لم تعد جودة الحياة في تعريف المنظمات الدولية: غذاء وشرابا ومسكنا ومرافق صحية.. بل انها اصبحت تتضمن قضية الحرية والديمقراطية، ومن ثم بات وجود الأحزاب واجراء انتخابات حرة وتداول السلطة وحرية الصحافة والمؤشرات التي تحدد أي قدر من التنمية البشرية تحدث في هذا البلد أو ذاك. ورغم ان تقارير التنمية البشرية التي يعدها البرنامج الانمائي للأمم المتحدة تضع الدول العربية في ذيل قائمة من يحترمون الحريات ويقيمون حياة ديمقراطية.. رغم ذلك فإن هناك تجارب كثيرة للتعددية الحزبية في الوطن العربي. في مصر، بدأت التعددية.. بعد انقطاع ربع قرن في منتصف السبعينيات حيث قرر السادات انهاء تجربة الاتحاد الاشتراكي وتشكيل ثلاثة منابر، ومن بعدها ثلاثة أحزاب: حزب للوسط يرأسه شخصيا، وحزبان لليمين واليسار، ولم يكن تفسيره ان الناس احرار يشكلون احزابهم لكن التفسير كان ينصرف الى ان الحياة السياسية لاتعرف غير يمين ووسط ويسار.. ومن ثم، فلتكن الأحزاب على هذا النحو. ومضت السنوات حتى اصبح عدد الأحزاب في مصر ستة عشر حزبا، ظهر معظمها بموجب أحكام قضائية بعد ان رفضت اللجنة الحكومية اعتمادها، ومارست جميعها العمل في المقرات ومن خلال الصحف دون ان يكون لها حق التخاطب مع الجماهير بحركة داخل الشارع. ولكن، وفي الفترة الاخيرة بدأ الانتباه لاهمية الحياة الحزبية، وأعلن الحزب الوطني الحاكم والذي يرأسه الرئيس مبارك هذه المرة عن تجديد في قياداته وأساليب عمله ليكون أكثر جماهيرية. مؤتمرات الحزب الحاكم استعدادا لانتخابات داخلية في صفوفه تجري على قدم وساق، لكن السؤال الذي تطرحه الدوائر السياسية: هل من عمل حزبي حقيقي؟.. وهل يمكن تجديد الحزب الحاكم دون أن تتحرك الحياة الحزبية بشكل عام، وأن يتاح لها مايتاح له من فرص؟ والأصل في الأحزاب انها تجمعات شعبية تستقطب شرائح من الرأي العام وتأخذها معها الى صنديق الانتخاب، فإذا حصل احداها على أغلبية برلمانية جاز له تشكيل الوزارة.. والتي هي «حكومة الحزب وان كانت مهمتها قومية». هكذا كانت التجربة البريطانية والفرنسية والايطالية والأميركية لم يتصد رئيس دولة لانشاء حزب يملك ويحكم لكن العكس هو الصحيح فالحزب يكون سندا للرئيس. في التجربة المصرية، والتي قد تكون أفضل نسبيا من تجارب عربية أخرى بطش فيها الحزب الحاكم بالآخرين.. في هذه التجربة كان القرار من أعلى. السادات ينشئ حزب مصر. السادات يلغي حزب مصر وينشئ الحزب الوطني «تيمنا بحزب مصطفى كامل الذي نادى بالاستقلال». والرئيس مبارك يستمر في رئاسة الحزب رغم مطالبات سياسية كثيرة بالفصل بين رئاسة الدولة والأحزاب لتجري المنافسة على قدم المساواة. وفي الواقع العملي، فقد تحول الحزب الوطني ليكون «حزب الرئيس». يضم من يدخلون الوزارة ومن يعتلون المناصب العامة، كما يضم الطبقة الجديدة من رجال الاعمال.. وقد كان من الطبيعي ان ينال دائما «حزب الحكومة» أصواتا أكثر فلديه ميزانية الدولة وقضاء المصالح.. وعلى عكس أحزاب المعارضة التي لا تحمل غير برامج وشعارات ولا تستطيع أن تدافع عن أصواتها في صناديق الانتخاب.. وكان من الطبيعي ايضا أن يحدث في حالات عديدة زواج صريح بين الثروة والسلطة، بل يحدث نوع من الفساد نتيجة للنفوذ السياسي والمالي مثلما هو الحال في القضية الشهيرة التي عرفت باسم «نواب القروض» والتي ضمت وزيرا وقطبا سابقا في الحزب الوطني كما ضمت عددا من أعضاء مجلس الشعب. وكان طبيعيا كذلك ان يقاوم الذين التفوا حول الحزب واستهدفوا نفوذه.. كان طبيعيا ان يقاوموا فكرة الفصل بين رئاسة الدولة ورئاسة الحزب. الفرق كبير اذن بين حزب تؤلفه الجماهير ويصل الى الحكم.. وبين حزب ينشئة الحكم وتنضم له شرائح من الجماهير.. لكن هذا هو الحال في مصر، وربما في بلاد اخرى مثل سوريا، وبما يطرح السؤال: هل يجدي تجديد شباب الحزب؟ والأكيد ان العمل مع الجماهير، وبصرف النظر عن الاقتراب من السلطة يكون له عائده. كذلك فإن النشاط الخدمي في بلد يفتقر للكثير من الخدمات يمكن ان يجذب عضوية وأنصارا. لكن الأكيد كذلك ان هناك محددين لوجود حياه حقيقية في الحزب الحاكم، وغيره من الأحزاب. المحدد الأول، أن يكون الحزب ديموقراطي في داخله، وأن يكون حرا في اتخاذ مواقفه السياسية والاجتماعية بحيث يصبح هو البوصلة التي تهتدي بها الحكومة وليس العكس. أي أن المطلوب حزب للعمل السياسي، وليس للتصفيق والتهليل. المحدد الثاني، أن يدخل الحزب الحاكم في منافسة حقيقية مع الأحزاب الاخرى.. ليس ببرنامج صحي لتغذية خلايا الحزب الحاكم فقط.. وانما بإتاحة الفرصة للآخرين لكي يمارسوا العمل الحزبي الصحيح. وشرط نجاح التجربة: السماح بتداول في السلطة وقبول مبدأ النزول عن عرش الحكم اذا قررت الجماهير ذلك. انها قضية نزاهة الانتخابات، وحيدة الحكومة، وازالة الاحكام العرفية، واستكمال رحلة حرية الصحافة. و.. دون ذلك سوف يظل حزب الرئيس هو حزب الرئيس، وليس حزب الشعب، وسوف يكون هناك دائما حزب واحد يحكم، وأحزاب تراقب.