الملف السياسي: في أكبر عملية لإعادة تنظيم الحكومة الفيدرالية الأميركية منذ عام 1947 في عهد هارى ترومان، وافق الكونغرس على مشروع قانون إنشاء وزارة للأمن الداخلى بحيث تضم كلاً أو أجزاء من 22 وكالة أمنية تابعة في معظمها لثمانى وزارات أساسية منها الخارجية والطاقة والزراعة والتجارة، والمواصلات البرية والجوية، وتشمل وحدات خفر السواحل وحرس الحدود والجمارك، والخدمة السرية، وتضم إجمالاً أكثر من 170 ألف موظف، وتدور ميزانيتها السنوية حول رقم 38 مليار دولار. وتتولى الوزارة الجديدة أربع مهام رئيسية هي تأمين حدود الوطن، وتنسيق جهود الطوارئ في مواجهة الكوارث والأزمات وتطوير الوقاية من أسلحة الدمار الشامل، وتنفيذ مهام وتحصيل بيانات ومعلومات المخابرات. وتشمل الوزارة أربع إدارات رئيسية هي أمن الحدود والنقل، واستعدادات الطوارئ وردود الفعل، والإجراءات المضادة للهجمات النووية والإشعاعية والبيولوجية والكيميائية، والاستخبارات. ويعتبر إنشاء الوزارة الجديدة المسئولة عن تأمين الولايات المتحدة ضد التهديدات الداخلية، تطورا إصلاحياً غير مسبوق منذ صدور قانون الأمن الوطنى عام 1947 الذى تضمن إنشاء مجلس الأمن القومى، ووزارة الدفاع ووكالة المخابرات المركزية . CIA وسوف تصدر قوانين تكميلية للأمن الداخلى تشمل نقل مسئوليات منح تأشيرات الدخول إلى الولايات المتحدة والإقامة بها من الخارجية إلى وزارة الأمن الداخلى، وكذلك نقل إدارة الهجرة من وزارة العدل إلى الوزارة الجديدة. الأمن الداخلي وقد جاء تحديد مهام الوزارة الجديدة واضحا بعد أن امتنع جورج بوش الابن عن إصدار وثيقة استراتيجية الأمن القومى الاميركي منذ تولى السلطة في البيت الأبيض، وهي الوثيقة التى تحدد غايات وأهداف وأسبقيات الأمن القومى للولايات المتحدة التى تحمى وتنمى مصالحها الحيوية، وتحكم سياساتها الخارجية والداخلية، وتعتبر حجر الزاوية في التخطيط الاستراتيجى الاميركي في كل مجالات العمل الوطنى. وكانت آخر وثيقة رسمية لاستراتيجية الأمن القومى هي تلك التى أصدرها الرئيس السابق بيل كلينتون في ديسمبر عام 1999 للعمل بمقتضاها خلال عام 2000 واكتفى جورج بوش الابن خلال العام الماضى بالتأكيد على إصرار الولايات المتحدة على الانفراد بمكانة القوة العظمى الوحيدة في عالمنا المعاصر، وتفوق الحضارة الغربية، والهيمنة الأميركية على مفاهيم العولمة الأمنية والعسكرية، وعلى مطاردة الإرهاب والقضاء على قواعده وتنظيماته أنى وجدت في قارات العالم. ويبدو أن إنشاء وزارة الأمن الداخلى يستهدف بالدرجة الأولى التغلب على الشعور الغالب بين المواطنين الأميركيين بالانكشاف الأمنى منذ تفجيرات 11 سبتمبر الشهيرة في واشنطن ونيويورك، والذى يرتبط باهتزاز الثقة في أجهزة الاستخبارات الاميركية، وباستمرار الأزمة الاقتصادية الراهنة في الولايات المتحدة التى تشمل مظاهرها الركود الاقتصادى، واضطراب الآليات التقليدية للسوق، وتزايد البطالة بصورة تتجاوز المقاييس الأميركية المألوفة، وانخفاض سعر الدولار، والهبوط المتكرر في أسعار أسهم البورصة، ثم إفلاس بعض الشركات الكبرى مثل إنرون، وورلد كوم وغيرهما. وإذا كان تحقيق أمن الوطن والمواطن غاية عليا لكل أمة على وجه الأرض، فإن الوصول إلى هذه الغايات لا ينبغى أن يبرر حالة الهوس الأمنى التى تجتاح أجهزة الإدارة الأميركية، وتنال من احترامها لحقوق الإنسان والقيم والحريات الفردية في الداخل والخارج، وتنعكس على العلاقات الخارجية للولايات المتحدة مع دول العالم الثالث جميعها حتى مع أصدقائها التقليديين في العالمين العربى والإسلامى. الأميركان وحقوق الإنسان لا تملك الولايات المتحدة على المستوى الدولى تاريخاً مشرفاً في مجال حقوق الإنسان، فقد رفض الأميركان الموافقة على تعديلات اتفاقية حقوق الإنسان المبرمة في نطاق الأمم المتحدة، ورفضوا كذلك اتفاقيتى حقوق المرأة، وحقوق الطفولة، وخرجت واشنطن من اتفاقية المحافظة على البيئة، وانسحبت من مؤتمر ديربان في جنوب إفريقيا لمناهضة العنصرية، ومن معاهدة إنشاء المحكمة الجنائية الدولية. وإذا كان القانون الاميركي على المستوى الوطنى متقدماً عن غيره فيما يتصل بحماية حقوق الإنسان، ونموذجيا في اتفاق نصوصه مع القيم الإنسانية العليا في المجتمعات الديمقراطية، إلا أنه لا يعترف بالمرة بسمو القانون الدولى على القانون الأميركي، بل لا يعترف بوجوب تطبيق نصوصه على المواطنين الأميركيين فيما وراء البحار إلى حد يجعلنا نتصور أن الولايات المتحدة - كإسرائيل- دولة فوق القانون الدولى، وهي تطالب دائماً بامتيازات فوق نصوصه، وبتجاوزات حتى عن ميثاق الأمم المتحدة، وقضايا التدخل الإنسانى المزعوم في شئون الدول الأخرى التي تصل إلى حد الجهر بسياسة استخدام كل الوسائل، بما فيها العسكرية، لإسقاط نظم حاكمة كالغزو العسكري المرجح ضد العراق. وقد خضع مجلس الأمن الدولى لمشيئة واشنطن التى اشترطت - للموافقة على طلب السكرتير العام للأمم المتحدة مد فترة عمل قوات حفظ السلام في البوسنة - منح أفراد القوات الأميركية في البلقان حصانة من المثول أمام المحكمة الجنائية الدولية لمدة عام كامل قابل للتجديد. وفي الوقت ذاته فوض الرئيس جورج بوش الابن في 13 نوفمبر 2001 حكومته حق محاكمة المواطنين الأجانب المتورطين في رعاية أو تمويل أو تنفيذ الأنشطة الإرهابية أمام محاكم عسكرية خاصة تشكل لهذا الغرض، وتتخذ أحكامها - شاملة الإعدام- بأغلبية الثلثين بما يحقق سرعة إجراءات المحاكمة وإصدار الأحكام والحفاظ على سرية أنشطة مكافحة التجسس والنشاط الهدام، ولا تخضع هذه الأحكام للاستئناف أو النقض فهي باتة ونهائية.!! وينتظر البؤساء من سجناء قاعدة جوانتانامو الأميركية في كوبا، وهم زهاء ستمئة سجين حتى الآن، مصيرهم التعس في يوم قريب أمام محاكم بوش العسكرية!! ولم تعد إدارة بوش تهتم بصورة الولايات المتحدة كدولة تستوعب الهجرات المنتقاة أو اللاجئين إليها لأسباب سياسية أو إنسانية، وقررت طرد المقيمين المشكوك في تورطهم في أنشطة سياسية مناهضة أو ذوي الميول المتطرفة، واتباع أساليب متطورة للفرز الأمني لطالبي الهجرة واللجوء في منافذ الدخول إلى الولايات المتحدة، ومع ذلك يتوقع مركز دراسات الهجرة الأميركي أن يصل إلى الولايات المتحدة أكثر من مليوني مهاجر جديد من دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بحلول عام 2010، وبخاصة من دول المغرب العربي والخليج وتركيا وإسرائيل. ومن جهة أخرى تلجأ الدبلوماسية والإعلام الموجه الأميركي إلى استخدام قضية حقوق الإنسان للضغط السياسي على بعض الدول المحورية في العالم الثالث التي لا تستجيب للتوجهات الاستراتيجية الأميركية في مناطق المصالح الحيوية للولايات المتحدة، كمصر مثلا التي تتعرض لحملة غادرة للتشهير بالقضاء المصري بسبب قضية باحث مغرض مزدوج الجنسية (مصري وأميركي ) شوه سمعة وطنه الأصلي وانحرف بتلقي أموال أجنبية بطرق غير مشروعة، بل وكان يمكن أن يحاكم بتهمة التخابر مع الدولة الصهيونية. والسبب الواضح لتلك الحملة التي وصل مداها إلى حد التهديد بقطع المساعدات الإضافية الأميركية عن مصر هو مواقف القاهرة الوطنية والقومية من مشاكل فلسطين والعراق والسودان، ويصل النفاق بالإدارة الأميركية إلى حد تجاهل انتهاكات حقوق الإنسان الفلسطيني تحت نير أسوأ استعمار عنصري وصهيوني عرفه التاريخ الحديث والمعاصر بالبشرية، وفي ظل تواطؤ اميركي ظاهر وعلني يتيح لإسرائيل تحقيق مطامعها في تهويد الجزء الأكبر من أراضي فلسطين التاريخية والهيمنة على كونفيدرالية ثلاثية تضم إسرائيل والأردن ودولة فلسطينية صغيرة وتابعة ومنزوعة السلاح!! ولا يتحرك ضمير الإدارة الأميركية بالمرة لاعتقال تسعة آلاف فلسطيني في أقل من خمسة شهور منذ بدء عملية الجدار الواقي في نهاية مارس الماضي، وترويع أهاليهم وحصارهم وتجويعهم مما ينذر بكارثة إنسانية قريبة في الضفة الغربية لنهر الأردن وقطاع غزة. الأمن والحريات المدنية منذ وقعت تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر لم تعد الحقوق القانونية والإنسانية متساوية بين المواطنين الأميركيين، المقيمين والوافدين إلى أراضي الولايات المتحدة، وبخاصة أولئك القادمين من العالمين العربي والإسلامي، الأمر الذي يتعارض كلية مع أحكام المحكمة العليا في الولايات المتحدة التي تنص على أن الجميع سواء أمام القوانين الأميركية، لكن الكل يخضع اليوم لإجراءات استثنائية مقيدة للحريات نتيجة الهوس الأمني المصاحب لحملة بوش الممتدة ضد الإرهاب ولحماية المصالح الأميركية، الأمنية والحيوية، في مناطق الثروة والنفوذ في العالم الثالث، وعانى المقيمون من غير المواطنين من التوسع في الاعتقال لمجرد الاشتباه، والتنصت على اتصالاتهم الخطية، وتفتيش بريدهم، والتجاوزات الخطيرة في أساليب استجواب الآلاف من القادمين من دول الشرق الأوسط، وحرمان من يعتقل منهم من الاتصال الآمن بالمحامين، وترويعهم بإبطاء محاكمتهم المنتظرة أمام المحاكم العسكرية بأحكامها القاسية التي لا تعرف النقض ولا تقبل التماسات ولا ترضى بالترحيل إلى دولة المنشأ. وفي نوفمبر 2001 أعلن أشكروفت وزير العدل الأميركي بيانات 548 معتقلا من بين ألف ومئة معتقل آنذاك، وكان منهم 208 باكستانيين، و74 مصريا، وأخفى أشكروفت أسماء الباقين بدعوى إرباك الجماعات الإرهابية ولدواع أمنية وإن أشار إلى انتمائهم إلى دول آسيوية وإفريقية بصفة أساسية ثم إلى بعض الدول الأوروبية. أما المواطنون الأميركيون فهم يخضعون اليوم للرقابة التليفونية والبريدية بأسلوب انتقائي حينا، وعشوائيا في أحيان أخرى وبدون إذن قضائي، وتمتد الرقابة إلى اجتماعات الجماعات السياسية والدينية والاحتفالات الجماهيرية، ويمارسها مكتب التحقيقات الفيدرالي ةئ ووكالات أمنية أخرى، وقد تعددت صور الاختراق الأمنية حاليا لكافة الجماعات اليسارية والدينية في الولايات المتحدة. ومع ان بعض النواب والمفكرين الأميركيين يعتبرون أن الحريات المدنية والخصوصية الإنسانية تنتهك حاليا باسم دواعي الأمن، وأن بعض عملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي يرتكبون تجاوزات متنوعة في الاعتقالات والحجز التحفظي واستخدام أساليب غير مشروعة في استجواب المشتبه فيهم، وبخاصة من الأجانب، فإن غالبية أعضاء الكونغرس والصحفيين يرون أن دستور الولايات المتحدة يضع الأمن القومي للبلاد في وقت الحرب فوق كل اعتبار وقبل أية أسبقية أخرى لالتزامات الدولة ومواطنيها، وهم يعتقدون أن الولايات المتحدة تواجه حاليا حرب الإرهاب الضروس والطويلة، ولا ينبغي فرض القيود على حركة وإجراءات الأجهزة الأمنية حتى لا يتكرر إخفاقها في توقي أحداث خطيرة كتفجيرات 11 سبتمبر. ومجمل القول أن غالبية الرأي العام الأميركي تقبل اليوم تنازلات غير مسبوقة في مجال الحريات المدنية من جانب الأجهزة الأمنية بسبب خشية التعرض لحوادث إرهابية جديدة، وبخاصة في ظل مشاعر الكراهية للسياسة الأميركية في أغلب دول العالم الثالث التي لا تعالج إدارة بوش أسبابها بالموضوعية المطلوبة في ظل إحساس غامر بسطوة القوة والانفراد بالقدرة على العمل العسكري والتهديد به دون رادع من القوى الكبرى الأخرى في عالمنا المعاصر في أغلب مسارح الحرب فيما خلا الشرق الأقصى حيث تتجنب واشنطن الصدام مع الصين، ولكن هذا الموقف الداخلي في الولايات المتحدة سيتغير بالقطع إذا طالت حملة بوش الحربية واتسع نطاقها، وبدأت الخسائر السياسية والاقتصادية تنزل بالولايات المتحدة، وهو الاحتمال الأكثر ترجيحا بعد سبتمبر القادم!! ـ مستشار المركز القومى لدراسات الشرق الأوسط