بيان الاربعاء: بين تردد وتأييد تتراوح المواقف الغربية فيما يتعلق بالحملة التي تشنها الولايات المتحدة الأميركية لضرب العراق ومثلها اختلفت الروايات المطروحة، حول الخطة المحتمل استخدامها لهذه الضربة، وحوصرت الولايات المتحدة وبريطانيا الداعم الأول لهذه الحرب التي توشك على الابتداء في زاوية حرجة ضلعاها القضية الفلسطينية والمبررات الضعيفة المساقة لضرب العراق. فمع اقتراب الانتخابات للكونغرس الأميركي في نوفمبر المقبل والتي تعد اساسا للانتخابات الرئاسية المقبلة تجد إدارة بوش نفسها امام مفترق صعب لا تستطيع ان تتجاوزه وتشن حربا لايوافق عليها احد ولامبرر مقنعاً لديها لإرسال ربع مليون جندي اميركي الى منطقة الشرق الأوسط ولصرف قرابة ثمانين مليار دولار قد تقضي على الميزانية الأميركية. الآلة الإعلامية الأميركية بدأت حملتها منذ اشهر باطلاق بوش لقراره بغزو العراق واسقاط الرئيس العراقي، وبدأت حرب التسريبات الإعلامية المدعومة بتصريحات للمسئولين الأميركيين لتسويغ الحرب المزمعة، ومعها بدأت حملة تهدئة للعرب وتقديم نوع من الحلول عدت تسويات مؤقتة للقضية الفلسطينية من أجل انطلاق حرب بوش ضد صدام حسين. ملامح الحرب رسمها بوش وجنرالاته وبدت ملامح حرب انتقامية اكثر منها حربا مبدئية، وجدنا المعارضة العراقية تستل بشكل سافر وواضح مع اعلان الهدف بشكل واضح دون مبررات وهو اسقاط الرئيس العراقي وهو ما يطرح تحليلات عديدة ويفرز مواقف اتسمت بالانقياد الأعمى تارة وبالموافقة المبطنة تارة اخرى واشتعلت حرب المصالح بين الحلفاء. كيف نقرأ الحرب التي تعد لها أميركا لضرب العراق والتي عدتها جزءا من حربها ضد الإرهاب المحتمل وتحت غطاء الوقاية؟ ماهي السيناريوهات التي تم تسريبها وكيف ينظر اليها من واقع القوانين التي تحكم الدول الغربية وقوانين المصالح؟ هل يمكن النظر الى هذه الحرب على انها بداية لسلسلة تصفية اميركا لأعدائها والذين اسمتهم بمحور الشر وكيف نقرأ مواقف الجوار الأجنبي للعراق؟ وأخيرا وقبل كل شيء ماهي الأسباب الحقيقية وراء الإصرار الأميركي والبريطاني على غزو العراق وإعادة احتلاله وباعلان سافر، هل يوجد في التاريخ أم يوجد في الواقع اليوم؟ مع اقتراب اكتوبر تزداد الاحتمالات باقتراب موعد الحرب التي تريد الولايات المتحدة شنها ضد العراق والتي تم التأكيد على انها حرب وليست ضربة ولهذا تراوحت الخطط بين الغرب والشرق من حرب خاطفة الى حرب طويلة الأمد، وهي حرب معلنة الهدف وبلا مراء والذي يتمثل باسقاط الرئيس العراقي صدام حسين والذي يعد العدو الأول للرئيس الأميركي جورج بوش الذي يخفي عداءه له تحت ذريعة الخوف من تطوير اسلحة للدمار الشامل يعلم الجميع ان العراق لم يعد يمتلكها او قادراً على إنتاجها. الأهداف التي ساقها المؤيدون للحرب اختلفت باختلاف المصالح، فالرئيس الأميركي جورج بوش اعلن بشكل واضح ان هدفه اسقاط النظام العراقي وفي احيان كثيرة كان يؤكد على ان هدفه هو انهاء صدام حسين، بينما ذهبت بريطانيا الى تغليف اهدافها الحقيقية بدعوى القضاء على اسلحة الدمار الشامل وضرورة القيام بفعل وقائي بدا للمحللين انه عدوان أميركي بحت. تصميم بريطانيا على البقاء متكاتفة مع أميركا اثار تساؤلات كبيرة بين شركائها الاوروبيين وبين دول العالم الأخرى والتي تضمنت آفاق اي حملة عسكرية في العراق. ففي لندن وباريس وبرلين الاسئلة الجوهرية المطروحة على واشنطن هي نفس الاسئلة: «من الذي سيضمن وحدة اراضي العراق بعد الحرب؟ وما هي الحكومة التي ستخلف نظام صدام حسين؟ هل الولايات المتحدة مستعدة لغزو العراق واحتلاله لعشر سنوات او اكثر لحماية الحكومة البديلة من اية هجمات او تخريب لتقويضها من قبل ايران وسوريا؟ ومن الذي سيدفع فاتورة الحرب»؟ وزير خارجية ألمانيا يوشكافيشر اعلن ان دولته «ستتضرر بشكل مباشر إذا أخطأ الأميركيون في حساباتهم» وشكك ان يكون صدام يمثل خطراً استراتيجياً على الأمن الغربي. ولكن في النهاية قال انه قرار الولايات المتحدة وستكون نتائجه علينا جميعا والأمر قبل كل شيء جدل دائر داخل الولايات المتحدة، وليس هنا والقرار أيضا ليس هنا في أوروبا. من الواضح ان برلين تشعر بخيبة الأمل من جراء عدم إشراك أميركا لحلفائها في الجدل الدائرة حول العراق. ومثلما قال المستشار شرويدر بعد 11 سبتمبر «تولد لدينا إحساس بأن أميركا ستتخذ سياسة متعددة الأطراف تجاه الشئون الدولية» ولكن إدارة بوش أصبحت أكثر إصرارا على التحرك في مجالات كثيرة جدا لدرجة ان الناس في أوروبا بدأوا يتساءلون عما إذا كانت لدى الإدارة أية سياسة جديدة. الجدل الدائر حول ضرب العراق يدخل في أطر كثيرة ويعلق أجوبة لاتريد أميركا وبريطانيا اخراجها من باطن التاريخ وبشكل واقعي فمن المعروف ان تغيير الخريطة السياسية العراقية الاقليمية هو احد السيناريوهات المستقبلية للمنطقة العربية في الاستراتيجية الاميركية والتي تعمل عليها الولايات المتحدة منذ عقود، ولكن قياساً على التوازنات الحالية القائمة في المنطقة والمصالح الأميركية في تلك التوازنات، فان اجراء هذا التغيير يبدو محرجاً لأميركاً في هذا الوقت بل انه ربما يؤدي إلى نتائج عكسية في ظل المعطيات القائمة وذلك لاسباب منها: ـ على اميركا ان تتحمل خسارة حصة العراق من النفط وتوفير حصة بديلة، حتى مع تخزينها للبترول وهو ما نعمل عليه منذ أشهر، وحتى مع كون هذه الحرب ستكلفها 80 مليار دولار. ـ على صندوق النقد الدولي ان يتحمل الافلاس من عوائد برنامج النفط مقابل الغذاء بتوقف الصادرات العراقية. ـ على الغرب ان يتحمل ضغوطاً واتهامات باتجاه تجويع الشعب العراقي. ـ على اميركا والغرب معا تحمل النتائج الاقتصادية المترتبة على هذه الحرب بقيمة ضعفي ما تحملته بعد حرب الخليج الثانية. اما المسوغات التي ساقتها الولايات المتحدة لضرب العراق فهي: 1 ـ امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل، واستندت إلى تقارير للمفتشين تقول: ان العراق قد يطور أسلحة الدمار الشامل ولكن العبارة الكاملة كانت مقرونة بـ «اذا تمكن من استيراد المواد اللازمة لذلك»، وبالطبع فان اميركا حذفت تلك العبارة وركزت على شطر البيت لا عجزه، وبذلك ربطت الأمر بعودة المفتشين المبررة. 2 ـ تهديد العراق للامن القومي الاميركي. 3 ـ اتهام العراق بأنها دولة راعية للإرهاب. 4 ـ اتهام العراق بأنه يبني برنامجاً للحرب الجرثومية. 5 ـ اثارة الحديث عن تهديد العراق لأمن الدول الخليجية وبالتالي ينبغي ردعه. 6 ـ وأخيراً ووفق تأكيد واضح من قبل الرئيس الأميركي بوش فان اميركا تهدف من ضرب العراق إلى الاطاحة بالرئيس العراقي وهو الهدف الذي أخذ اولوية معلنة اليوم. وفي الواقع تأخذ الهجمة الأميركية الأخيرة التي تشتد ضد العراق، شكل رغبة شخصية في تصفية حسابات سياسية قديمة وحديثة، رغم ان الهجمة الاميركية ضد العراق لم تتوقف ابداً منذ استقلال العراق، وفق الكثير من الدراسات والوثائق. والملفت للنظر ان العراق اصبح اللازمة الموسيقية التي ترافق كل الحان الحروب الأميركية منذ عام 1988 حتى اليوم، وهي بكل احوالها مرتبطة في جذورها بعنصر النفط والاحتياطي الذي تملكه منطقة الشرق الأوسط برمتها والتي هي في الخارطة الأميركية تعني الدول العربية جميعاً الافريقية منها والآسيوية. ورغم ان الولايات المتحدة قد حاولت بوسائل مختلفة وخطط متنوعة ان تصفي الحكومة العراقية وصنعت مختلف المبررات ودعمتها بأدلة كثيرة لم يعد احد يسأل ان كانت حقيقية ام لا، الا انها كما يبدو فشلت في الوصول إلى قلب بغداد التي نسفت حرب الخليج الثانية بنيتها التحتية ودمرت جسورها وقتلت شعبها دون ان تنحني نخلتها. السؤال الذي ما انفك الجميع يرددونه، من يعرف ومن لا يعرف، ومنهم الأميركيون انفسهم، الرسميون منهم والشعبيون ويتعلق بسبب كون العراق هدف اميركا، ومنذ متى؟ تنطوي على هذا السؤال جملة حقائق بعضها تاريخي وبعضها صنعته الظروف، لكن الحقائق جميعها تندرج تحت مظلة واحدة اسمها «الاستراتيجية الأميركية في السيطرة على منابع النفط» وتلك حقيقة لم يعد يستطيع انكارها احد حتى الأميركيين انفسهم. فكيف تحول الدعم الاميركي للعراق ابان حربه مع ايران إلى عداء سافر في حرب الخليج، وهل كان الدعم السابق للعراق منطلقاً من مبدأ استراتيجي في الحصول على علاقة استراتيجية فعلاً؟ العقدة العراقية للولوج إلى قلعة الحقائق التي تتعلق بالاستراتيجية الأميركية ينبغي المرور من نفق العقدة الاميركية ضد العراق، فقد سبق للاميركيين ان دعموا الترسانة العسكرية العراقية في الثمانينيات وزودوا العراق بمساعدات لوجستية في حربه ضد إيران. يرى كثير من الدارسين والباحثين السياسيين ومنهم ريتشارد بيكر المدير المساعد لمركز العمليات الدولية، ان السياسة الاميركية بمختلف منحنياتها اقتراباً وابتعاداً، عداء وصداقة، تجاه العراق تعود إلى تاريخ 1958. لقد كانت حقبة الخمسينيات حافلة بالتغييرات السياسية في الشرق الأوسط، اذ سادت موجة من التحرر العالمية غمرت مستعمرات آسيا وافريقيا واميركا اللاتينية، واعتبرت حركات التحرر هذه في واشنطن تهديداً للمصالح الاستراتيجية الاميركية وشركاتها التي بدأت تأخذ موضعا مهما بعد الحرب العالمية الثانية. الهيمنة على الشرق الأوسط كانت الموضوع الداعم لاية سياسة اميركية خارجية منذ 1945، فادارتا روزفلت وترومان مثلاً ومن ورائهما البنوك الكبيرة وشركات النفط والصناعات العسكرية والمصالح عانت جميعاً من تسرب مناطق المصالح الاستراتيجية الاميركية من قبضة الاخيرة، ومن هنا جاء التصميم على ان العاصمة الاميركية يجب ان تعيد السيطرة على عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية وسيكون مفتاحها لذلك هو السيطرة على منابع النفط. وبشكل خاص ركزت الاستراتيجية الاميركية منذ ذلك الوقت على الاستيلاء على حقول النفط في العراق وايران، وهما بلدان عدوان لبعضهما، مستقلان وصاحبا ثروة نفطية كانت الابرز آنذاك في المنطقة. كان العراق وايران جزءاً من الامبراطورية البريطانية الغاربة وكان معهما معظم الشرق الأوسط مثل مصر، السودان، فلسطين، الأردن، الكويت، واليمن، فلماذا شكل العراق منذ ذلك الوقت هدفاً رئيسياً؟ شهد مطلع الخمسينيات الثورة في مصر وسوريا ضد الاستعمار وقاد ذلك إلى قيام الجمهورية العربية المتحدة والتي نظر اليها الكثيرون ومنهم اميركا على انها خطوة باتجاه توحيد الدول العربية في دولة واحدة. ومقابل ذلك عمدت بريطانيا وحليفتها اميركا إلى توحيد الملكية العراقية والملكية الاردنية في اتحاد لم يدم طويلا سمي الاتحاد العربي اريد له مواجهة بناء الوحدة والتحرر. سعت واشنطن ايضاً إلى انشاء حلف بغداد عام 1955 الذي ضم الانظمة العميلة لها ولبريطانيا في كل من باكستان، ايران، تركيا والعراق، بالتنسيق مع بريطانيا، ذلك الحلف الذي عرف بمنظمة السنتو CENTO وكان لديها هدفان من ذلك: الأول: لمواجهة ومعارضة بروز أو ظهور العرب كوحدة ولمواجهة حركات التحرر الاخرى في الشرق الأوسط. والثاني: ليكون الحلف جزءاً من سلسلة التحالفات العسكرية التي انشأتها مثل الناتو، والسياتو، والانزوس وغيرها من الاحلاف المناهضة لمعسكر الاتحاد السوفييتي، والصين وشرق اوروبا، وشمال كوريا، وفيتنام. كان العراق مركز الحلف أو المنظمة التي دعيت بـ «السنتو»، فقد كان مستقلا بالاسم، لكنه كان مستعمراً بشكل فعلي من قبل بريطانيا تحكمه حكومة عميلة لبريطانيا التي انضمت اليها اميركا كحلف استعماري، وكان العراق غنياً جداً بالنفط ويحتوي على 10% من المخزون العالمي للنفط، فقيراً جداً يعيش شعبه في حالة مزرية، ضئيل المستوى التعليمي اذ كان الجهل يسود 80% منه، ومع حجم شعبه فقد كنت تجد 13 طبيباً للاسنان مثلاً في كل العراق، وذلك ما وثقته الحكومتان البريطانية والأميركية، وكما يقول فران هازلنون في كتابه «العراق حتى 1963»، واخيراً كان يحكم العراق وفق نفس المصدر ملكية فاسدة تحت قيادة فيصل الثاني وسيطرة الاقطاعيين والتجار وأصحاب رؤوس الأموال. فقر العراق الذي يناقض احتواءه على الثروة النفطية كان سببه ان العراق لم يكن يملك من نفطه شيئاً، فقد كانت اربع دول تسيطر على خزين النفط الهائل هي: هولندا، بريطانيا، فرنسا، الولايات المتحدة، وكانت لكل منها حصة تقدر بـ 23.75% من ثروة البلد، بينما امتلك الـ 5% الباقية الملياردير سايروس جولبنكيان الذي اشتهر بلقب «السيد 5%». وهز قيام ثورة 14 يوليو 1958 العراق، وانهزت معه اميركا وبريطانيا وتحولت إلى ثورة شعبية عريضة، وفجأة اختفت الحكومة الملكية وانفلت نظام الحكم، وصدمت واشنطن ومركزها الاقتصادي «وول ستريت» وبقيت الصحف الاميركية قرابة اسبوع لا قصة لها سوى الثورة العراقية، ونظرت واشنطن إلى الثورة كتهديد لمصالحها الحيوية. الرئيس الأميركي ديوايت ايزنهاور قال: «انها افدح الخسائر منذ الحرب الكورية»، وكرد فعل اميركي نزل 20 الف جندي اميركي في اليوم الثاني للثورة في لبنان بينما انزل 6600 جندي بريطاني في الأردن وهذا ما عرف فيما بعد بمذهب ايزنهاور الذي اكد على ان الحكومة الاميركية لن تقف مكتوفة الايدي وسوف تدخل العراق وتحارب لتجنيب انتشار الثورة في مجمل الشرق الأوسط. الصحيح ان ايزنهاور لم يستطع حينها محاربة الثورة العراقية لأسباب عديدة لخصها المحللون بثلاثة اساسية هي: الملامح الشاملة لشخصية الثورة العراقية. ـ اعلان الجمهورية العربية المتحدة والتي تجاور العراق والتي يمكن ان تقاتل قواتها إلى جانب العراق. ـ المساندة المؤكدة من الصين والاتحاد السوفييتي للثورة الفتية وقد كانت القوات السوفييتية قد بدأت التحرك جنوب الجمهوريات السوفييتية مما يحاذي العراق. في العقود الثلاثة اللاحقة طبقت الولايات المتحدة تكتيكات تراوحت بين دفاعية وهجومية للسيطرة على العراق كدولة مستقلة وفي فترات مختلفة مثل تلك التي تلت تأميم العراق لكامل بتروله عام 1972، وتوقيعه اتفاقية الدفاع مع الاتحاد السوفييتي، والتي اعطت الولايات المتحدة حينها دعمها الكامل للعناصر الكردية المتمردة والاجنحة المعارضة لثورة العراق. ولعل الصفعة الاكثر ايلاماً تلك التي وجهها صدام حسين وقد كان الشخص الثاني في حكومة العراق ابان السبعينيات عندما اقام مشروع الحكم الذاتي وقاد المصالحة مع الاكراد، وقضى على الجيوب السياسية المعارضة اليمينية واليسارية التي كانت تدعمها بريطانيا وأميركا كما يقول ريتشارد بيكر. ومع قيام ثورة ايران عام 1979 بات على الاميركيين ان يغيروا من وجهة معارضتهم للعراق، باتجاه التحالف ضد الثورة الإسلامية، ومن ذلك الدعم اللوجستي الذي قدم للعراق ابان حربه ضد إيران انهيار الاتحاد السوفييتي جاء فرصة سانحة لاميركا التي رأت في خروج العراق منتصراً عام 1988 بترسانة سلاح قوية وحقيقية مهددة لمصالحها ومصالح إسرائيل في المنطقة، وفي الواقع، وكما تذكر الوثائق الرسمية الاميركية وعلى لسان مسئولين فيها انه كان ينبغي قيام حرب في الشرق الأوسط، وينبغي ايجاد مبرر جديد لها غير الاتحاد السوفييتي الذي تفكك وقتل مبررات التطوير العسكري الاميركي وحجج الامن الأميركي، رأى الاميركيون انه العراق الذي مازال مركزاً مهماً في الشرق الأوسط. ومن هنا نجد مؤشرات كثيرة تؤكد نهوض خط مواز لعمليات اعادة تنظيم العالم في حقبة ما بعد الاتحاد السوفييتي، والخط الاخر يقصد به التهيئة لما اسمته واشنطن بـ «حروب العنف الجديدة»، وكان في قمة أهداف القائمة الأميركية لهذه الحروب العراق. الولايات المتحدة امتلكت الآن الفرصة لقلب هزيمتها اللاسعة منذ ثلاثة عقود، وانشاء او تأسيس هيمنتها الاكيدة على ما يعتبرونه المنطقة الاكثر استراتيجية لاميركا وهي الشرق الأوسط وحقوله النفطية المشتهاة، كانت هناك ظروف قادت إلى حرب الخليج عام 1991، ولكنها ظروف مصنوعة اميركيا. لقد ارادت اميركا اعادة عقارب الساعة للوراء ليس فقط في العراق ولكن أيضاً في كوبا التي تحررت بعد قيام ثورة العراق بستة أشهر في الخمسينيات، وفي كوريا، وفي دول العالم الاخرى، لقد بدت اليوم اقرب لحلمها، وفي الذكرى الحادية عشرة لحرب الخليج وأحداث 11 سبتمبر نفسها.. فكيف ينظر لصناعة الحرب الأميركية في مطلع التسعينيات وفي مطلع القرن الحادي والعشرين. بوش وموروث ريغان لفهم توجهات جورج بوش الابن رئيس الولايات المتحدة الأميركية في المرحلة الحالية لقلب نظام الحكم في العراق وقيادة حرب محمومة ضده، ينبغي قراءة موروث آل بوش منذ حقبة ريغان، ذلك الموروث الذي اقام الحرب الأولى، والذي هيأ للحرب ضد الإرهاب واليوم يهييء للحرب ضد العراق. ومبررنا في هذا السوق ان اهداف القصف الاميركي لبغداد ابعد من المنطقة العربية، اذ ان من طبيعة تكوين الحكومة الاميركية الحالية انها تمثل طبقة سياسية عسكرية قديمة تنتمي إلى تلك الفترة الزمنية القصيرة التي عرفتها السياسة الدولية كلحظة انتقالية ما بين حقبة انتهاء الحرب الباردة وبداية عصر جديد لم تستقر معالمه النهائية لتكوين «نظام دولي جديد» بمعنى الكلمة. بمعنى آخر قيام نظام تستقر دعائمه ومواصفاته لفترة زمنية معقولة ووهم استقرار هذا النظام على اساس انفراد اميركي بزعامة العالم، هو في مقدمة ما يسيطر على تلك الطبقة السياسية العسكرية المهيمنة حالياً على اركان صناعة القرار الاميركي في حكومة جورج بوش الحالية. وبوش الابن لم يكن بعيداً عن صناعة قرار الحرب عام 1990 بل كان احد الأسباب المباشرة فيها ضمن جملة أسباب كشفتها الوثائق الرسمية الاميركية التي افرج عنها بعد عشر سنوات، وبشكل ادق علاقته كانت بفضائح مالية تمس اجهزة المخابرات واباه واخاه وشركات نفطية وبنوكاً كثيرة، فضيحة اسكتتها حرب الخليج وحولتها إلى الاتجاه المعاكس. ولعل فضيحة شركة انرون و ورلدكوم وغيرها اليوم وما يقال عن ارتباطها بحملة بوش الانتخابية او بشركات بترولية كان يديرها، لها علاقة بتلك الفترة، فهل يمكن ان تكون الحرب الجديدة ضد العراق هي الحل الامثل الذي وجده الرئيس الأميركي الجديد تمثلاً بأبيه للخروج من مأزقه السياسي والاقتصادي؟ ومن مأزق آل بوش منذ عهد الاب حتى الابن نتوصل الى أن أهداف اميركا دائماً كانت احكام القبضة على منابع الطاقة، ثم الشروع في بناء نظام امني لمنطقة الشرق الأوسط تكون دعامته الرئيسية اسرائيل من خلال بناء عناصر القوة الاستراتيجية ومنها اسلحة التدمير الشامل من اجل ضمان تفوقها في مجالات الأسلحة التقليدية وجعلها القوة العسكرية الاكبر في المنطقة. ومن اجل ذلك تبنت الولايات المتحدة فكرة «ان الابنية الاقليمية ينبغي ان تكون احجار الزاوية في بناء نظامها العالمي». ويرى الدكتور قيس محمد نوري ان هذه الفلسفة كانت تتمثل في سعي الولايات المتحدة من خلال اسرائيل إلى تبني مسارين: ـ الأول: تجريد المنطقة من عناصر القوة العسكرية. ـ الثاني: اضفاء البعد النووي على الصراعات في المنطقة. ووفقاً لهذا المنطق فان المحاولات والتطبيقات الاميركية هي لبناء نظام فرعي يتولى نيابة عن الولايات المتحدة وتحت اشرافها ترسيخ النظام العالمي الجديد واحكام سيطرتها على هذا الاقليم الحيوي. لعل من اغرب التعبيرات عن الحرب التي قامت عام 1991 ضد العراق والحرب التي ينوي بوش قيادتها اليوم، تلك التي اطلقها جون ستوكويل القائد السابق للفيلق البحري الاميركي واحد مدراء المخابرات المركزية الاميركية ممن عملوا في ادارة بوش الاب، فقد وصفها بأنها: «حرب الضربة القاضية» ويشرحها بأنها: «حرب الفرقعة الاعلامية، حرب البنتاغون المنشورة، الحرب التي تعطي للنساء الحق في القتل والموت والاسر أيضاً، الحرب التي ترسخ ان صدام حسين شرير جداً وان لنا الحق فيها، وأخيراً الحرب التي سندعم فيها قواتنا العسكرية سواء كانت حربا خاطئة أم حرباً صحيحة، قراراً صائباً أم قراراً حكيماً». وثائق كثيرة اشارت إلى ان التهيئة للحرب ليست بجديدة فهي حلقة في سلسلة طويلة ليس اولها قبل حرب الخليج بعشرة أشهر على الأقل كما قال شوارتسكوف، والاساس الذي تستند إليه اميركا هو: ـ اعادة مبدأ ايزنهاور الذي لم يتمكن الاميركيون في ذلك الوقت من تحقيق السيطرة على منابع النفط والعراق. ـ انهاء العراق كقوة عسكرية عظمى في المنطقة لتقوية سيطرة اسرائيل على المنطقة وبقائها القوة الاعظم. وفي الحرب الجديدة المزمعة ينظر إلى بوش الابن بالمنظار نفسه الذي كان يقيم مسيرة ابيه، فهو متورط في فضائح شركات وول ستريت رغم محاولات طمس هذا الأمر، اضافة إلى انه لا يملك مبررات للميزانية العسكرية الضخمة التي طلبها من الكونغرس والتي يطلبها وتشكل عبئا ماليا على البلاد ومازال الكونغرس يناقش ضخامتها مع الانهيار الاقتصادي الحالي إضافة للضرائب التي زادها على الشعب، وهو لا يملك سببا لعدم اهتمامه بالداخل الاميركي وتبرير كذبه اثناء الانتخابات عدا عن حاجته لدعم جديد للانتخابات المقبلة في نوفمبر. لهيب عبدالخالق