اذن عنوان المرحلة العربية المقبلة حرب خليج ثالثة.. غير انها تختلف عن الثانية في جملة عوامل اهمها ان لا احد بمقدوره التنبؤ بنطاقها ولا نتائجها وان كانت كافة المؤشرات ترجح شرق اوسط من الفوضى. وما يزيد الفوضى المتوقعة خطورة هو وجود ارييل شارون على رأس الحكم في اسرائيل وهو المشهور بخداعه حتى لاقرب حلفائه، حتى انه بات يمسك بشكل غير مباشر بمستقبل المنطقة عبر مفاجآت في جعبته السوداء. تحالف دولي الى جانب العراق لا أميركا وما ميز التحليلات السياسية على اختلاف مشاربها، هي تلك الحيرة من اصرار ادارة جورج بوش الاميركية على شن حربها الجديدة ضد العراق. فعلى خلاف الحرب الناجمة عن الغزو العراقي للكويت، ترفع الاساطيل الاميركية شعاراً غير مقنع لتبرير هذه الحرب ويستعصي على الفهم العالمي، نظرا لانتفاء الخطر المباشر القادم من بغداد كما كان عليه الحال في العام 1990. فلا احد يحس بخطورة البرنامج النووي العراقي المفترض ولا دليل على علاقة بغداد باسامة بن لادن. وهو ما دعا لتغير جوهري في طبيعة الاصطفافات التي تسبق الحرب عادة، اذ بدا الامر وكأن تحالفا عربيا ودوليا تشكل لصالح العراق لا اميركا: جميع الدول العربية اعلنت رفضها لهذه الحرب صراحة، والمانيا، روسيا، الصين، وايران ترفض ايضا، وحتى بريطانيا المترددة تتجه لموقف مماثل. كذلك فانه خلافا لحرب الخليج الثانية فان بوش الابن يفتقد للاجماع الداخلي الاميركي الذي حظي به والده، حيث الانقسام يسود اوساط الكونغرس والرأي العام الاميركي يشترط موافقة الكونغرس لدعم هذه الحرب. مصر والسعودية في منظار الاستهداف الأميركي رغم كل ما سبق تصر ادارة بوش الابن على هذا العدوان الجديد. فان كان بوش نفسه اعلن تجاهله للموقف الدولي في خطابه الحربي الشهير امام مجلس الكونغرس بعد هجمات 11 سبتمبر، حين قال ان بلاده مستعدة لخوض «الحرب العالمية على الارهاب وحدها» ان اقتضى الامر، فان انتزاع القبول العربي لبدء الحرب على بغداد يظل مطلبا اميركيا لا يمكن القفز عنه لعوامل سياسية وجغرافية ولوجستية. وعليه فقد بدأت حملة الضغوط الاميركية على عواصم القرار العربي المؤثرة وتحديدا القاهرة والرياض. فيما يخص مصر اتخذت الحملة ذريعة حقوق الانسان وتحديدا سجن سعد الدين ابراهيم، بالتزامن مع موجة المزاعم حول سعي القاهرة لتصنيع السلاح النووي عبر استخراج اليورانيوم من سيناء بمساعدة الصين، دون الاخذ بان هناك فرقا بين استخدام اليورانيوم لانتاج الكهرباء وبين اخصابه في منشأة مستقلة لتصنيع القنبلة النووية. اما السعودية، التي وضعها صقور الادارة الاميركية في مرمى الاستهداف منذ 11 سبتمبر، فقد عمدت لجنة استشارية لوزارة الدفاع «البنتاغون» احد ابرز ابطالها هنري كيسنجر الى اعداد تقرير يطالب باعتبار السعودية عدوا للولايات المتحدة بزعم دعم الارهاب، حتى انه يكشف عن حلم متطرف بالتوصية بحجز الاموال السعودية واحتلال منابع نفطها. ولكي تتفادى واشنطن نقمة الشارع العربي وحركته التي لا يمكن التنبؤ بنطاقها، سارعت لمحاولة ترويض هذا الشارع بحقن تخديرية تتعلق بتهدئة العدوان الاسرائيلي على الفلسطينيين وتمويت المواجهات هناك، عبر خطط وهمية حول الانسحاب الصهيوني التدريجي من مناطق السلطة الفلسطينية وبدء مفاوضات تسويفية. شارون ينتظر الفوضى لاعلان مفاجآته ويندرج ذلك كله في باب المقدمات، فماذا عن النتائج المتوقعة للحرب الاميركية على العراق: أول هذه النتائج فوضى في العراق، لان بديل نظام الحكم الحالي غير متوفر اذ لا تحظى اي من فصائل المعارضة بالاجماع الداخلي. هذا الامر بالضرورة سيقود الى تقسيم العراق بين جنوب يتجه لايران لاسباب طائفية وشمال موزع بين آمال الاكراد بدولة مستقلة واطماع تركية بمنطقة كركوك الزاخرة بحقول النفط لتحل ازمتها الاقتصادية الطاحنة. وبالتالي سيدخل العراق في نزاعات داخلية لها امتدادات اقليمية تنذر بالفوضى، ما لم يكن في جعبة العم سام بديل سري من داخل النظام العراقي نفسه. هذه الفوضى حتما ستنعكس اثارا كارثية على اقتصادات المنطقة المأزومة اصلا، حيث الهروب الجماعي لرؤوس الاموال والاستثمارات، ما يعني تفاقم الصراعات الطبقية والاجتماعية التي ستنفجر اضطرابات وثورات في ظل طغيان عدم الاستقرار. لكن النتيجة الاخطر، رغم فداحة ما قيل، تبقى في جعبة ارييل شارون. فهذا السفاح اشتهر على مدى مسيرته الدموية بخداع حتى اقرب حلفائه، وما زال في البال خداعه لرئيس وزرائه آنها مناحيم بيغن ومن وراءه الاميركيين حول نطاق محدود لحربه التي شنها على لبنان وفاجأهم بوصول دباباته الى عمق بيروت. قبل نحو شهر اوردنا في هذا المكان تقريرا غربيا عن خطة مدمرة اعدها شارون يسارع وفقها الى استغلال بدء الضربات الاميركية للعراق بشن حرب طاحنة ضد الفلسطينيين تتضمن مجازر مروعة تنتهي بتهجيرهم جميعا الى الاردن لاقامة وطن بديل لهم هناك. نسف أميركي صهيوني للشرق الأوسط غير ان الامر من ذلك كله، يكمن في السؤال المحير حول اصرار بوش على هذه الحرب. ما يوجد بين السطور، يشير الى مخطط اميركي اسود، ابطاله كالعادة: اللوبي الصهيوني واليمين المسيحي المتطرف، ويتركز في اعادة رسم خريطة الشرق الاوسط جيوسياسيا. ركائز هذا المخطط: السيطرة المطلقة على منابع النفط، خلق بؤر نزاع جديدة تكفل بقاء عجلة صنع وتصدير الاسلحة الاميركية، تغيير الانظمة العربية كلها واستبدالها باخرى ليبرالية تعلن القطيعة مع الاتجاهات الاسلامية وتتقن فن تنفيس الاحتقانات الجماهيرية لتلافي ظهور حركات جديدة على غرار «القاعدة». والاهم، بالطبع سحق اية قوة نووية في الشرق الاوسط، تطمح لمناطحة اسرائيل في هذا المجال. وهنا على الجميع عدم اغفال الاحتمال الكبير بأن تفاجيء الجيوش الاميركية ايران بضربة ساحقة للقضاء تماما على آمالها النووية. اذن ما العمل؟ يبدو ان الاوان آن لان يرفع الشرق الاوسط كله شعار التحدي حفاظاً على مستقبل أبنائه. خالد أبوكريم