الملف السياسي: ظلت الولايات المتحدة الأميركية في نظر الكثيرين، ولعقود طويلة من الزمن، موطناً للحريات العامة وواحة للديمقراطية تجتذب الكثير من مواطني العالم الثالث، الذين لا تزال الحرية والديمقراطية بالنسبة اليهم حلماً بعيد المنال، وقد لا يستطيعون احياناً حتى مجرد ان يحلموا. وكانت اميركا طوال العقود الماضية، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وخاصة اثناء ما سمي «الحرب الباردة»، تعتبر نفسها «زعيمة العالم الحر» في مواجهة النظم الشمولية في المعسكر الشرقي (الاشتراكي) بقيادة «امبراطورية الشر» السوفييتية كما اطلق عليها الرئيس الاميركي الاسبق رونالد ريغن. وبالتأكيد، لم تكن هذه الادعاءات الاميركية تنطلي على الكثيرين، او تحجب عنهم حجم الممارسات والعمليات السرية التي كانت اميركا تقوم بها في الخارج، من قلب لانظمة الحكم او اغتيال لزعماء منتخبين او زعزعة متعمدة للأمن والاستقرار في الكثير من بلدان العالم، خاصة في الدول النامية، هذا فضلاً عن الاميركيين من اصل افريقي وغيرهم من الأقليات الاخرى في الولايات المتحدة. لكن الى جانب كل ذلك، كان هناك اعتراف بأن الاسلوب الديمقراطي هو الغالب على نظام الحكم وتداول السلطة في اميركا، وان المواطن الاميركي بشكل عام يحظى بقدر كبير من الحرية الفردية والمشاركة السياسية، سواء على مستوى الولايات او على المستوى الاتحادي. غير انه منذ بدأ اليمين المتطرف يزداد قوة ونفوذاً في المجتمع الاميركي عامة، وفي دوائر الحكم وصنع القرار بصفة خاصة، بدأت الحريات العامة تتناقص، واخذ دور الاجهزة الامنية يتنامى شيئاً فشيئاً في حياة الاميركيين عامة، وبالنسبة لذوي الاصول غير الاوروبية بشكل خاص. وجاءت احداث الحادي عشر من سبتمبر الماضي لتشكل فرصة غير مسبوقة بالنسبة الى صقور اليمين الاميركي ليحكموا سيطرتهم اكثر ويبدأوا فعلياً في تطبيق الافكار والممارسة الاكثر عنصرية ودكتاتورية في التاريخ الاميركي كله، وباتفاق شبه كامل بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، رغم بعض الاصوات التي ما زالت تعارض او تتحفظ داخل الكونغرس، ورغم الادانات والانتقادات الواسعة من المنظمات والهيئات المعنية بالدفاع عن حقوق الانسان، داخل الولايات المتحدة نفسها وعلى المستوى الدولي بشكل عام. ولا شك ان احداث 11 سبتمبر تشكل منعطفاً تاريخياً بكل المقاييس، بغض النظر عن الفاعل الحقيقي الذي لا يزال مجهولاً رغم الاتهامات الكثيرة لهذا الطرف او ذاك، وستكون تداعيات تلك الاحداث ذات اثر بالغ على العالم اجمع وعلى مستقبل العلاقات الدولية لأمد غير قصير، وهو ما بدأ يظهر فعلاً وفي اكثر من موقع. غير ان حجم ما حدث في سبتمبر وكونه الهجوم الاول من نوعه على الولايات المتحدة في عقر دارها، واستهدف بعض اهم رموزها السيادية والاقتصادية، كل ذلك ما كان له ان يدفع بهذه السرعة الكبيرة والاندفاع غير المتوازن في اتجاه تضييق حريات المواطنين الاميركيين، وملاحقة المهاجرين من مختلف الاعراق، لولا ان هناك ارضية فكرية وسياسية مهيأة لمثل هذا «الانقلاب» من الديمقراطية شبه المطلقة الى دكتاتورية شاملة. ثم ان خطورة هذا التحول الكبير، لا تقف عند حدود الداخل الاميركي، بل تضع العالم كله تحت وصاية دكتاتورية، دون اي رادع قانوني او اخلاقي او اعتبار لمقتضيات السيادة وخيارات الشعوب المعنية. لذلك فإن العالم كله، بدوله وهيئاته ومنظماته المختلفة، مطالب بالعمل لحماية نفسه من بطش هذه الدكتاتورية الدولية المنفلتة، وفي الوقت ذاته لحماية اميركا نفسها من نفسها. ولن يكون ذلك من خلال المواجهة العسكرية، بالضرورة، وانما بعدم تمكين الادارة الاميركية الحالية من تنفيذ مخططاتها وسياساتها بالتعاون مع الدول الاخرى، وكذلك دعم الاصوات والقوى الاميركية التي تعارض التوجهات اليمينية وسياسات بوش وادارته، داخلياً او خارجياً. ليس هناك خيار آخر.. إنها مسألة حياة أو موت!!