المواقف الجديدة التي أعلنتها الولايات المتحدة حول ترتيباتها الأمنية ينظر اليها على انها مجموعة من الاشكاليات القائمة أساساً في البنية الهيكلية للنظام هناك، وتبرز في مقدمة هذه الاشكاليات مجموعة من المتناقضات القانونية، التي أثارت جدلاً واسعاً بين الحكومة من جهة والجمعيات الأهلية من جهة أخرى، اضافة الى تداخلات السوق من مؤسسات حقوق الانسان في العالم أجمع التي نبهت الى الخطر الشديد من اجراءات الأمن الاميركية الصارمة بشكل كبير بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، خاصة تلك المسائل المتعلقة بحقوق الانسان والتي برز من خلالها بوضوح محاصرة الحريات الشخصية بشكل يدعو الى القلق الشديد، والقيام باعتقالات تعسفية وممارسة عمليات التعذيب في السجون التي وصلت الى أعلى المستويات في انتهاك حقوق الانسان، مما أدى الى اعتراضات دولية شديدة للنمط اللاديمقراطي في بلد يدعي انه حامي الديمقراطية والمدافع عن لوائها. لا أحد ينكر حق الادارة الأميركية أو غيرها من الدول في الخوف على أمنها ورفاهية شعوبها، ولكن ما حصل في الولايات المتحدة لم يكن في الواقع إلا انعكاساً لحالة الديمقراطية النائمة هناك، والتي تسعى الادارة الأميركية الى ابقائها كذلك، خوفا من صحوة مفاجئة لشعوبها تعيد التفكير الى واقع الحريات والحقوق الانسانية التي باتت تتناقض عالمياً، خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر. والمشكلة ان الادارة الأميركية باتت تتعامل مع الواقع الطاريء بطرائق متعددة وعلى المستويين الداخلي والخارجي، وهنا سرعان ما ظهرت المسألة العرقية وبرزت بشكل واضح على السطح كونها مازالت جزءا من التفكير الاثني الذي يمارس داخل الولايات المتحدة. تجاوزات دستورية وفي ظل أجواء العنصرية هذه أتت التفجيرات كذريعة لكي تكشر الجماعات العنصرية عن أنيابها بحجة الأمن، ولكن المنطق يدعونا الى التساؤل السريع عن تعارضات الأمن مع الحريات من جهة ومع بروز الشكل العنصري في ممارسة القوانين الجديدة من جهة أخرى. ويبدو ان هذه القوانين لم تكن سوى الذريعة المنتظرة لكي تكشف المؤسسات الأمنية عن حقيقتها، فقد صدر قانون مكافحة الارهاب بعد أيام من أحداث سبتمبر وهو القانون الذي سمي بـ «Combating Terrorism Act»، وهذا القانون قد صادق عليه معظم نواب مجلس الشيوخ، ثم تبعه القانون الثاني وهو ما عرف بقانون «USA Patriot Act»، ولكنه عاد ليثير جدلاً واسعاً كونه كان أكثر تشدداً وشمولاً، خاصة بين الاوساط القضائية، رغم ان السلطات التشريعية والتنفيذية قد صادقت عليه ولكن بشكل يدعو الى الريبة، خاصة ان رئيس اللجنة القضائية في مجلس الشيوخ باتريك ليهي قال غاضباً في احدى الجلسات «ان ادارة بوش استغلت قوانين مكافحة الارهاب لتتجاوزها باجراءات فردية مثل المحاكمات العسكرية، وهذه الادارة فشلت في احترام الضوابط والتوازنات التي تشكل الاطار القانوني لنظامنا رغم اننا تعاونا معها في سن القوانين الخاصة بمكافحة الارهاب». ولكن هذا القانون ورغم كل المعارضات التي لاقاها صار قانوناً أميركياً نافذاً رغم أنف السلطات التشريعية التي رأت فيه على أقل تقدير تجاوزاً للدستور الأميركي بشكل خارق. وبالمقابل فإن نصوص القانون بحد ذاتها مليئة بالاشكال العنصرية رغم كل محاولاته ان يخرج هذه الصيغة من مضمونه، فهو مثلاً يجيز اعتقال أو ابعاد أي شخص غير أميركي حين يقدم أي نوع من المساعدة، حتى لو كانت هذه المساعدة بشكل قانوني، ولم تكن هذه المجموعات التي يساعدها مصنفة تحت قائمة الارهاب الاميركي، ولكن يحق لوزير الخارجية بأن يصنفها لاحقاً تحت مجموعة ارهابية، وهذا يحاسب عليه بشكل رجعي كل من قدم المساعدة لها. ويمكن ان يفسر القانون بما تراه أجهزة الأمن وهو واقعيا يؤدي الى حجب اية مساعدات عن اية جمعية ترعى بعض الجنسيات خاصة تلك التي تتمتع بالأصول العربية او الاسلامية، والاخطر في هذا القانون انه يمنع حامل البطاقة الخضراء اذا اعتبرت اراؤه بأنها تعيق مكافحة الارهاب، وهنا يبدو واضحا ان هذه الفقرة تتعارض تماما مع مبدأ حرية الرأي التي يتمتع بها الدستور الاميركي وتدافع عنها الولايات المتحدة في دول العالم المصنفة اميركيا بأنها لا ديمقراطية. ويسمح القانون ايضا باعتقال اي شخص لأجل مسمى دون اتهامه بأية جريمة خاصة المقيم الاجنبي، ويمكن ان يبقى الاجنبي المبعد من الولايات المتحدة طوال حياته في السجن اذا رفضت بلاده استقباله!! والواضح ان هذه المسألة لا تتعلق بقوانين مكافحة الارهاب بقدر ما هي تشديد لا منطقي في الهجرة، والمشكلة ان المهاجرين في الولايات المتحدة وحتى أولئك الحاصلين على الجنسية يعاملون كغرباء ومنبوذين طوال حياتهم، مما يتيح للعنصرية الظهور بشكل واضح ويتيح التفريخ السريع لمؤسسات اميركية جديدة تأخذ شعارها الرئيسي «العنصرية» من القانون ذاته. ان القانون الذي يجب ان يكافح الارهاب يعاني بذاته من الارهاب، فهو يسمح بتفتيش اي مواطن دون ابلاغه ودون وجوده في المكان الخاص به لكي يراقب عملية التفتيش مما يعطي للأمن الاميركي حريات كبيرة في اتهام اي مواطن، وهذه الحريات تتجاوز هذه المسألة في السماح بقيام السلطات بعمليات التنصت والمراقبة حتى على رسائل البريد الالكتروني والهاتف، ويعطي الاستخبارات الاميركية (CIA) الحق بالعمل داخل الولايات المتحدة، مع العلم ان عملها الطبيعي في الخارج، وبالتأكيد فإن هذا القانون يجعل تعريف الارهاب فضفاضا حتى انه يصل الى اتهام المعارضة السياسية السلمية بالارهاب. ان معظم بنود هذه القيود التي سميت بقانون مكافحة الارهاب تمس بشكل عام كل المواطنين الذين يدعونهم (بالملونين)، ولعلها في واقع الامر موجهة لكل عربي ومسلم سواء اكان اميركيا او يعيش فيها او حتى خارج الولايات المتحدة، وهي بطبيعة الحال لم تعد قوانين مدنية بل صارت وبشكل صريح قانونا عسكريا افرز المحاكم العسكرية التي لم تشهدها الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية، بل انه انقلاب تقوم به السلطات التنفيذية على السلطات التشريعية، خاصة ان الصلاحيات التي اعطيت للرئيس الاميركي لم تعط لغيره اطلاقا حتى في الحرب العالمية الثانية التي كان فيها المواطن الاميركي من اصل ياباني يعامل بوصفه جاسوسا حتى لو قدم كل دعمه المادي والمعنوي لجنسيته الحالية، وكل هذا التشديد لم يأت في الواقع لمحاربة الارهاب بل اتى حجة لتصفية الحسابات، خاصة تلك المتعلقة بالمسلمين والعرب في مناخ سياسي يسيطر عليه اللوبي الصهيوني الذي اعتبر نفسه الهدف الاول لأية هجمات، رغم ان رائحته ما زالت تفوح في اية عملية ارهابية تنفذ في الولايات المتحدة. الأمن والانسان «يا غبي لا قذر»!! عبارة لا اخلاقية طالما ترددت على مسامع الطالب السعودي يزيد السالمي الذي اعتقلته السلطات الاميركية لمدة ثلاثة اسابيع ثم افرج عنه بعد التحقيقات المريرة التي عانها دون اي اتهام، وهو يذكر في مقابلة صحفية له انه بقي في السجن الانفرادي مع مراقبة تلفزيونية مستمرة وفي جو لا صحي سواء من حيث النظافة او من حيث الطعام، ولعل السالمي هو نموذج من الذين سجنوا دون ان يكون لهم اية علاقة بما حصل في اميركا، وسجنه هذا لم يكن لذنب اقترفه سوى عروبته واسلامه الذي بات يعتبر حسب قوانين مكافحة الارهاب الاميركية بأنه ارهاب!! ان عدد السجناء الذين سجنوا على اثر تفجيرات سبتمبر قد بلغ حوالي 12 ألف معتقل حسب الاحصائيات العلنية، والملاحظ ان توجيه الاتهام لهذا العدد يعني بالتأكيد ان الادارة الامنية والسياسية في الولايات المتحدة قد وجدت الفرصة لتصفية الحسابات، والناظر الى اصول السجناء سيجد انهم اما عرب او مسلمون وهم المقصودون تحديدا في كل هذه الاجراءات. وبحجة الحفاظ على الامن القومي ابيحت عمليات الاعتقال التعسفي وبقيت ملفات المعتقلين مغلقة وفرض الصمت على المحامين، وأصبح التعذيب النفسي والجسدي مشروعاً وأعطيت صلاحيات المحاكم العسكرية للرئيس الاميركي، لنرى انه في نوفمبر 2001 وقع الرئيس الاميركي جورج بوش قراراً يعطيه الحق باجراء المحاكم العسكرية للاجانب المتهمين بالارهاب على أرض الولايات المتحدة أو خارجها، وليس من الضروري ان تكون علنية ويحق للرئيس ان يقيمها بناء على تقديره الذاتي لهوية المتهم وكأنه هنا أصبح عنصراً استخباراتياً يبحث عن المجرمين، ويحق للرئيس ايضاً بناء على هذا القرار ان تصل عقوبة المتهمين الى حد الاعدام وهي فورية التنفيذ وغير قابلة للاستئناف، وتتخذ هذه الاجراءات دون الرجوع الى الكونغرس. ومتابعة لهذه الاجراءات اللاأخلاقية فقد قال وزير العدل الاميركي جون أشكروفت: «ان الولايات المتحدة سوف تقوم بتصوير وأخذ البصمات لأصابع الزائرين القادمين من الدول أو المجموعات التي تربط الولايات المتحدة بينها وبين الارهاب»! ولنلاحظ ان تصريح أشكروفت لم يحدد الدول المتهمة بالارهاب بل التي تربط بينها وبين الارهاب، بمعنى كل الدول الاسلامية ما دام الاسلام حسب التعريف الاميركي يمكن في أية لحظة ان يكون ارهابياً. وفي كل الأحوال فإن القوانين والأفعال التي قامت بها واشنطن قد حركت موجة من الاستنكار، خاصة في جمعيات حقوق الانسان سواء داخل الولايات المتحدة أو خارجها، فقد قالت مجموعة اتحاد الحريات المدنية الاميركية في بيان لها ان تصرفات الادارة الاميركية تفوح منها رائحة العنصرية كونها تعتمد بشكل واضح على الانتقاء القومي والديني. والواقع ان هذا الانتقاء طال بشكل رئيسي العرب والمسلمين، إلا ان بعض الجنسيات الأخرى لم تسلم منه خاصة الجنسيات الملونة التي مازالت تعاني من التفرقة العنصرية، وقد نبهت منظمة مراقبة حقوق الانسان الى هذه المسألة، حيث جاء في بيان لها: «نشعر بالقلق البالغ من ان المصطلحات الفضفاضة الواسعة غير المحددة مثل الترويج لعقيدة ما، يمكن ان تؤدي الى القاء الذنب بالتبعية على الاشخاص الذين يمكن ان يشتركوا مع مرتكبي الاعمال الارهابية في نفس العقيدة السياسية أو ينتمون لنفس الجنس أو العرق»، وعبرت المنظمة ايضا عن قلقها بخصوص التعريف الفضفاض للارهاب، وجاءت مفوضة الامم المتحدة لحقوق الانسان ماري روبنسون لتعبر عن اشكال القلق التي تحيط بالحريات الانسانية خاصة استغلال قوانين الهجرة لاعتقال الناس، ورأت روبنسون ان الاستعانة بمفردات مثل محاربة الارهاب بحجة الامن ستفسح المجال امام الدول غير الديمقراطية لفرض مزيد من الكبت والاضطهاد على كل معارضة. ان واقع ما يجري اليوم في الولايات المتحدة من محاكم عسكرية او مدنية تعسفية يخالف كل الاعراف الدولية، فمحاكم الحرب خاضعة لاتفاقية جنيف الرابعة التي وقعت عام 1949، اما اذا كانت ضد المدنيين فانها تخضع ايضا لاتفاقية جنيف الثالثة. ومن الناحية القانونية الدولية فان اشكال الاعتقال التي تقوم بها الولايات المتحدة تخالف معاهدة فيينا 1963 للعلاقات الدبلوماسية التي تؤكد على انه يجب ابلاغ دولة المواطن المعتقل وتحدد اسس محاكمته والى اي قانون يجب ان يخضع وبالطبع فان واشنطن قد وقعت هذه المعاهدة وكانت تنادي بها باستمرار وتحث الدول غير المشاركة بالتوقيع عليها، كما انها لازالت تحث دول العالم بممارسة الديمقراطية والغاء المحاكم العسكرية، وفي الوقت ذاته تعود واشنطن الى زمن اشد قتامة من محاكم التفتيش. فهل صورة الديمقراطية التي تنادي بها الادارة الاميركية على هذا المستوى الذي نراه داخلها اليوم أم انها تريد ممارسة الديمقراطية وحقوق الانسان بشكل يسمح لها وحدها فقط ان تكون عنوانا لارهاب الانسان؟!! ـ كاتب فلسطيني مقيم بدمشق