عادت قضية سعد الدين إبراهيم تطل برأسها من جديد بعد الموقف الذي اتخذته الإدارة الأميركية مؤخرًا بربط الموافقة على المعونة المالية الاضافية لمصر والتي تبلغ حوالي 150 مليون دولار بصدور قرار من الرئيس مبارك يقضي بالافراج عن د.سعد الدين ابراهيم. صحيح أن الموقف الأميركي لم يكن مفاجئا لمصر، إلا أن القاهرة لم تتوقع أن يصل الأمر إلى حد ربط مسار العلاقات بين البلدين بقضية تخص مواطنا مصريا ارتكب جريمة يعاقب عليها القانون في الأرض المصرية. لقد سبق هذا الموقف الأميركي حملة إدانات واسعة من الإعلام وصناع القرار في الولايات المتحدة استهدفت الإساءة للقضاء المصري وتوجيه الاتهامات الباطلة إليه من نوعية خروجه على المباديء والقانون والتصرف بإيعاز من الرئيس حسني مبارك في أحكامه. ووصل الأمر بالكاتب اليهودي توماس فريدمان إلى مطالبة الرئيس ور بوش بأن يتحرك سريعا لتحرير سعد الدين ابراهيم قبل تحرير العراق، باعتبار أن سعد ابراهيم أحد أكبر دعاة الديمقراطية وحقوق الإنسان. وبعيدا عن صفاقات توماس فريدمان التي تضمنها مقاله الشهير فإن واشنطن راحت تتخذ من قضية سعد ابراهيم حجة للضغط على مصر ومحاولة إثنائها عن مواقفها الرافضة للسياسة الأميركية في المنطقة. فالقاهرة كما هي الرياض والعديد من البلدان العربية الأخرى ترفض توجيه ضربة عسكرية جديدة للعراق وتحذر واشنطن من مغبتها وهذا أمر اعتبرته واشنطن يمثل خروجا على عصا الطاعة الأميركية، والقاهرة ترفض المشروع الأميركي بتنحية الرئيس عرفات وإبعاده عن موقع صنع القرار في السلطة الفلسطينية وقد سبق وأن جاهرت ـ ولاتزال ـ بموقفها الذي اغضب بوش وشارون، ودفع بهما إلى اتهام مصر بأنها لا تساعد على تحقيق الاصلاحات المستهدفة داخل السلطة. والقاهرة غاضبة على حكومة البشير في السودان لأنهاوقعت اتفاقا قد يفضي إلى انفصال الجنوب في غيبتها ودون ان تطرح الأمر عليها بالرغم أن ذلك يشكل خطراً على أمنها وهذا الموقف لايعجب واشنطن التي رعت الاتفاق وتسعى الى تنفيذه بعد انتهاء مدة الست سنوات. ولاشك ان هذه المواقف وغيرها كانت هي السبب الحقيقي وراء موقف واشنطن التصاعدي ضد مصر فالسياسة المصرية لاتزال مصرة على حماية مصالحها الوطنية والقومية والرئيس مبارك يرفض ان يكون تابعاً لأحد ولذلك راحت واشنطن تنقب في ملفاتها. والأمر المؤكد ان قضية سعد الدين ابراهيم لن تكون العنوان الوحيد للتدخل في الشئون الداخلية المصرية بل ستتلوه عناوين اخرى اشد اثارة وفجاجة مما سيدفع الى مزيد من التأزم في العلاقات ويدفع بالامور إلى مراحل خطرة. وتحاول واشنطن استخدام المعونة الأميركية كوسيلة للضغط على مصر بالرغم ان هذه المعونة تقدم بشروط مجحفة المستفيد الاساسي منها هو الولايات المتحدة. ولو كانت واشنطن جادة حقا في مد يد العون لمصر لاختلفت الرؤية من أساسها.. فبالرغم من ان الولايات المتحدة تعد بمثابة الشريك التجاري الثاني لمصر بعد الاتحاد الاوروبي الا ان مصر لاتزال تمثل المركز السادس عشر في قائمة الدول المصدرة للولايات المتحدة. والاستثمارات الاميركية في مصر لاتزيد حتى الآن على 3 مليارات دولار منها 1.5 مليار استثمارات في قطاع البترول. واذا كانت مصر حصلت على 52 مليار دولار معونات منذ عام 1975 من الولايات المتحدة فأميركا حققت في المقابل 40 مليار دولار فائضا تراكمياً نتيجة فتح الاسواق المصرية امام منتجاتها بشكل كبير. لكل ذلك نقول ان لغة واشنطن التصاعدية ضد مصر سوف تستمر وتأخذ اشكالا متعددة لن تقتصر على المعونات وحدها وهو ما بشرتنا به الصحافة الاميركية مؤخراً. لكل ذلك نقول لماذا لانجرب وسيلة اخرى للتعامل مع واشنطن.. لماذا لانستنهض الجماهير لترى اميركا العين الحمراء فتراجع الموقف وتبحث عن مصالحها بلغة مختلفة.