في المسافة الفاصلة بين تثمين الهوس الأمني الذي اجتاح الأميركيين، باعتباره بداية النهاية لأسطورة موطن الحريات، والنظر الى الحرمان من «بعض» الحقوق الدستورية كاجراء مؤقت، أين الحقيقة، في التفاعلات الأميركية التي وضعت الحرية على مذبح أحداث 11 سبتمبر؟ هل تدفع ضرورات الأمن الى التخلي ـ كرها أو طوعا ـ عن «الليبرالية» والانحراف الى دولة الولايات المتحدة البوليسية؟ وهل بدأت قدم «العم سام» في الانزلاق الى هوة العالمثالثية، وصولا الى حد وصف ما يحدث بأنه «انقلاب عسكري»؟ من داخل الولايات المتحدة ارتفعت أصوات عديدة تحذر من أن ما يحدث منذ 11 سبتمبر يعني في جوهره خيانة لقيم الليبرالية، وانتهاكا للكثير من «حقوق الانسان»، كما أن إدارة بوش وضعت القانون على «الرف»، ومنحت العدالة اجازة مفتوحة! في المقابل دافعت أصوات أخرى عن «خطة أشكروفت» - وزير العدل ـ المدعومة بصقور الادارة والمؤسسة العسكرية، والتي تعمد الى مصادرة الحريات، وتسعى لحرمان الأميركيين من حقوقهم الدستورية، باعتبار الأمر ضرورة، والضرورات تبيح المحظورات(!) فما تتعرض له الولايات المتحدة ـ حسب زعم أشكروفت ومناصريه ـ ليس مجرد أزمة، لكن البلاد في مواجهة حرب تهدد أمن أميركا ومصالحها ومستقبلها، وربما وجودها ذاته!، وفي الحرب كل شيء مباح، حتى انتهاك الحريات المدنية الأساسية، وضرب عرض الحائط بحقوق الانسان.كل فريق ينظر الى جانب من الصورة، وإن كانت الظلال كثيفة، إلا أن المشهد ليس باللون الأسود تماما، ثمة بقع ومساحات بيضاء، تتمثل ـ بالأساس ـ في أن التشريعات التي صدرت جاءت عبر الكونغرس، وأن مداها الزمني محدد بخمس سنوات، كما أن تقليص هامش الحريات لا يعني زوالها، لأن الموروث الليبرالي أقوى من أن يندثر بفعل أزمة، أو حتى حرب حقيقية. على الجانب الآخر، تنطوي الظلال، بدرجاتها، على تلك التحولات الجذرية المؤدية الى تقنين التجاوزات بشأن الحريات العامة، وحقوق الانسان وآليات النظام الديمقراطي، انطلاقا من التغاضي عن قيم أساسية صاغت العقل الأميركي، وتراكمت على مدى قرنين، وصولا الى تحولات هيكلية ترتبط بدور الرئيس، والمؤسسة العسكرية، وأجهزة الأمن، ويتقاطع ذلك مع مفهوم الدولة ذاته، ودورها الذي كان آخذا في الانكماش، لكنه عاد للتمدد، وربما التوجس(!) في ظل حالة الهوس الأمني الممتدة من 11 سبتمبر، الى اليوم وغدٍ وبعد غد! انتكاسة الليبرالية الحصاد مخيف في ظل التوجهات التي تسيطر على مراكز صناعة القرار الأميركي، بشأن آليات حماية الأمن الداخلي، ويمكن استشفاف ذلك عبر استعراض لأهم المحطات التي جاءت ـ في مجملها ـ بمثابة انتكاسة للموروث الليبرالي، بما يمثله من قاعدة قانونية للحريات والحقوق المدنية والدينية والسياسية، طالت كل من يحيا فوق الأرض الأميركية. وإذا كانت خطة بوش التي قدمتها ادارته للكونغرس في منتصف يوليو الماضي، بمثابة الذروة الدرامية للحدث، فإن ثمة اجراءات عديدة حرثت العقل الأميركي على مدى نحو عشرة شهور، وتمثل أخطرها فيما يلي: ـ مطالبة المؤسسة العسكرية منحها دورا أكبر لحماية البلاد، وبالتالي اعادة النظر في القوانين التي سُنت من أجل تقييد دور العسكريين، ومنعهم من المشاركة في فرض القانون داخل البلاد. ـ الاعتقال دون تهمة محددة، وإخفاء أسماء المعتقلين، وممارسة كل أنواع الضغوط والتعذيب، والادعاء بغير دليل، ومراقبة التليفونات والبريد الالكتروني بصورة واسعة، والكشف عن الحسابات الفردية في البنوك وغيرها من الاجراءات الاستثنائية. ـ تشكيل محاكم عسكرية سرية، يحق للرئيس ـ فقط ـ تحديد من يحاكم أمامها، على أن تكون كل اجراءاتها سرية، ولا يحق للمتهمين أن يستأنفوا أحكامها، وضمنها الاعدام! ـ للمرة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة يتم تشكيل قيادة عسكرية للاشراف على الأمن الداخلي، يرأسها جنرال، كما هو الحال في القيادات الاقليمية المسئولة عن العمليات العسكرية في الخارج! ـ تشكيل حكومة سرية تعمل في موقعين حال تعرض الولايات المتحدة لهجوم عسكري مفاجئ، وتتولى ادارة الوظائف الحيوية، ولا رقيب عليها من جانب أي مؤسسة دستورية، وقد وضعت ادارة بوش هذا السيناريو في ظل غيبة كاملة للكونغرس، مع الاصرار على رفض أي معلومات حول خططه بشأن آليات تلك الحكومة! ـ مطالبة الرئيس بوش بمزاولة مهامه في تأمين البلاد بعيدا عن التسريبات، وعلى الصعيد العملي، فإن ذلك يعني فرض ستار كثيف من السرية، التي تتماثل مع العمل بعيدا عن الشفافية والمساءلة البرلمانية، وكانت المحصلة عدم تحديد المسئولية، أو حساب أي مسئول عما حدث في 11 سبتمبر. ـ استمرار عمليات الاعتقال العشوائية، وانتهاك الاجراءات المتبعة في عمليات الاعتقال التي تتم بصورة سرية، وفرض قيود على الاشراف القضائي، وعرقلة سلطة القضاء في التدقيق على الاجراءات التنفيذية، وكذا عرقلة اتصال المتهمين بمحاميهم بعد ما يقرب من مرور عام على وقوع أحداث سبتمبر. الجيش يغزو الداخل! وقد سجلت المنظمات الأميركية والدولية المعنية بالدفاع عن حقوق الانسان، وهيئات المجتمع المدني المهمومة بالحفاظ على الميراث الليبرالي العديد من الاجراءات والتوجهات والتشريعات المقيدة للحريات، كما سجلت العديد من الاحتجاجات، إلا أن ادارة بوش استمرت في سياستها التي توجت بصياغة خطة متكاملة بشأن سبل حماية الأمن الداخلي، والتي تهدف الى توسيع سلطات الرئيس بصدد اعادة النظر في المهام الخاصة بالمؤسسة العسكرية بشأن الأمن الداخلي، لاسيما المشاركة في عمليات حفظ الأمن من خلال نشر قوات عسكرية في أكثر من 400 مطار مدني، والأخطر ما يتعلق باقرار تعديل هيكل القوات المسلحة، وإنشاء القيادة الشمالية كجزء من هيكل قيادة الجيش، الذي سيحق له ـ عبر القيادة الجديدة ـ تنفيذ اعتقالات وجمع معلومات بشأن المواطنين الأميركيين! تشمل الخطة ـ أيضا ـ تحويل مكتب الأمن الداخلي الى وزارة مستقلة تتمتع بسلطات غير مسبوقة، وتضم ما يقرب من مائتي ألف موظف، وأخيرا سن قوانين وتشريعات سرية لمكافحة ما تراه الادارة الأميركية «إرهابا» طبقا لمعاييرها، بهدف مراقبة من تضعه في دائرة الاشتباه، ونشر أجهزة رقابة لكشف الارهابيين والحيلولة دون تنفيذهم أي هجمات محتملة! دون شك فإن صورة الولايات المتحدة بعد اقرار تلك الخطة سوف تكون مختلفة، وسوف تتابع تغييرات جذرية تنال من الحريات المدنية في ظل تدخل الجيش وتعميق دور الأجهزة الأمنية مع وقوع حدثين مهمين: الأول: الميلاد الرسمي لوزارة الأمن الداخلي في 11 سبتمبر المقبل، مع الذكرى الأولى للهجمات، وما يمثله ذلك من معايير رمزية وعملية. الثاني: ممارسة القيادة الشمالية عملها الفعلي في اكتوبر المقبل، وما يعنيه ذلك من تقنين دور الجيش في التدخل بتطبيق القانون على المدنيين. الأمر على هذا النحو يطرح سؤالا محوريا: هل تبدأ الولايات المتحدة فصلا جديدا في تاريخها، يؤسس لمرحلة مختلفة لتطورها السياسي والفكري والمؤسسي، تمثل في جوهرها انتكاسة تتجاوز المرحلية الى ما هو أخطر؟ مرحلي.. أم استراتيجي؟ إجابة السؤال السابق مرهونة الى حد بعيد بشفاء المجتمع الأميركي من حالة الهوس الأمني المرضية التي أتاحت للصقور داخل الادارة والكونغرس و«الميديا» فرض دور للمؤسسة العسكرية داخل البلاد، ثم تقنين هذا الدور، ومقاومة أي محاولة لاستعادة التوازن الذي يمكن أن يقود الى العودة تدريجيا الى الموروث الليبرالي كما كان عليه الحال قبل 11 سبتمبر. هكذا فإن الظاهر ينبئ عن تصميم القوى التي تدعم تضخيم دور المؤسسة العسكرية وأجهزة الأمن على تصعيد المخاوف باستمرار تجاه شبح الارهاب، حتى أن الرئيس بوش ونائبه وكبار مساعديه يصرون على قيادة تلك الحملة بأنفسهم، الأمر الذي قد يعني ـ مع الوقت ـ إحداث تغيير جذري يطال منظومة القيم التي توجه المجتمع، من ثم تعريض النظام السياسي الى تحول عكسي يصيب البنية الفوقية للمجتمع الأميركي في الصميم. حينئذ يصبح المؤقت دائما، والمرحلي خيارا استراتيجيا، عبر صياغة فلسفة جديدة تضع الأولوية للأمن على حساب الجريمة، خاصة أن ذلك التوجه يخدم مصالح العديد من جماعات المصالح (اللوبيات) والتكوينات اليمينية المتطرفة التي لن تكف عن ممارسة تأثيرها الاعلامي السلبي وسربلته بغلالة من المعتقد الديني. ويبقى الأمل في استيقاظ العقل الجمعي من غيبوبة الهوس الأمني التي يمكن أن تؤدي للغرق في حالة الخوف من الارهاب، تحت دعوى الاستهداف من قوى ظلامية تسعى لتدمير النموذج الأميركي، والحق أن ذلك إن حدث فسيكون على الأرجح من داخله! ـ كاتب مصري