تمثل أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 نقطة تحول فاصلة في تاريخ النظام السياسي الأميركي، الذي واجه نتيجة هذه الاحداث، حالة من الانكشاف لم يسبق أن تعرض لها أي نظام سياسي ديمقراطي، فقد أوضحت هذه الاحداث مدى هشاشة المؤسسات الأمنية والمخابراتية الأميركية، اضافة الى أنها أظهرت حقيقة الأزمة التي تواجه عملية صنع القرار السياسي الأميركي، فان كانت المؤسسات الأمنية الأميركية قابلة للاختراق بهذا الشكل الذي يمثل تهديدا مباشرا للأمن القومي الأميركي، فانه على صعيد عملية صنع القرار السياسي بدا واضحا العجز عن التعامل السريع والفعال والملائم لخطورة هذا الحدث. ففي البداية بدا الرئيس الأميركي ومعاونوه في مظهر العجز والتردد وعدم القدرة على التعامل مع الموقف، بالرغم من توافر العديد من السيناريوهات التي أعدتها مراكز البحوث السياسية المتطورة والتي ربما لا يتوافر مثلها في العديد من دول العالم المتقدمة، ومن ثم وضعت هذه الاحداث والأزمة الناتجة عنها شرعية النظام في مأزق، بآلياته ومؤسساته الضخمة وامكانياته الكبيرة البشرية والفنية والمالية التي لم يسبق أن توافرت لأي نظام سياسي آخر في التاريخ السياسي المعاصر حيث فشل في تحقيق أهم وظيفة لأي نظام سياسي وهي تحقيق الامن والامان للمواطن بل على العكس من ذلك فان هذا الفشل قد جعل المواطن الأميركي يشعر بأنه معرض للخطر في مجمل جوانب حياته اليومية ربما لأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة. ولقد أدى هذا الى اثارة التساؤل حول العلاقة بين الديمقراطية الأميركية وتقاليدها المعروفة ومتطلبات الامن القومي في نطاق الأوساط السياسية الأميركية ومن ثم برز اتجاهان الأول يرى أنه مهما كانت خطورة هذه الاحداث فانه لا يجب المساس بتقاليد وأسس النظام الديمقراطي الأميركي من حرية ومساواة وانفتاح على أساس أن الولايات المتحدة تستمد عناصر قوتها وريادتها في العالم من هذه الأسس، بعبارة أخرى فان الديمقراطية الأميركية تعد من أهم مصادر القوة الأميركية التي لا يجب التضحية بها تحت أي ظرف من الظروف. أما الاتجاه الثاني فانه يرى ضرورة تغليب الاعتبارات المتعلقة بالامن القومي الأميركي بمفهومه الواسع على أي اعتبارات أخرى، بما فيها الاعتبارات المتعلقة بالديمقراطية والحرية وحقوق الانسان. ولقد كانت الغلبة لهذا الاتجاه للعديد من الاعتبارات أهمها ما يلي: 1 ـ خطورة الأزمة التي واجهت مؤسسات النظام الأميركي الهامة، الأمر الذي صار يمثل تهديدا مباشرا لاستمرارية بعض هذه المؤسسات ذات الثقل الكبير،وصاحبة الاعتمادات المالية الكبيرة والتي ترتبط بشبكة واسعة من المصالح في نسيج المجتمع الأميركي. 2 ـ توافر البنية النفسية الداخلية التي يمكن أن تتقبل مثل هذا الاتجاه بصورة غير مسبوقة في المجتمع الأميركي. 3 ـ اتجاه مؤسسات النظام الأميركي الأساسية، بما فيها مؤسسة الرئاسة التي تبني استراتيجية تغيير مسار الأزمة، بما يساعد على التنصل من تحمل المسئولية عما حدث، وايجاد المبررات، ومحاولة تعليق ما حدث على أسباب وعوامل خارجية لايد لها فيها، بل ومحاولة توظيف هذه الازمة لتحقيق مكاسب خارجية تتلاءم مع المصالح الاستراتيجية الأميركية المرتبطة بفكرة أن الولايات المتحدة هي القوة العظمى الوحيدة في عالم اليوم، وانها يجب أن تظل كذلك. 4 ـ محاولة الاستفادة من التعاطف الدولي الذي ظهر بعد هذه الاحداث مع الولايات المتحدة لتحقيق هذه الاهداف. 5 ـ الدور الكبير الذي لعبته وسائل الاعلام الاميركية في تأييد هذا الاتجاه الذي يعطي الأولوية للأمن القومي على أي اعتبارات أخرى. ومع تبنى الادارة الأميركية لهذا الاتجاه تم اتخاذ العديد من الاجراءات التي تتناقض مع القواعد الديمقراطية وحقوق الانسان ، بل وتتعارض مع بعض المواد الواردة في الدستور الأميركي ذاته وأهم هذه الاجراءات ما يلي: 1ـ في الخامس والعشرين من أكتوبر 2001، أقر الكونغرس قانون مكافحة الارهاب الذي يمنح الادارة الأميركية سلطات واسعة في مجال الأمن والقضاء لمساعدتها في حملة مكافحة الارهاب، وينص هذا القانون على التنصت على الاتصالات التي تجرى بين الاشخاص الذين يشتبه في أنهم ارهابيون ، بما في ذلك التنصت على الانترنت والبريد الالكتروني ، تخفيف الشروط التي تحكم التنصت على المخابرات التليفونية، تقاسم أفضل للمعلومات بين مكتب التحقيقات الفيدرالية، وأجهزة الاستخبارات للتمكن من تبادل المعلومات الحساسة المستقاه من التنصت على المخابرات الهاتفية، امكان الاحتفاظ بأجنبي يشتبه بقيامه بنشاطات ارهابية قيد الاعتقال لمدة سبعة أيام من دون توجيه الاتهام اليه، تشديد العقوبات في جرائم الارهاب، تعزيز مكافحة أموال الارهاب. 2 ـ وفي 13 نوفمبر 2001 أصدر الرئيس الأميركي مرسوما يقضي بانشاء محاكم عسكرية لمحاكمة أجانب يحتمل انهم ارهابيون، على أن يكون القضاة واعضاء هيئة المحلفين من العسكريين، ويمكن أن تجرى هذه المحاكمات في جلسات سرية،ويمكن أن تصدر هذه المحاكم عقوبة الاعدام بغالبية الثلثين،كذلك سمح وزير العدل الأميركي بالتنصت وتسجيل المحادثات الهاتفية بين محامين وموكليهم المشتبه في أنهم قاموا بأنشطة ارهابية. وأخطر ما جاء في هذه الاجراءات هو الاقرار بامكانية التعذيب بعد اذن القاضي اذا كان القيام به ضروريا لخدمة التحقيق وليس للحكم على المتهم، وخلاصه هذه الاجراءات تمثلت في أنها قد أقرت خطوات اجراءات قانونية ضد الأفراد لا تعطيهم أي حق في الحصول على دفاع مناسب أو محاكمة عادلة، وتسمح باجراءات وعمليات تفتيش سرية وتنصت واحتجاز لفترة غير محددة لمجرد الاشتباه. تقنين الانتهاكات ولقد أثارت هذه الاجراءات العديد من التساؤلات حول مستقبل النظام الديمقراطي في الولايات المتحدة، خاصة بعد ما أدت الى المساس بالأسس التي يقوم عليها هذا النظام،سواء فيما يتعلق بالفصل بين السلطات، حيث أن هذه الاجراءات أدت الى احداث خلل كبير في هذا الصدد لصالح السلطة التنفيذية على حساب السلطات الأخرى، كما أنها وضعت قواعد قانونية تبرر انتهاك الحريات وحقوق الانسان فالسلطة التنفيذية صارت في الولايات المتحدة هي المحقق والمدعي والقاضي وهيئة المحلفين والسجان، والجلاد، وذلك وفقا لما كتبه أحد الخبراء القانونيين الأميركيين مؤخرا. ثم كان اتجاه الادارة الأميركية لانشاء وزارة للأمن الداخلي في الولايات المتحدة لأول مرة في تاريخها، وقد عارض الديمقراطيون هذا الاتجاه، وأعاقوا خطة الرئيس بوش لانشاء هذه الوزارة مستخدمين أغلبيتهم في مجلس الشيوخ،وقد أشار توم داشل زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ الى أن الديمقراطيين يعارضون الأفكار والخطط التي تؤكد على رغبة بوش بالاستئثار في اتخاذ القرارات السياسية والسيطرة على المؤسسات الأمنية،ومن ثم فهم يعارضون انشاء وزارة للأمن الداخلي، يعمل فيها 170 ألف موظف تتمتع الادارة وحدها بحق تعيينهم وفصلهم. ولكن ما هي النتائج التي ترتبت على هذه الاجراءات؟ أوضح تقرير صادر عن منظمة مراقبة حقوق الانسان الأميركية مؤخرا بعنوان الجرم المفترض، أن المعتقلين يتعرضون لانتهاكات حقوق الانسان، كما أن التحقيق الذي تجريه الحكومة أتاح المجال أمام عمليات اعتقال احتياطية ، وانتهاكات للاجراءات القضائية واعتقالات سرية، كما أن الحكومة بتنفيذها للمراقبة القضائية تمارس سلطة لا محدودة نظريا على من تقوم باعتقالهم، وأشار التقرير الى اعتقال مئات الأشخاص دون مسوغ قانوني، مؤكدا على أن معظم هؤلاء المعتقلين لم توجه اليهم أي اتهامات الأمر الذي يمثل انتهاكا دائما للعدالة الأميركية. عولمة التجني من ناحية أخرى فان من أبرز النتائج التي ظهرت في واقع المجتمع الأميركي نتيجة هذه الاجراءات هو ازياد ممارسة التمييز العنصري، حيث أن معظم من طبقت بحقهم هذه الاجراءات كانوا من أصول عربية ومن المسلمين، الأمر الذي صار يمثل تهديدا مباشرا للأسس التي يقوم عليها المجتمع الأميركي الذي يتكون في الأساس من مهاجرين من شتى بقاع العالم، ومن ثم فقد أدت هذه الاجراءات التي تبنتها الادارة الأميركية الى تصدير الأزمة الى المجتمع الأميركي ذاته، ولم تقض الاجراءات التي اتخذتها الادارة الأميركية على ذلك، بل حاولت عولمة هذه الاجراءات من خلال القرارين الصادرين عن مجلس الأمن بصدد الارهاب وهما القرار رقم 1368 الصادر في 12 سبتمبر 2001، والقرار 1373 الصادر في أول أكتوبر 2001، والذي يفرض على اعضاء الامم المتحدة اتخاذ اجراءات مماثلة أو قريبة من الاجراءات السابقة الاشارة اليها تجاه ما تسميه الولايات المتحدة بالمنظمات الارهابية والارهابيين. ولاشك في أن هذا الاتجاه آخذ في التصاعد في مجمل جوانب السياسة الأميركية داخليا وخارجيا، وهو ما أثار العديد من المخاوف حول النتائج التي يمكن أن تترتب على ذلك، فقد أشار بعض أعضاء الكونغرس الى أن أحدا لم يعط الادارة الأميركية حق اعلان الحرب الدائمة ضد العالم دون قيد أو سبب، كما أن أحدا لم يخولها ابطال لائحة الحقوق. ويشخص المفكر العربي ادوارد سعيد الموقف بقوله ان المشكلة التي يواجهها العالم اليوم هي كيف يجري التعامل مع القوة التي لا نظير لها ولم يسبق لها مثيل للولايات المتحدة التي لم تخف عمليا حقيقة انها لا تحتاج الى التنسيق مع الآخرين في سعيها الى تحقيق ما تعتقد حلقة ضيقة من الافراد المحيطين بالرئيس الأميركي أنه يمثل مصالحها، ولعل في تصريحات العديد من المسئولين الأميركيين والتي تدور حول أن الولايات المتحدة تعرف ما يجب القيام به ما يؤكد هذا التشخيص الذي ذكره أدوارد سعيد. ومن ثم فالمحصلة النهائية لهذا كله هي بروز ما يسمى بالرئاسة الامبراطورية التي يحاول بوش ومعاونوه ممارستها، وهو اصطلاح سبق وأن أطلقه أرثر شليسنجر المؤرخ الأميركي المعروف في السبعينيات عندما حاول الرئيس نيكسون توسيع صلاحياته. ولكن يبدو أن ما يقوم به بوش ومعاونوه يفوق بكثير ما حاوله نيكسون من قبل، الأمر الذي يحمل العديد من علامات الاستفهام حول المستقبل سواء داخل الولايات المتحدة أو العالم، فلاشك أننا أمام مرحلة تحول جديدة لا يعرف أحد الى أين تتجه. ـ أستاذ العلوم السياسية ـ جامعة حلوان