أعرب العديد من المختصين والخبراء عن خشيتهم من تكرار، تجربة الجفاف التي مرت على الاردن في العام 1998 ـ 1999 تلك التي ينظر اليها هؤلاء على انها كانت السنة الأقسى في مراحل الجفاف التي عصفت بالمملكة الاردنية الهاشمية في العام حيث بلغ الهطول المطري 2973 مليون متر مكعب. ويرى هؤلاء الخبراء بأن احتمال تكرار مثل هذه الحال كل عامين مرة على الأقل امر وارد، مشيرين الى ان نسبة عدم تكرارها لا تتجاوز 2% وهي نسبة ضعيفة. ويعتبر هذا الاحتمال من حيث نتائجه على الاردن كارثية، خصوصا المملكة التي تغطي المناطق الصحراوية 92% من مساحتها ضمن الدول العشر الاشد افتقارا للماء في العالم. وكان مسلسل الجفاف في الاردن قد ادى الى تقليص الرقعة الزراعية بسبب نقص المياه الجوفية وجفاف بعض الينابيع مما أدى الى تملح التربة وبالتالي فقدان بعض النباتات ذات الجذور السطحية اضافة الى تملح المياه الجوفية، ولم يفطن الكثير من المزارعين الى هذه المأساة الا مؤخراً وبعد ادارة الحكومة نفسها لهذا الامر حيث يعد الضخ الجائر احد اهم التحديات التي تواجه قطاع المياه والذي يلجأ اليه بعض المزارعين. اذا كان الاردن قد عالج عطشه عام 2000 و2001 عبر الانقاذ السوري له من خلال ضخ المياه الى الاردن لمساعدته على تجاوز النقص الذي يعاني منه، وذلك بموجب اتفاق تم توقيعه بين البلدين في 1999 تنص على تزويد سوريا الاردن مليوني متر مكعب من المياه خلال شهرين بمعدل 33 الف متر مكعب يوميا، الا ان هذا الحل لن يكون حلا استراتيجياً طويل الامد وكان على راسم ومخطط السياسة المائية في الاردن فعل شيء ما للحد من عطشه وعجز الماء لديه والذي وصل في مرات عدة الى عجز بنسبة 50% في الموارد المائية. ولا يعاني الاردن منفردا من ازمة مياه خانقة وان كان الاشد تأثرا بها فقد حذر فريق دولي متخصص بالمياه من استنزاف موارد المياه في الشرق الاوسط، ودعا الى سباق مع الزمن بهدف الحفاظ على هذه الموارد الاخذة بالنضوب. كما اشار مؤتمر علمي شارك فيه عدد من المؤسسات الدولية ان موارد المياه العذبة في الشرق الاوسط بالكاد تكفي في الوقت الحاضر للحفاظ على مستوى معيشة طيبة. وقد وصلت جدية تعامل الفريق مع هذا الموضوع ان انبثقت لجنة علماء متطوعين ضمت اردنيين وفلسطينيين وصهاينة، اضافة الى الولايات المتحدة وكندا لتضع تقريرا عن حصيلة عملها خلال فترة السنوات السابقة، وذلك في محاولة لتقييم خيارات التنمية المستدامة لموارد المياه ومدى الحاجة الى ادارة رشيدة لهذه الموارد بين الاطراف المعنية دون الخوض في تفاصيل البرامج والسياسات التفصيلية لكل دولة على حدة وتقييم المعلومات التي تتعلق بمصادر المياه تقييما علميا لتخدم اصحاب القرار في الدول المعنية. وتعتبر مصادر مياه الشرب في المنطقة بأسرها شحيحة وغير كافية للوصول الى نوعية ملائمة حسب المواصفات. وبحسب ذات الدراسة فان هناك 12 مليون نسمة يعيشون في كل من الاردن والاراضي الفلسطينية ودولة الاحتلال وان معدل النمو السكاني في المنطقة يصل الى 3% كل عام وان المنطقة عموما تعتبر من المناطق الجافة حيث يقل معدل الامطار السنوي فيها عن 250ملم في السنة وهي سمة للمناطق الصحراوية. والمشكلة في ازمة المياه ليس فقط في شح الموارد وانما ايضا في ان نوعية مصادر المياه اخذت بالتدهور نتيجة التطور العمراني والزراعي، علما بان هناك بعض المسطحات المائية قد جرى تجفيفها كما وان بعض الانهار والبحيرات والطبقات المائية الجوفية تعرضت للتلوث جراء الاستعمالات البشرية من المخصبات والسماد. دراسات علمية تواصلا مع هذه الغاية وبالتزامن مع التطبيقات على الارض كان لابد من اجراء العديد من الدراسات الاحصائية من قبل المختصين وهذا ما تم فعلا حيث اجريت مؤخراً العديد من الدراسات للامطار للمواسم المطرية في المملكة منذ بداية التسجيل للامطار في السنة المائية 1937 ـ 1938 وحتى السنة المائية الحالية 2001 ـ 2002 وهي احدى الوسائل المستخدمة للتنبؤ الشهري او السنوي بهطول الامطار علاوة على استخدام المعدل المتحرك للتنبؤ بفترات سنوات الجفاف والسنوات الممطرة والتي تبين ان السنوات الجافة تتعدى العشر سنوات مائية. ويهدف اجراء مثل هذه الدراسات ـ كما يقول القائمون عليها ـ الى الحفاظ على المياه لاستمرار ديمومتها للأجيال القادمة، بالاضافة الى الوقوف على الجفاف في الاردن وسبل معالجتها. وكانت دراسة، اعدها المهندس معتصم حدادين المسئول الفني للبرامج الهندسية في مشروع الكفاءة المائية والتوعية التابع لوزارة المياه والري تحت عنوان «تقييم الجفاف وادارته لبعض الاحواض المائية»، استخدمت منظومة المعلومات الجغرافية «جي أي اس» لعرض وضع الجفاف خلال فترات زمنية مختلفة من عام 1995 ولغاية 2001. واعتمدت الدراسة ثلاثة أحواض مائية «الأزرق ونهر الزرقاء في الشرق وكفرنجة في الشمال» وذلك لأسباب منها ان هذه الاحواض تعد مصدرا رئيسيا للمياه السطحية والجوفية وانها اكبر المساقط المائية في المملكة، كما انها مناطق زراعية وتتوفر المعلومات اللازمة حولها. وبحسب صاحب الدراسة فانه يمكن اعتبار جميع المؤشرات المذكورة والتي تم فحصها على الاحواض المائية المختارة قابلة للتطبيق في الاردن وانه يمكننا التنبؤ بالجفاف ومراقبته باستخدام كل من مؤشر الهطول المعياري ومعدل الهطول وذلك لقدرة حساب احتمالية حدوث الجفاف في شهر معين. وخلصت الدراسة الى احتمالية حدوث الجفاف في شهر اكتوبر في حوض الازرق تصل الى 66% بينما احتمالية حدوثه في كل من حوضي الزرقاء وكفرنجة يصل الى 54% وتنخفض احتمالية حدوث الجفاف الى ان تصل الى 34% في شهر يناير في حوض الازرق و24% في حوض نهر الزرقاء و21% في حوض كفرنجة. وتعود احتمالية حدوث الجفاف بتزايد سريع لتسجل 83% في شهر مايو في حوض الازرق و77% في حوضي نهر الزرقاء وكفرنجة. وتوصل صاحب الدراسة الى ان جميع الأحواض المائية تعاني من احتمالية حدوث جفاف متوسط في اي شهر من اشهر السنة وان استخدام مؤشر الهطول المعياري قسم طريقة الجفاف الى قسمين رئيسيين طويل الامد وقصير الامد وانه باستخدام نتائج تحليل هذا المؤشر فان الجفاف طويل الامد يؤثر بشكل قوي على مصادر المياه حيث تقدر هذه الفترة بسنتين على الأقل لان الجفاف الشديد يظهر في الاحواض المائية في الاردن بعد مدة سنتين او اكثر قد تصل الى اربع سنوات. وأوضحت الدراسة ان ملاحظة الفترات الزمنية القصيرة مهمة للزراعة الموسمية لما لها من ارتباط مباشر مع رطوبة التربة وان دمج المعلومات الناتجة من مؤشر الهطول المعياري مع معلومات اخرى مثل رطوبة التربة والمعلومات المناخية ومعلومات عن استخدام الارض ونوعية التربة سيتمخض عنها خطط فعالة لرفع دخل قطاع الزراعة. وكانت الوزارة واستعدادا لمواجهة سنوات الجفاف اعتمدت خطة متكاملة تشمل الاستمرار في برامجها التوعوية والاعلامية المختلفة ومتابعة تطبيق قوانين وأنظمة ضبط مخالفات المياه مثل الاعتداء على الشبكات او الاستخدام غير المشروع او الحفر المخالف للآبار، فيما من المنتظر ان يتم اتخاذ الاجراءات المناسبة بحق المخالفين وكذلك ضبط كميات المياه المستخرجة من الاحواض الجوفية وتنفيذ مشروعات تحلية المياه المسوس وتشجيع المواطنين على الحصاد المائي والاستمرار في تقنين وتنظيم الزراعات الصيفية وتشجيع المزارعين على استخدام المياه المعالجة وانتقاء زراعات ملائمة للمناطق. وتشمل الخطة ايضا استمرار الوزارة في تنفيذ العديد من السدود والبرك الكبيرة والمتوسطة للحد من الضخ الجائر على المياه الجوفية. ومن ابرز المستويات التي توليها «المياه والري» الاردنية اهتماما اضافيا هي «الزراعة»، وتوجيه المزارعين لاستخدام الطرق الحديثة في الري وتوجيههم لزراعة محاصيل اقتصادية لا تستهلك كميات كبيرة من المياه تعود بالفائدة عليهم وعلى الدخل القومي للمملكة واستخدام الطرق الحديثة في الري والحصاد المائي واختيار زراعات تلائم المناطق المنوي زراعتها خاصة في اوقات الجفاف من خلال النشرات والمطبوعات والنداءات والمرشدين، ما يعني تأثر العديد من المنتجات الزراعية في الاردن بالجفاف. مصدر توتر الاجابة عن هذا السؤال متباينة ففي الوقت الذي يؤكد في علماء غربيين وعرب ان المنطقة مرشحة مستقبلا لاندلاع حرب بسبب ازمة المياه يستبعد اخرون ذلك ومنهم الدكتور منذر حدادين وزير المياه والري الاسبق الذي يؤكد بان ازمة المياه اساسها ديمغرافي سكاني وليست مشكلة مصادر مياه. وقال في ندوة تلفزيونية ان مصادر المياه التي نعرفها في المنطقة هي ذاتها تتأرجح حول معدلات ثابتة، مؤكدا ان زيادة اعداد السكان والاعتماد على نفس المصادر والتقدم التكنولوجي وارتفاع مستويات المعيشة تتطلب مزيدا من المياه. وفي المقابل اكد على ان ازمة المياه في المنطقة لا تسبب حروبا، لافتا الى ان في العالم ازمات مياه كثيرة مثل الازمة بين الهند وباكستان ومناطق جنوب غرب الولايات المتحدة الاميركية مع المكسيك والصين مع منشوريا الا ان ذلك لا يعني ان تندلع حربا من اجل المياه فهناك دائما حلول بالامكان اخراجها، مشددا على ان الشرق الاوسط لن يكون مسرحا للحروب بسبب المياه وان المياه في المنطقة لا تزداد بسبب الحروب الا من خلال اكتساب مياه لطرف اخر وهذا المكتسب قليل العمر لانه لابد في نهاية المطاف من ان يعيش الناس بسلام. ويشير في ذلك الصدد الى ان الازمات المائية موجودة ولكن التعقيدات السياسية والخلافات بين الدول ساهمت في الاحتكاك الساخن وربما استعملت المياه تبريراً لصدامات عسكرية. الا ان حدادين عاد واشار ايضا ان الازمة المائية هي ازمة اقتصادية واجتماعية وبيئية وما يتصل بالصحة العامة ورخاء المجتمع ورفاهه مؤكدا ان النظرة المائية غير كافية وغير مكتملة فالزراعة على سبيل المثال ليست فقط لثمن المنتج الزراعي وانما هي وسيلة لتوزيع الدخل القومي او القيمة المضافة من استعمال المياه وهي ايضا وسيلة للتوزيع السكاني المتزايد في اي بلد. وفيما شدد على ان ازمة المياه في الاردن موجودة وهي ناتجة عن خلل معادلة المياه والسكان. وحصل الوزير الاسبق على النمو السكاني في المنطقة وقال ان سكان هذه المنطقة اليوم حوالي ثلاثة اضعاف ما هو ممكن والسبب ديمغرافي، لافتا الى ان المهاجرين اليهود من اوروبا وغيرها الى فلسطين زادوا من تفاقم مشكلة المياه في المنطقة ذلك ان الضغط السكاني هو الذي ادى الى نشوب تلك الازمة وهي اصلا تعبير عن خلل كبير في معادلة الموارد والسكان.