقي المتدني لهؤلاء المهاجرين عازلاً اخر عن تيار الثقافة الاميركية، حيث اصبح الاميركيون يتخلون عن المواقع العملية الدنيا لهؤلاء المهاجرين وبالتالي قل اختلاطهم بهم في مجالات العمل ومن الناحية الدينية لا يكاد احد من هؤلاء المهاجرين يجد وقتاً او رغبة في الاستماع للمواعظ او البشارات او الخطب التي يجود بها المبشرون، حتى ولو تطوع هؤلاء بزيارة المهاجرين في عقر دورهم. كان طبيعياً لذلك ان يحتفظ المهاجرون ـ اكثرهم من الكاثوليك وهندوسيين وكونفشيوسيين ومسلمين ـ بعاداتهم الدينية والثقافية، وان ينشئوا اولادهم تبعاً لها ومع ان الاطفال اكثر طواعية لدواعي «الامركة» بحكم اكتسابهم سريعاً للغة الطليقة، وقضائهم اوقاتاً مطولة بالمدارس والمكتبات العامة واجهزة الترفيه، الا ان مجرد اختلاف سحناتهم والوانهم عن المجموع الاميركي يزعج فريقاً من الكارهين ـ لأسباب ثقافية ودينية ـ لتدفق المهاجرين الى اميركا. ومما ازعج هؤلاء كثيراً تجربة الجيلين الاخيرين من ابناء هؤلاء المهاجرين، حيث شاع فيهم نوع من الوعي بالجذور والاهتمام برعاية حقوقهم وتمثل ذلك في انشائهم للعديد من الروابط والاتحادات الثقافية والقومية التي دفعت الى مجال العمل السياسي ببعض الاجندة الواضحة التي تمحورت حول الدفاع عن الجاليات التي انجبتهم والاماكن التي انجبت تلك الجاليات ومثال اللوبي العربي الاسلامي في واشنطن هو ابرز تلك الامثلة حيث برز ذلك اللوبي ناضجاً في ممارساته واخذ تأثيره يتنامى ويتناقض مع كافة اطروحات وانشطة اللوبي الصهيوني الذي كان منفرداً بساحة اتخاذ القرار السياسي فيما يخص الصراع العربي الاسرائيلي لعدة عقود. دراسات تحريضية وربما كان اللوبي الصهيوني بقدرته الشديدة على الحشد وراء معهد الابحاث المسمى «مركز دراسات الهجرة» والذي اصدر بتاريخ 15 اغسطس الحالي دراسة عن الهجرة العربية الى اميركا اورد فيها معلومات تحذيرية لصناع القرار، حيث ذكر ان اعداد العرب الذين هاجروا الى اميركا تضاعفت سبع مرات في خلال الثلاثين عاماً ونيف الماضية حيث لم يكن عدد المهاجرين يزيد في 1970 عن مئتي ألف شخص ولكنهم بلغوا في مجموعهم الآن حوالي مليون ونصف شخص، وقد ادى ذلك الى ان يتضاعف التعداد القديم لعرب اميركا الى ثلاثة اضعاف. والغريب ان الاحصاء الذي اورده المركز عن اعداد العرب المهاجرين، اشتمل ايضاً على المهاجرين القادمين الى اميركا من ايران وباكستان وافغانستان وبنغلاديش واسرائيل، وبرغم ان الباحثين المتخصصين في ذلك المركز يعلمون علم اليقين ان هذه اقطار غير عربية الا انهم لم يترددوا في ادراج مهاجريها في سياق المهاجرين العرب وربما كان لاولئك الباحثين العذر في ذلك لانهم كانوا ينظرون الى المظلة الاكبر وهي مظلة الاسلام حيث ذكروا في التعليق على مجمل المهاجرين العرب ان اغلبيتهم الساحقة جاءت من معتنقي الدين الاسلامي، وذلك بخلاف طابع الهجرات العربية القديمة الى اميركا حيث كانت غالبيتها من نصارى الشام وحيث لم تزد نسبة المسلمين من ضمن المهاجرين العرب في 1970 على 15%، فإنها وصلت الى 73% العام قبل الماضي، ولم يفت على اصحاب الدراسة ان يشيروا الى نقطة لها مغزاها الخاص حيث اكدوا ان نحو 10% من المهاجرين العرب الى اميركا قد دخلوها واقاموا فيها بطريقة غير قانونية! وقد وصلت الدراسة في خواتيمها الى النقطة ذات المغزى الاكبر حيث تنبأت بأن نمط الهجرة العربية اذا ما تواصل لعدة سنوات فإنه سيؤثر تأثيراً قوياً على نواب الكونجرس، حيث سيضطر هؤلاء النواب الى ان يأخذوا بوجه الاعتبار وجهة نظر هؤلاء المهاجرين العرب فيما يتصل بالنزاع العربي الاسرائيلي، ومن ثم تقل نسبة الانحياز التلقائي لهؤلاء النواب لصالح اسرائيل وقد تنبأت الدراسة بأن الغالب في الامر ان يستمر معدل الهجرة العربية الى اميركا كما هو نظراً لرغبة قطاعات كبيرة من الشعوب العربية في الهجرة لاميركا لتحقيق احلامهم في الرفاه الاقتصادي الذي تؤهلهم له مؤهلاتهم الاكاديمية حيث ان 49% من المهاجرين العرب يحملون شهادة البكالوريوس بينما لا يحملها اكثر من 28 من الاميركيين. التضييق المحتمل ومهما يجري من تضييق على المهاجرين العرب بعد وصولهم الى اميركا فإن ذلك يبقى بالنسبة لهم في حيز الاحتمال ويبدي اكثر عقلاء عرب اميركا تقديراً لحالة الانفعال العاصف التي تعتري الاميركيين منذ 11 سبتمبر الماضي، وتدفع بالمسئولين السياسيين والامنيين الى اتخاذ اقصى تدابير الحذر والحيطة تجاه اي مصدر محتمل للخطر. واذا كان بعض التمييز قد وقع على المهاجرين بعامة، والعرب بخاصة، الا ان الاميركيين اهل البلاد انفسهم لم يسلموا من عقابيله اذ بدأت اجهزة الامن الاميركية في التطبيق الفوري لقانون الامن الجديد الذي يعطيها حق مراقبة المكالمات الهاتفية لأي مشتبه به، وحق اعتقال اي مشبوه لأمد غير محدود بقصد التحقيق فقط، ومن دون ان يتطلب ذلك توجيه تهم بعينها للشخص او السماح له باخطار محاميه ليحضر جلسات التحقيق، وهو الامر الذي اثار غضب واحتجاج الكثير من جماعات الحرية وحقوق الانسان، الا ان المواطن الاميركي العادي لم يعد يأبه بتلك الشعارات ازاءئمواجهته لمحنة اختراق الارهابيين لبلاده والحاق افدح الاضرار بها سياسياً واقتصادياً، وقد قل اكتراث الاميركيين باجراءات الامن الاضافية عندما صرح المتحدث باسم حكومة بوش بقوله ان الحكومة لن تجنح ابداً الى اساءة تلك السلطات الاضافية الممنوحة لها وهي سلطات غالباً ما تسحب من الحكومة مع تطاول الامد وتبدل الاحوال. لقد تم اعتقال عدة مئات من العرب تحفظياً بعد هجمات سبتمبر وتم استجواب الآلاف منهم، ولم يصمت اللوبي الاسلامي على ذلك واحتج عليه احتجاجات معقولة قدرت ظروف التوتر عند الطرف الاميركي، كما احتجت على ذلك ايضاً عدة منظمات للعرب الاميركيين، وفي ذلك رسالة كافية ولا يحسن تصعيد الاحتجاج من جانبهم لاكثر من ذلك الا اذا ثبت استمرار التمييز بشكل فاضح واستفزازي ضد العرب، ولكن الحوادث العادية مثل الطلب من امرأة مسلمة كشف النقاب عن وجهها في المطار امام امرأة أمن أميركية امر لا يستحق ان يوصف بأنه تمييز متعمد او صارخ او استفزازي من ثم فلا يستحق الاحتجاج الذي بذل من اجله وربما كانت عاطفية العرب الشديدة وغيرتهم الاشد على نسائهم، هي دافع ذلك الاحتجاج وليس وراءه دوافع سياسية اوقومية بالمعنى الصحيح. ان شدة الاحتجاج على بعض التعسفات قد تغري بالمزيد منها كما قد تغري المتعصبين من اعداء الهجرة الذين يعلو صراخهم في هذه الايام في كافة محطات الاذاعة والتلفزة يحرضون على الاجانب ويدعون لاحتوائهم او طردهم قبل ان ينخر سوسهم في البلاد، ويقدمون القدوة بما يحدث حالياً في اوروبا، وبقرارات برلمان المجموعة الاوروبية بخصوص الاجانب والاشتباك مع تلك الاصوات هو امر غير مجد على الاطلاق، والدخول معهم في معركة عاقبتها الخسران، والاجدى هو ان يواصل العرب الاميركيون سلوكهم السياسي المتحفظ والمسئول وتجنب ممارسة اي نوع من التطرف والعمل باخلاص للحيلولة دون وقوع اي هجمات ارهابية جديدة من اي نوع. ان الاصوات العالية ستخسر حتماً عندما تنحسر احتمالات الخطر، ويبقى الأهم في مستقبل الجالية العربية بأميركا ان توطد وجودها المادي والسياسي رويداً رويداً بلا استعجال ولا اي محاولة لحرق المراحل، لان اي عمل سياسي في اميركا لابد ان يتم على حسب شروط اللعب السياسي الاميركي وبممارسة الضغوط المتبادلة. وما لم يتم تغيير قوانين الهجرة نفسها بشكل تمييزي عنصري ديني واضح ينص على عدم منح حق الهجرة الى اميركا لمواطني الشرق الاوسط مثلاً، او للقادمين من دول اسلامية، او تخفيض حصة تلك الدول من حق الهجرة بنسبة هائلة، فلا تبدو اخطار حقيقية امام عرب اميركا ولا المهاجرين اليها من اقطار عربية واسلامية. ان اللوبي الصهيوني لن يتهاون في شأن مستقبل يتهدده كتجذر العرب والمسلمين بأميركا، وحفاظهم على هويتهم باقامة المدارس الاسلامية التي اصبحت توجد في كل مدينة اميركية كبرى تقريباً وسيقوم هؤلاء بافتعال المشاكل تلو المشاكل لعرب اميركا، تماماً كما يفتعل في هذه الايام بالذات المشاكل تلو المشاكل لاقطار العالم العربي، مرة بدعوى احتضانها واعدادها لارهابيين ومرة بطلب التعويضات الباهظة لاسر ضحايا عدوان سبتمبر، وهي كلها دعاوى من قبيل الابتزاز والصخب الاعلامي وجوهرياً فإنها تعبر عن فزع الصهاينة واليمين الديني الاميركي والمتطرفين العنصريين من ظاهرة الهجرة عموماً، وظاهرة الهجرة العربية خصوصاً الى اميركا. واذا كان سلاح اولئك الخصوم يتمثل في الابتزاز والاستفزاز والترويع، فإن من واجب العرب الا يستجيبوا لشيء من ذلك، حتى تتواصل امواج الهجرة مقرونة بالسلوك الحضاري والسياسي المسئول، الذي يحافظ على أمن البلاد المستضيفة بمثل ما يحافظ عليه اهلها او اكثر