تختلف الرؤى والتحليلات السياسية والاجتماعية لما يجري على الساحة الاميركية منذ احداث الحادى عشر من سبتمبر، حول الاجراءات، التي تتخذها اميركا كردود فعل لتلك الاحداث من الناحية الامنية والاجتماعية، خاصة فيما يتعلق بالسياسة الاميركية الجديدة تجاه الاجانب عامة ومهاجري الشرق الاوسط والدول العربية خاصة، فهناك من يؤيد تلك الاجراءات التي اقل ما توصف به انها ردة للديمقراطية وانتكاسة لحقوق الانسان، ويرى المؤيدون لهذه الاجراءات انها علاج ووقاية في ذات الوقت من تكرار الاحداث التي وقعت في 11 سبتمبر، اما الرافضون وهم الاغلبية فيرون ان هذه الاجراءات انما كان ممهدا لها من قبل، وهي تتم بضغوط صهيونية، والهدف منها في النهاية هو تقليص وجود العرب والمسلمين في اميركا وتحجيم دورهم السياسي والاجتماعي امام اللوبي اليهودى. حول السياسات الامنية الجديدة بأميركا وردود الفعل الداخلية والسياسية الدولية، وانعكاسات هذه السياسة على المستقبل الاميركي، حاور «الملف» الدكتور«ديك دروب» خبير حقوق الانسان وعضو المنظمة الاوروبية لحقوق الانسان. ـ هل ترى ان احداث الحادى عشر من سبتمبر مبرر قوي ووحيد لاتخاذ الحكومة الاميركية لهذه الاجراءات المتعلقة بحقوق الانسان والاجانب؟ - مما لا شك فيه ان الاحداث كانت جسيمة وتجبر اي دولة في العالم على اتخاذ خطوات احترازية لعدم تكرار مثل هذه الاحداث، لكن ليست على النحو والصورة المبالغ فيها التي تتخذها اميركا الآن من اعادة لصياغة القوانين الداخلية والمساس بالدستور والحقوق المشروعة والمكفولة للانسان. والباحث في الخلفيات الاميركية فيما قبل احداث سبتمبر يرى ان اميركا كان لديها من الاسباب المتوافرة لاتخاذ اجراءات تحد من وجود الاجانب والهجرة اليها، وتتمثل هذه الاسباب فى: ـ الاوضاع الاقتصادية التي تمر بها اميركا كمنعطف، لم تعد معه تحتمل مزيدا من المهاجرين خاصة غير الشرعيين، والذين كما هو الحال في البلدان الاوروبية لدينا يستولون على فرص عمل ليست من حقهم، ويتسببون في تفجير ازمات سكانية، ويخلقون مجتمعات من الجريمة، في المجمل ترى الحكومة الاميركية انهم يتسببون في تعميق او زيادة المشكلة الاقتصادية التي بدأ يضج منها المواطن الاميركى. ـ القوانين الحرة او السمحة في اميركا والتي شجعت المهاجرين على القدوم اليها بدأت تكون لها انعكاساتها في تزايد اعداد الاجانب، فاذا ما نظرنا الى الاحصائية الاميركية الرسمية التي تؤكد ان عدد المهاجرين من دول الشرق الاوسط إلى الولايات المتحدة قد ارتفع باكثر من سبعة اضعاف المستويات المسجلة في عام 1970، فبلغت 1.2 مليون مقابل 200 الف في عام 1970 وبعد ان كان المسلمون يمثلون15% عام 70 و85% من المسيحيين والديانات الاخرى، وصلت نسبة المسلمين في عام 2000 الى 73% من مهاجري الشرق الاوسط، لذلك فان هذا استوجب وقفة اميركية حتى مع قوانين السماحة للهجرة. ـ تصاعدت في الاونة الاخيرة اصوات الجاليات العربية والاسلامية في محاولات لتشكيل لوبي يتحرك في اميركا ويمثل قوة ضاغطة على القرارات السياسية في صالح العرب والقضايا العربية والاسلامية، وقد اثار هذا غضب الجاليات اليهودية التي بدأت تتحرك وتسعى لدى مجلس الشيوخ والمعروف انه تهيمن علية شخصيات يهودية وتخضع للوبي اليهودي، ولذلك كان على اميركا ايضا اعادة النظر في زيادة امواج المهاجرين من الشرق الاوسط خاصة الدول الاسلامية حتى لا ترى اراضيها ميدان صراع بين لوبي يهودي ولوبي عربي اسلامي يمكن ان يفجر بها الثورات والاحداث على غرار ثوارات البيض والسود. ـ ويتأكد لنا من الرصد السابق ان اميركا كان لديها من الاسباب التي تدفعها لتغيير القوانين والاجراءات المتعلقة بوجود الاجانب خاصة من الشرق الاوسط والعالم العربي والاسلامي حتى وان لم تقع احداث سبتمبر، غير ان هذه الاحداث كانت مبرر قويا لاتخاذ مثل هذه الاجراءات استنادا على الوقاية وحماية الامن الاميركي. ردة ديمقراطية ـ الى اى مدى ترصدون متغيرات القوانين والاجراءات الاميركية ومساسها بحقوق الانسان؟ ـ ماحدث فى اميركا ردة للعصور الوسطى وعودة لمحاكم التفتيش والاحكام العسكرية واهدار لمواثيق حقوق الانسان التى نصت عليها مبادئ الامم المتحدة، فبداية يمكن رصد التجاوزات الآتية: ـ حق التوقيف والاعتقال دون ابداء المبررات القانونية واسباب هذا الاجراء للاشخاص. ـ تطبيق احكام عسكرية بجانب حرمان المتهمين من حقوقهم الدستورية فى فرصة الدفاع عن انفسهم او فرص استئناف الاحكام، بجانب السرعة التى تتم فيها عملية اصدار الحكم. ـ القبض على المهاجرين غير الشرعيين وترحيلهم دون مراعاة اى ظروف انسانية وراء هؤلاء المهاجرين. ـ التدخل فى الشئون الشخصية للمهاجرين خاصة العرب والمسلمين وعمل ملفات لهم تسجل تحركاتهم وأنشطتهم وان تتابع المباحث الفدرالية الاميركية وجهاز الاستخبارات هذه الملفات، وذلك بالمخالفة للدستور الاميركى فى احترام الشئون الشخصية والحريات. ـ طرد واستبعاد اى عربى او مسلم يشتبه فى صلته بتنظيمات او جماعات ترى اميركا ان لها صلة بالارهاب. ـ وضع تعقيدات واغلاق الابواب امام وفود اى مهاجرين من الشرق الاوسط او الدول العربية، بما يمثل عنصرية اميركية واضحة مخالفة لحقوق الانسان. ـ رصد وتعقب انشطة التنظيمات والمؤسسات التابعة للاقليات وعلى راسها العرب والمسلمون واغلاق ماترى اميركا ضرورة اغلاقه ومصادرة انشطتها وكل هذه الا جراءات تعتبر ضربات قوية على وجه الديمقراطية واسوارا جديدة حول الحرية ومصادرة لحقوق الانسان التى كانت اميركا تزعم دائما انها ترفع شعارها. ـ وما مدى تأثير هذه الاجراءات على مستقبل الاقليات في اميركا؟ ـ من المؤكد ان الانعكاسات ستكون سلبية على الحياة الاجتماعية وانشطة هذه الاقليات، ولكنها ستكون انعكاسات خطيرة على اميركا نفسها التي لن تصمد طويلا امام التبعات التي سيسببها كبت الحريات والآنشطة لهذه الاقليات والتي ستضطر للعمل في السر وتحت الارض، وهو امر سيهدد اميركا اكثر من العمل والانشطة المعلنة، فدائما العمل في السر انما تتسع معه فرص الانحراف وفتح المجال امام تسلل الجماعات الدينية المتطرفة اوالايديولوجيات الخطيرة ويتيح فرصة لعمل التنظيمات الارهابية، وأنا اتصور بصفة شخصية ان كل هذه الاجراءات لن تستمر طويلا. اغلاق مؤقت ـ ما هي انعكاسات المتغيرات الاميركية على المهاجرين داخليا وعلاقة اميركا بالعالم العربي خارجيا؟ - لا اتصور ان اغلاق اميركا الباب امام المهاجرين العرب سيستمر طويلا، فالمهاجرون العرب بالداخل الذين حصلوا على الجنسية الاميركية واصبح لديهم اطفال واسر وحقوق في اميركا يحق لهم استقدام اي من اعضاء اسرهم في أوطانهم الاصلية الذين يرغبون في استقدامه للم الشمل، وهؤلاء العرب الاميركان لن يقفوا مكتوفي الايدي امام اغلاق الابواب امام ذويهم واقاربهم، بل سيبذلون الضغوط والجهود لزحزحة الاجراءات الجديدة عن موقعها واعادة الوضع تدريجيا الى ما كان عليه، كما ان علاقة اميركا بالعالم العربي والاسلامي ستهتز كثيرا امام هذه الاجراءات، وقبول اميركا لمهاجرين من هذه البلدان انما يرتبط فى الغالب بمصالح اميركية مع هذه الدول ومن الممكن ان تتأثر هذه المصالح الاقتصادية، ولا اتصور ان اميركا ستصمد كثيرا امام الضغوط الداخلية من الجاليات والمهاجرين والاقليات، لان اعداد العرب بالداخل يعتد بها في اي انتخابات، واي مرشح في الانتخابات الاميركية القادمة سيعمد الى مغازلة الاجانب والاقليات للفوز باصواتهم، وسيكون الاجانب ورقة رابحة في الانتخابات المقبلة، كما لن تصمد اميركا امام الضغوط الخارجية من الدول العربية والشرق اوسطية. ولكن ما اتصوره هو ايجاد حل وسط ومتوازن تضمن معه اميركا الحد النسبي من قدوم امواج المهاجرين وايجاد صيغة توفيقية ملائمة مع العالم الخارجي حتى لا تخسر كل العالم العربي والاسلامي جملة واحدة بهذه السياسة، خاصة وان اميركا تحتاج الى مساندة هذه الدول خلال المرحلة القادمة اذا ما كانت خطتها تقترب بالفعل من اسقاط النظام العراقي