الاتفاقية التي تم التوقيع عليها في ماشاكوس تباينت حولها الآراء في الداخل تحدثت السلطة عن انتصاراتها وعن تثبيت مشروعها الحضاري، ماتم في نظرها تسوية بين طرفين تنهي الحرب وتحقق لهما شراكة في الحكم بينها والحركة الشعبية دون تغيير يذكر في الشمال. الخط الاستراتيجي للانقاذ ممارسة الحكم في دائرة مغلقة تحدد مواصفات من يشارك فيها، تحدث قادتها عن التعددية وهي مقيدة ومحكومة من اعلى بآليات الدولة وبتحديد المساحة المسموح للاطراف المشاركة بالتحرك فيها علما بان هذه الاطراف اختارتها السلطة لا الشعب وحددت لهم ادواراً عليهم ان يحفظوها جيدا الخروج من النص والاجتهاد دون الرجوع لها قد يترتب عليه ما لا يحمد عقباه. مفهوم التعددية لدى النظام الحاكم يعنى المشاركة والذوبان في النظام مع السماح للمعارضين بالتعبير عن ارائهم «قبول الرأي الاخر» دون ان تتاح لهم فرصة للمشاركة في السلطة مشاركة حقيقية وفعالة لسبب بسيط هو ان التداول السلمي للسلطة غير وارد في ادبيات الانقاذ. التطور الذي حدث في سياساتها هو مجرد حلقة مكملة لما سبقها ومرتبطة به وان تغير الاسلوب فهو في النهاية لا يسمح لحزب اخر ان ينافسها ليحل محلها لهذا اختلفت عن الاخرين في تفسيرها وفي استعداداتها لمرحلة ما بعد ماشاكوس الاولى الاتفاقية في نظرها لا تشكل مدخلا لحل قومي لكل مشاكل البلاد بمشاركة واسعة وبرنامج متفق عليه يمكن ان يحقق تطلعات الشعب السوداني. الاتفاقية فرصة لاعادة ترتيب اوضاعها في الداخل وترميم علاقاتها الخارجية مع بعض التنازلات الشكلية للحركة الشعبية التي راهنت على الانفراد بها وعزلها عن حلفائها في التجمع الوطني الديمقراطي هذا الموقف طبيعي لنظام جاء للحكم بالبندقية، احتكر السلطة وسعى لاستئصال الاخر. الانفتاح النسبي الذي حدث في السنوات الاخيرة فرض عليها داخليا بصمود الشعب السوداني وخارجيا بالتحولات التي حدثت بعد تفكك الاتحاد السوفييتي وانفراد الولايات المتحدة بقيادة العالم والضغوط التي تعرض لها النظام من الولايات المتحدة بعد احداث 11 سبتمبر ومن دول ومنظمات طوعية حركت الرأي العام العالمي ضده. الطرف الاخر «الحركة الشعبية» في مفاوضات ماشاكوس لها رؤية مختلفة وتفسير اخر لما تم الاتفاق علية، الاتفاق في نظرها مدخل لمرحلة جديدة بدأت ثنائية بين طرفين كخطوة اولى تتبعها خطوات يتم فيها توسيع قاعدة المشاركة، تحدثت الحركة الشعبية بصراحة عن الاتفاق واعترفت بنقاط الضعف فيه وعن اهمية مشاركة التجمع الوطني الديمقراطي وحزب الامة والمؤتمر الشعبي ومنظمات المجتمع المدني وعن تكوين حكومة ذات قاعدة عريضة تتولى ادارة البلاد في الفترة الانتقالية وتنفيذ برنامج متفق عليه اهم ما فيه مشاركة الجميع في اعداده والتزامهم بمساندته بما يزيد من عوامل الجذب نحو الداخل وفرص وقوف الجميع مع الوحدة الطوعية. ردود الفعل على الاتفاق من القوى السياسية السودانية مع تباينها كانت متقاربة، في الداخل رحب حزب الامة بالاتفاق وكثف عمليات الحوار مع كل القوى السياسية بهدف الوصول الى اجماع قومي يعطى الحل المطروح بعدا قوميا ومع دول الجوار لضمان وقوفها جميعا مع ما يجمع عليه اهل السودان خاصة الدول التي تم ابعادها عمدا «مصر وليبيا». في اسمرا رحب التجمع الوطني الديمقراطي بالاتفاقية كخطوة في طريق طويل وشاق هناك استحالة للسير فيه دون مشاركة كل القوى السياسية في المفاوضات والحكومة القومية مشاركة اصلية وفاعلة تحقق السلام والتحول الديمقراطي. اصرار كل فصائل التجمع الوطني الديمقراطي على نجاح اجتماع هيئة القيادة وعلى تاكيد حقها في المشاركة في المفاوضات التي سوف يترتب عليه مستقبل السودان. مشاركة الدكتور جون قرنق ومساندة اريتريا لهذا الموقف والتفاهم الذي تم بين حزب الامة والتجمع الوطني الديمقراطي خلق واقعاً جديداً في الساحة السياسية سوف يفرض نفسه على الاطراف المشاركة في ماشاكوس الثانية فالقضية اكبر واخطر من ان تختزل في طرفين. نعم للسلام اولوية ولكن السلام لن يكتب له الاستقرار والاستدامة الا في مناخ ديمقراطي. عندما نتحدث عن الديمقراطية نعنى الحرية بكل ابعادها، الديمقراطية ليست مجرد هياكل وقوانين الديمقراطية نظام حياة ومشاركة واسعة لكل الناس وان اختلفت درجاتها لهذا تخوف الناس عن عزلة النخبة السياسية وعن صفوية الممارسة وفوقيتها فالشعب كمدلول سياسي لا يضم الا طائفة من الناس تستأثر بالاشتراك والمساهمة في السلطة، هذه الطائفة هي التي يتكون منها الشعب كمدلول سياسي اما مدلول الشعب كمفهوم اجتماعي فهو اوسع مدى من المدلول السياسي لانه ينظم في عقده كل الشرائح الاجتماعية لذلك هناك تيار يدعو الى المشاركة الواسعة في مجتمع مفتوح ديمقراطي والى تقارب المدلولين «السياسي والاجتماعي» بمعنى ان تتاح الفرص لكل القوى السياسية والاجتماعية للتنافس الشريف من اجل الوصول الى السلطة. تيار اخر مختلف هو الذي يدعو لاحتكار جماعة للسلطة والى تغيب القاعدة العريضة من المواطنين فيه تزداد المسافة بين المدلولين السياسي والاجتماعي لهذا السبب يجب ان يدرك الجميع ان الحديث عن السلام بمعزل عن التحول الديمقراطي سوف يقود في النهاية الى تكريس النظام الشمولي وان تم تحسين صورة النظام الخارجية وان يدركوا ايضا ان التحول من نظام شمولي الى اخر اكثر انفتاحاً تصاحبه دائما تحديات وصراعات قد تمكن طرف ما من عرقلة عملية التحول خدمة لمصالحها وحفاظاً على مواقعها. الانتقال من الواحدية السياسية الى مربع جديد يختلف فيه مكان الانسان ودوره عملية كبيرة ومعقدة تحتاج الى العمل المنظم والتسامح الفكري والايمان بالديمقراطية كنظام لادارة الاختلاف والى قراءة الواقع قراءة جديدة وفاحصة نعم الديمقراطية جاذبة وتكسب كل يوم اراضي جديدة ولكن هناك عقبات منها غياب الفعل السياسي المنظم ووجود اعداد كبيرة من المثقفين خارج القنوات المعروفة للعمل السياسي «الاحزاب السياسية». نحن لا نطالبهم بالانضمام الى ماهو قائم ان كان لهم تحفظ عليه، فقط نطالب بقيام احزاب جديدة فاعلة تستطيع ان تنافس وتصل للحكم عبر صناديق الانتخابات بهذا المفهوم يمكن ان تتغير موازين القوى داخل المجتمع ففي غياب وتغيب الجماهير غير المنظمة اصبحت الغلبة في التنافس السياسي للدولة فهي الاقوى والاقدر على استخدام وسائل الترغيب والترهيب وما اعلنه النور جادين الذي ادعى في يوم ما تمثيله لاكبر حزب سياسي في السودان «حزب الامة» حل حزب الامة المسجل وانضمامه للمؤتمر الوطني فيه ما يؤكد هذا المعنى. مالم يفصح عنه جادين في مؤتمره، هل يعني انضمامه كشخص ضم كل حزب الامة للمؤتمر الوطني الذي تحدث عن اتفاقه معه في القضايا الاساسية والثوابت الوطنية؟ جادين الذي شن هجوما على حزب الامة معترفا بوجود حزب امة اخر غير حزبه دعا كل احزاب التوالى بما فيها مجموعة مبارك للانضمام للحزب الحاكم. النور جادين الذي تحدث بهذه اللغة ليس جديدا على الحزب الحاكم حزب الدولة المندمج في مؤسساتها والمعتمد في كل صغيرة وكبيرة على آلياتها وميزانيتها، رئيس حزب الامة المسجل يشغل وظيفة دستورية لم تعلن الاسباب التي نال بموجبها هذه الوظيفة قبل انضمامه لحزب السلطة ولا احد يدري هل هي نصيب الحزب المسجل لمشاركته في السلطة؟ وهل يعني منحه وظيفة واحدة في الاقاليم هي كل ما يستحق الحزب ام انها منحت تكريما لشخص رئيس الحزب الذي اشاد بموافقة البروفسير ابراهيم احمد عمر ووصفة بالآتي: اننا لمسنا فيه روح الجدية والقومية بما قام به من عمل وقال ان صفوف المؤتمر الوطني سوف تزداد قوة بانضمام جادين لها!! الدولة في المجتمعات المتقدمة في حالة تآكل مستمر وهي تابعة للمجتمع وخاضعة لارادته، في مجتمعاتنا المتخلفة هي اى الدولة الاقوى مقارنة بالاطراف الاخرى وهي التي تفرض وصايتها على المجتمع والتحكم فيه ربما لهذا السبب ارتبطت بالصراع على السلطة، لذلك يقال السياسة هي الدولة ولا شيء غيرها وفي السودان وصل النظام الحاكم الى السلطة بالقوة ويسعى للاستمرار فيها بوسائل مختلفة حسب المتغيرات المهم ان يستمر كنظام وان تغيرت ملامحه وتخلى عن ثوابته ورفقاء الامس فهو رافض اي حديث عن الاصلاح السياسي والتعددية والانتقال الى مربع جديد. تجاوز هذه المرحلة الحرجة يتطلب من كل فرد ان يعيد النظر في مواقفه والمساهمة بقدر ما يستطيع في انجاح مشروع الحل السياسي الشامل بجناحيه السلام العادل والتحول الديمقراطي. الاخير في مرتبة اقل بالنسبة للوسطاء رغم اهميته وهو حق مشروع لكل مجتمعات العالم وهو ليس منحة من احد ولا استجابة لرغبة حاكم، التحول الديمقراطي يحتاج لتعبئة سياسية وحركة جماهيرية واسعة وقادرة على فرض ما تريد انتظار الاخرين لدفع عجلة التحول الديمقراطي حرث في البحر فالقوى الدولية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الديمقراطية بالنسبة لها ليست اولوية خاصة في البلاد العربية والاسباب كثيرة منها الحالة البائسة التي يمر بها العالم العربي اليوم اذ تحكمه نظم ضعيفة ومعزولة عن شعوبها مما سهل عليها فرض سياساتها الداعمة للكيان الصهيوني وتهديد كل الدول المتمردة عليها وما يتردد عن قرب ضرب العراق خير دليل. الديمقراطية والانتخابات بالنسبة للغرب عموما غير مضمونة والتخوف منها مشروع فهي في الغالب قد تأتي بنظم جديدة مقبولة شعبيا نعم ولكنها معارضة لاستراتيجية الغرب ومصالحه في المنطقة.