لا تسعفني الذاكرة الحاضرة لدي في استجلاب الحقيقة المتعلقة بموعد الانتخابات العامة في الاردن سوى حصولها في الخريف، خاصة خلال شهري اكتوبر او نوفمبر. ولكن الملك عبدالله الثاني، قرر ان تكون الانتخابات التشريعية المقبلة في فصل الربيع المقبل، اي بين 213 ـ 206. واذا سألت الناس ان تراهن على وقت، فسترى ان معظمهم سوف يقول لك في شهر ابريل. والواقع لو ان الملك اتخذ قراراً محدداً بموعد الانتخابات، لبدت معظم مبررات التأخير غير مقنعة. ولذلك فهو آثر ان يختار فترة طويلة الى حد المرونة، وقصيرة لتكون ملزمة بذلك الموعد. والسبب يعود الى ان الملك، دون ان يقول ذلك تماماً في خطابه الذي ألقاه عبر وسائل الاعلام الاردنية خلال الاسبوع الماضي، قد ربط اجراء الانتخابات بالأحداث والتطورات خارج الاردن وداخله. وقد سبق ان قال ذلك في خطاب سابق له عندما اجل الانتخابات الاردنية بعد حل مجلس النواب الاردني قبل عامين تقريباً. وقد استبق عدد من الكتاب الاردنيين والمعلقين خطاب الملك الاخير بالتأكيد على ضرورة اجراء الانتخابات التشريعية، وعودة الحياة البرلمانية لانها مهما قيل فيها فهي تتفوق على حالة التناحر السياسي على كامل مساحة الاردن في الوقت الحاضر. وقد كان هؤلاء الكتاب والمعلقون يأملون ان يأخذ العاهل الاردني قراره لصالح اجراء الانتخابات خلال العام الحالي. ولكنه وبعد تقليب الامور وفحصها وتمحيصها قرر تأجيلها عددا من الاشهر في العام المقبل. ويثور السؤال: ولماذا التأجيل عدداً من الاشهر؟ وما الذي يمكن ان يحصل خلال هذه الفترة؟ وللاجابة عن هذا السؤال، فان الحقيقة الاولى التي يجب ان ندركها هو ان الملك عبدالله الثاني يشارك في صنع الاحداث الاقليمية ويعلم بها. وبعبارة مختصرة تقتضيها ضرورات الكتابة: انه شخص مطلع. ومن هذه الحقيقة يثور السؤال: وما هي الحقائق التي يعرفها الملك عبدالله الثاني وتؤثر على قراره؟ والحقيقة الثانية: ان اطلاع الملك ليس محصوراً فيما يجري واسبابه ودوافعه بل فيما سيجري في الايام المقبلة. والحقيقة الثالثة هو ان اطلاع الملك يجعله على دراسة بتأثير ما سيجري على السياسة الاردنية الداخلية. والحقيقة الرابعة: هو ان الملك يسعى في ضوء ما هو مطلع عليه عن صور ديناميكية الى تحقيق اهداف معينة لصالح الاردن والمنطقة. او الى تجنب نتائج سلبية وبعبارة اخرى فهو يسعى الى تعظيم الفوائد على أحسن حال او تصغير الضرر الذي قد يحصل عنها. وفي ضوء هذه المصفوفة، فان المؤثرات الاساسية القوية على قرار الملك بتأخير موعد الانتخابات هي: الاوضاع الاقتصادية داخل الاردن. وطالما بقيت البطالة والفقر وعدم الاطمئنان الاقتصادي مستمرة، فان مؤشر الانتخابات سوف يميل الى التطرف اكثر. وهذا حصل في انتخابات عام 1989 وبشكل اقل في انتخابات عام 1993. تطور الاوضاع على الساحة الفلسطينية. وطالما بقيت الانتفاضة قائمة. والقتل الاسرائيلي مستمراً للناس والشجر والحجر، فان اي كلام معتدل سوف يلقى اعراضاً من الناخبين، وسيفوز بالانتخابات الجهات المطالبة بالحل القتالي وقد لاحظنا ان العاهل الاردني رمى المطالبين بالغاء معاهدة السلام الاردنية الاسرائيلية بالمزايدة والمغالاة. احتمال تطور الاحداث في الجبهة العراقية الى حرب. وحسب المحللين في الغرب، فان غزو العراق لم يعد مسألة مبدأ، بل مسألة توقيت. وقد بذل الملك جهداً كبيراً لمنع حدوث هذا، ولكن اذا قرر الاميركان ذلك، فان عقد الانتخابات في الخريف المقبل قد يتزامن مع الضربة العسكرية. واذا حدث مثل هذا الامر، فان نتائج الانتخابات ستسير لصالح التطرف السياسي بموجب مقاييس الاعتدال في السياسة الاردنية التي يقودها الملك عبدالله الثاني. ولذلك فاننا يمكن ان نستنتج ان الملك يراهن على الامور التالية: اولاً: ان الوضع الاقتصادي في الاردن، والذي بدأ يعطي نتائج اجمالية يقبل بها صندوق النقد الدولي ويشهد لها بالتحسن، فانها سوف تبدأ في الانتشار والوصول الى جمهرة الناس الذين لم تصلهم بعد اثار ذلك التحسن. وثانياً: ان الملك ربما يرى ان ضربة العراق سوف تحصل خلال الاشهر المقبلة «حد أقصى 3 ـ 4 أشهر»، وتكون نتائجها قد ظهرت للعيان وثم حصرها دون التأثير على اقتصاد الاردن وحدوده ونفطه والديموغرافية فيه او ان الملك ربما يدري ان ضربة للعراق لن تحصل. وثالثاً: ان الانتخابات الاسرائيلية ربما تكون حصلت في شهر «1» واتت بحكومة قابلة للتفاوض على أسس قراري «242» و«338»، او ان حلا واضحا في فلسطين بدا تطبيقه بالفعل، وهذا ما اشارت اليه تصريحات وزير خارجية الاردن من ان الرئيس بوش اطلع الملك عبدالله الثاني في زيارته الاخيرة على خطه من ثلاث سنوات لاقامة الدولة الفلسطينية. واذا تمت هذه التطورات، او معظمها، فان الساحة الاردنية ستعود اقرب الى طبيعتها المعتدلة، وسوف تفرز برلماناً معتدلاً قادراً على العمل مع السلطتين التنفيذية والقضائية لخدمة الاردن والمنطقة. اما اذا لم تتبلور الامور بشكل واضح حتى الربيع المقبل، فانني اعتقد جازماً ان الملك سيقوم بتأخير موعد الانتخابات ثانية.