في إطار تنشيط الاحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني لمواجهة مهام الفترة الانتقالية المقترحة في اتفاقية ماشاكوس عقد المنتدى المدني القومي، ندوة موسعة ابتدرها د. عطا البطحاني استاذ العلوم السياسية بجامعة الخرطوم بورقة حول تقييم الفترات الانتقالية في السودان ومهامها ومآلاتها. شارك بالنقاش ممثلون عن الاحزاب السياسية واساتذة جامعات ونقابيون ونشطاء وصحفيون. أكدت الندوة على اختلاف مناخات الفترة الانتقالية المرتقبة قياساً الى سابقاتها مع تشابه القضايا التي بدأت منذ الفترة الانتقالية اثناء الحكم الذاتي وقبيل الاستقلال 53 ـ 1956م والتي ظللتها ذات القضايا الراهنة وهي مهام البناء الوطني مشكلة جنوب السودان والتنمية الاقتصادية. واوضح د. البطحاني في ورقته طبيعة المتغيرات الحالية ودرجة التداخل الدولي وتبني مفهوم الانتقال باعتباره سيرورة وعملية متصلة لتحقيق اهداف وحدة الوطن والدولة المدنية العصرية والتنمية الاقتصادية مشيرا الى ما احدثه نظام الانقاذ الحالي من اضعاف لرصيد القوى الوطنية الموكل اليها انجاز هذه المهام بما يجعل من العسير التفاؤل بعبور المرحلة الانتقالية الحالية والمقبلة بسلام، ولكنه استدرك بان المجتمع السوداني بتاريخه وتباينه وموارده وديناميكيته له من القدرات ما يدفع بالتفاؤل ذلك ان مرحلة الانتقال لم تحسم بعد، وهي معركة مفتوحة تستوجب نبذ القوى السياسية لمصالحها الضيقة وتحالف القوى الوطنية في الشمال والجنوب ذات المصلحة في وحدة السودان، والتعامل السليم مع المتغيرات الاقليمية والدولية بشكل يرجح كفة الميزان لصالح وحدة الوطن ودولة المواطن والتنمية الاقتصادية واصفاً ذلك بانه يقترب من معادلة «تشاؤم الفكر» و«تفاؤل الارادة» مقروءاً مع المعطيات الحاضرة. واستعرضت ورقة الندوة الرئيسية الفترات الانتقالية في تاريخ السودان والتي بدأت الفترة الانتقالية الاولى «1953م» حيث انتقلت السلطة من الاستعمار الثنائي الى حكومة وطنية اعلنت استقلال البلاد عام 1956م، والفترة الانتقالية الثانية عام 1964م حيث تمكن تحالف نقابي سياسي عريض عبر عصيان مدني من اسقاط النظام العسكري الاول «نظام الجنرال عبود» واقامة نظام برلماني ما لبث اعواما قليلة حتى تمت ازاحته بواسطة النظام العسكري الثاني «نظام مايو» الذي حكم البلاد لمدة ستة عشر عاما، وجاء الانتقال الثالث عام 1985 ليعيد التحالف السياسي النقابي العريض تجربة سابقة ويتمكن عبر انتفاضة شعبية وسند من الحركة الشعبية من اسقاط نظام نميري، ولم تكمل الحكومة البرلمانية المنتخبة دورتها حتى اجهز عليها انقلاب عسكري جديد عام «1989» وجد سنداً سياسياً ولوجستياً من الجبهة الاسلامية القومية التي حكمت تحت نظام الانقاذ من «1989م» حتى تاريخه «2002م» ثم الان هناك فترة الانتقال الرابعة وهي ما يواجه الساحة السودانية حالياً. وترى الورقة ان الطبيعة البنيوية للازمة السياسية في السودان وتأرجح ميزان القوى المصاحب لفترات الانتقال ساهمت مع عوامل اخرى في فشل فترات الانتقال وعجز حكوماتها عن تحقيق المهام المطروحة والمنوط بأنظمة الانتقال تحقيقها فتؤجل المهام لفترات مقبلة، وتزداد مهمة الانتقال صعوبة بقيام الانظمة العسكرية بتصفية القوى الوطنية والديمقراطية في كل مرة تعتلي فيها كراسي السلطة حيث يبزّ كل نظام عسكري في هذا المجال من سبقوه فتتعاظم المهام وتقصر القامة السياسية عن بلوغها. وتتأثر معطيات الساحة السودانية ومجرياتها سلباً وايجاباً بما يجري خارجها في المحيط الاقليمي والدولي، كما ترى الورقة، ولابد ان يكون لفشل نظام الانقاذ الحالي في تحقيق وحدة الوطن نتائجه وانعكاساته اقليمياً ودولياً.. وكأن السودان يتراجع للخلف فقد قفزت مهام مرحلة الانتقال الاولى عام 1953م لتتصدر مهام الانتقال الحالي «تقرير المصير وان يكون السودان او لا يكون» ويصبح السؤال هو الانتقال الى أين؟ وتأتي الورقة الى افتراض سيناريوهات الانتقال التي تمتد من هزيمة النظام عسكرياً وانهياره من الداخل.. الى تحالف سياسي ونقابي ومجتمع مدني عريض يقود انتفاضة شعبية لتغيير النظام الى «تسوية تاريخية» سلمية شاملة بين جميع اطراف الصراع... الى حركة اصلاح يقودها النظام من داخله تقود في النهاية الى تغييره.. او الى نجاح النظام في تخفيف قبضته الشمولية وتوسيع قاعدته ليأخذ نمط انظمة شمال افريقيا «الحزب الواحد الكبير مع احزاب صغيرة والتحالف مع الغرب مع درجة من التحديث الاقتصادي». ويوضح مقدم الورقة انه لا يكاد يرى معطيات كافية لازالة النظام عسكرياً عن طريق التجمع الوطني او الحركة الشعبية كما يرى عدم توافر شروط الانتفاضة الشعبية لضمور هامش الحركة مع عدم استبعادها كلية. ويقول اننا وصلنا في عام 2002 الى وضع قريب حتى عام 53 ولكن بمقدرات اقل وتشرذم اكبر وغياب جبهة متحدة كما كان الامر قبيل الاستقلال مع وجود تدخل دولي اكبر وأقوى لا يماثل الحال الذي كانت بريطانيا قبيل استقلال السودان فقد كانت على حالة من الضعف والانسحاب في وقت كانت فيه مراكز القوى السياسية السودانية شابة وقوية ولكن تبدّل الوضع الان مع وجود قوى امبريالية صريحة وقوية ونافذة وبذلك يرى ان الصفقة او الناتج من فترة الانتقال الحالية لن يكون افضل من عام 1953...! والتسوية الوطنية الشاملة يحكمها ميزان القوى بين الطرفين المتحاربين مع وجود قوى اخرى كما حدث في جنوب افريقيا. ويرى د. البطحاني ان هناك فرصة رغم كل ذلك لاحداث انتقال ناجح بإرادة السودانيين اذا تم تحريك هذه الارادة باتجاه اهتمامات المواطن السوداني العادي واقامة الوحدة عن طريق دولة المواطنة. وتحدث المشاركون عن مشاكل الفترات الانتقالية السابقة وعن ضرورة توسيع وتحديد مكونات المجتمع المدني من واقع الحياة السودانية وفصائلها، كما اشار بعض المتحدثين الى فقدان الثقة القائمة بين الاحزاب السياسية والنقابات علاوة على انتماء بعض النقابات للاحزاب السياسية او للسلطة كما ناقشوا طبيعة الانقلابات العسكرية ودور القوى السياسية فيها او في مواجهتها وكذلك دور القوى الحديثة والاختلاف حول تعريفها. واكد كثير من المتحدثين على ان الفترات الانتقالية لا يمكن وصفها بأنها فترات تحول سياسي حقيقي حيث ان فترات الانتقال السودانية السابقة جميعها فشلت في انجاز مهام التغيير وأصبحت مرحلة للتنازلات المتبادلة والتوفيق والتلفيق مع ابقائها لذات النظم والبنى السياسية السابقة عليها وذات التشريعات والقوانين بل وذات الشخصيات السياسية وهذا ما حدث في فترة اكتوبر الانتقالية عام 1964 وكذلك فترة ابريل الانتقالية عام 1985م ولم تحقق اي من الفترتين الانتقاليتين شعاراتهما المطروحة وعادت الاوضاع السياسية الى ما كانت عليه قبل الانتقال. ولاحظ بعض المشاركين ان الفترات الانتقالية يغيب عنها البرنامج الواضح كما انها تأتي الى السلطة بشخصيات لا لون لها ولا وزن ولا طعم بادعاء انها محايدة ويتفق عليها الجميع. ومع هذا فان الفترة الانتقالية المقترحة الان وفق ترتيبات اطار ماشاكوس هي فترة انتقالية غير نابعة من صميم الارادة السودانية او الاختيار السياسي المحلي حي انها تجيء وفق ترتيبات يتعاظم فيها الدور الدولي الخارجي، وعلى هذا الأساس فقد يتم توجيهها لخدمة هذا الثقل الخارجي او الاطراف المتفاوضة فقط ويبقى على الحركة السياسية والمدنية في السودان ان ترمي بثقلها حتى تؤثر في مجريات هذه الفترة لصالح اجندة الوحدة العادلة ودولة المواطنة واحترام التعددية وانجاز التنمية ورفع ظلامات القطاعات المهمشة واطلاق الحريات الاساسية واحترام حقوق الانسان.