ثمة مظاهر واجراءات كثيرة في الولايات المتحدة الاميركية تدفع للاعتقاد بأنها توشك ان تبدأ رحلة نكوص مديدة عما سبق وان عرفت او اشتهرت به كدولة ديمقراطية وكبلد للحريات على المستوى الداخلي وكمدافع عنها وداع لها على المستوى الدولي. سبق وان قيل ان احداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 ستشكل مفصلاً تاريخياً كبيراً سواء فيما يتعلق بالولايات المتحدة ذاتها أو فيما يتعلق بالمجتمع الدولي كله، وما حدث منذ ذلك الحين وما هو متوقع حدوثه في الاشهر القليلة المقبلة يؤكد بالفعل ان تلك الاحداث المأساوية وردود الفعل الاميركية حيالها شكلت مفصلاً تاريخياً بالغ الخطورة، لم نلمس حتى الآن إلا مقدماته ومؤشراته التي لا توحي سوى بأن الولايات المتحدة ومعها المجتمع الدولي كله على اهبة تطورات دراماتيكية بالغة السوء. لعل اسوأ ما في توقيت تلك الاحداث واكثر ما يجعل الصورة المستقبلية ضبابية كونها جاءت بعد اشهر قلائل من وصول الرئيس بوش الابن الى مقاليد السلطة في البيت الابيض، ومعه فريق من كبار شخصيات اليمين الجمهوري المتشدد والذي يحرص على الظهور بمظهر الناقم والحاقد والحريص على الاخذ بالثأر والانتقام عبر رد الصاع بمئة والف صاع. تطويع العالم على الصعيد الدولي، ومع كونها اصبحت منذ عقود من الزمن القوة الاولى في العالم والقطب الاوحد فيه، لم تعد اميركا تقبل باعتراف وتقبل العالم لها بذلك بل تريد من العالم ان يكون مطواعاً لمشيئتها ومنفذاً لارادتها وقرارها وحارسا لمصالحها، حتى وان كانت تتعارض مع مصالحه أو مصالح جهات فاعلة فيه، وبمعنى آخر لم تعد تقبل سماع رأي دولي آخر مخالف او معارض او حتى ناقد لقراراتها وسياساتها الدولية، ضاربة عرض الحائط بكل ما كان متعارفاً عليه سابقاً على هذا الصعيد خصوصا من جانب الحلفاء. وهي بذلك تنهي عهداً وتبدأ عهدا جديداً سمته الاساسية تغييب الديمقراطية والرأي الآخر عن العلاقات الدولية، ولعل مواقفها سواء عبر الامم المتحدة ممثلة بمجلس الامن الدولي أو عبر اجتماعات قمة حلف الاطلسي ولقاءات القمة الاخرى التي يعقدها الرئيس الاميركي مع اقرانه من زعماء الدول الاخرى تقدم الدليل الاوضح على ذلك. والى جانب ذلك تبدأ الادارة الاميركية عهداً جديداً آخر في التعامل مع معارضيها او المعادين لها في المجتمع الدولي، حيث باشرت بتصنيفهم ضمن ما اطلقت عليه اسم دول محور الشر ومعها دول اخرى تهدد الولايات المتحدة بضمها الى دول هذا المحور ان هي لم تسارع الى الرضوخ للمشيئة الاميركية. ان المدقق في السياسات الاميركية يكتشف بسرعة ان الولايات المتحدة بقيادة الرئيس بوش الابن واعوانه المتشددين، سواء نائبه ديك تشيني او وزير دفاعه دونالد رامسفيلد، يدفعون باتجاه فرض السطوة الاميركية على المجتمع الدولي بالقوة حتى وان كانت قوة مسلحة عارية، كما هو الحال في التهديدات الاميركية الموجهة ضد العراق دون ان يرتكب العراق اثما بحق الولايات المتحدة أو بحق غيرها من الدول المجاورة، ولن يحصد الاندفاع الاميركي نحو القوة والسطوة كلغة وحيدة في العلاقات الدولية سوى المزيد من الاعداء والمزيد من القوى الكارهة للولايات المتحدة والساعية الى ترجمة هذه الكراهية عبر عمليات عنف وارهاب تنفذ سواء في الولايات المتحدة او ضد مصالحها وقواتها المنتشرة في كل العالم: ارضا وبحراً وجواً فاستعداء الآخرين واستهدافهم لابد وان يدفع هؤلاء الى اشهار العداء لاميركا وللأميركيين. والخطير هنا ان الولايات المتحدة كبلد مهاجرين يضم اميركيين من اصول مختلفة من العالم، يتيح لهؤلاء امكانية التواصل مع البعض ممن يلتقون معهم في هذا الاصل أو ذاك، وهي كبلد امبراطوري مفتوح تتيح لهؤلاء امكانية التحرك والعمل المضاد، وادراك السلطات الاميركية لهذه الحقيقة هو الذي يدفعها لاتخاذ اجراءات واتباع ممارسات تتنافى مع تقاليد الديمقراطية الاميركية على المستوى الداخلي. خيار التشدد عمليا بدأت الادارة الاميركية جني حصاد سياساتها الخارجية على المستوى الداخلي، ويظهر ذلك بكل وضوح من خلال الاجراءات التي تتخذ على مختلف الصعد وفي مقدمتها الصعيد الامني، حيث اقرت انشاء اجهزة جديدة تعنى بالشئون الامنية الداخلية واقرت اجراءات امنية مشددة على اكثر من صعيد منها: 1 ـ الاجراءات الامنية المشددة الخاصة بالبيت الابيض وغيره من مقرات السلطات الاميركية مثل الوزارات وفي مقدمتها وزارة الدفاع. 2 ـ الاجراءات الامنية المشددة على حركة الطيران المدني في اجواء المدن الاميركية. 3 ـ الاجراءات الامنية المشددة في المطارات ومحطات انطلاق القطارات. 4 ـ بث الخوف والرعب عبر وسائل الاعلام لدفع الاميركيين نحو معاداة المسلمين سواء في داخل الولايات المتحدة أو خارجها، وبالتالي خلق حالة مكارثية جديدة تستهدف المسلمين حتى وان كانوا اميركيين. 5 ـ تشجيع قوى اليمين المتشدد على التعبير الصريح عن ذاتها وعن مطالبها حتى وان اظهرت ميولاً واتجاهات عنصرية. ولاتزال هذه الاجراءات في بداياتها ومن المتوقع ان تزداد تصعيداً خلال الفترة المقبلة مع ازدياد تفتح قرائح اليمين الاميركي المتشدد، وتبدو ادارة الرئيس بوش الجمهورية اليمينية وكأنها بأمس الحاجة لتشجيع ذلك في محاولة منها ل: 1 ـ ضمان التمديد للرئيس بوش لولاية رئاسية ثانية. 2 ـ قطع الطريق لسنوات طوال امام امكانية عودة الحزب الديمقراطي الى الحكم. 3 ـ اظهار السياسة الخارجية الاميركية كامتداد متطابق مع السياسة الداخلية. واذا ما استمرت ادارة الرئيس بوش في هذا النهج غير الديمقراطي بل والاستبدادي ان لم نقل العنصري التوجه على المستويين الداخلي والخارجي، فإنها تؤكد ما ذهب اليه العديد من المفكرين والكتاب الاميركيين الذين اتهموا الادارة الاميركية الحالية بالغباء وقصر النظر والانجرار نحو سياسات مدمرة في العالم وفي الولايات المتحدة ذاتها، الامر الذي سينعكس سلباً على الجميع وفي المقدمة على الاميركيين ذاتهم الذين سيفتقدون ما اعتادوا عليه من ديمقراطية وحريات وأمن وسلام، ومع افتقادهم لذلك ستنبعث من جديد السياسات والممارسات العنصرية التي عرفت بها الولايات المتحدة وعاشتها قروناً عدة وقد تبعث معها تمرد الولايات على الاتحاد الاميركي. ـ كاتب سوري