نحن نمر بمرحلة دقيقة من تاريخ الصراع ضد الصهاينة تصدمنا بين الحين والآخر اتهامات قاتلة غير دقيقة تلحق الكثير من الأذى برجال يقفون معنا في نفس الخندق وهو الأمر الذي يشتت الانتباه عن روافد المؤامرات الإسرائيلية ولا نحصد من ورائه سوى الدمار والخراب. لكيل الاتهامات جزافا والهجوم الشرس بهدف التصفية نماذج متتالية من المؤسف أنها حدثت خلال الأيام الماضية ويجدر بنا في هذا السياق أن نذكر أولا حقائق ثابتة بمثابة قواعد من المفترض أننا نلتزم بها: أولها أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته بأدلة وقرائن قاطعة.. والبينة على من أدعى، خاصة لو كان الاتهام في أمر يتعلق بالوطنية التي لا تقل عن التكفير أو الاتهامات المتعلقة بالالتزام الديني. وثانيهما أنه من الأفضل أن نترك مئة مدان طلقاء على أن نصفي بريء واحد. فقد شهدت الساحة الصحفية تلاسناً بين أكاديمي بارز هو الدكتور جمال الرفاعي أستاذ ورئيس قسم اللغة العبرية بكلية الألسن جامعة عين شمس وبين صحفي متحمس بجريدة حزبية صديقة، ملخص الصدام يتمثل في قيام الصحفي بشن هجوم غير متوقع على الدكتور جمال اتهمه فيه صراحة بالتطبيع وعضوية جماعة كوبنهاجن للسلام، وهي التهمة التي أزعجت الدكتور كثيرا ونفاها بقوة (متصورا أن الأمر قد انتهى بهذا التوضيح، فالأمر يتعلق بعقيدة عبر عنها في كتاباته العديدة) وكان من الغريب أن الصحفي المتحمس أصر على اتهامه مستندا لفقرات مقال للدكتور نشر منذ أكثر من 6 سنوات رغم أن المقال يحتوى فقرات تؤكد على صلابة مواقف الدكتور ورغم أن مؤلفات وأبحاث الدكتور جمال كثيرة ولا يمكن من خلالها استنباط إلا مواقف قوية داعمة للمواقف الفلسطينية في مواجهة العدو الصهيوني. وهو أمر يتسق تماما مع تكوين الدكتور الأسري والده (أحمد الرفاعي قيادي يساري معروف بوطنيته ونزاهته، وكذلك شقيقه الطبيب حازم). الاتهام المتعجل بالعمالة والتخوين بناء على فقرات تحتمل أكثر من قراءة وتفسير أمر يجب أن يشطب من خطابنا في هذه المرحلة خاصة وأن العملاء الحقيقيين والخونة كثيرون، بكل أسف، وعمالتهم مكشوفة وصريحة لا لبس فيها. مطلوب توحيد الجهود ضد هؤلاء مثل ذلك الدرزي الذي قبل أن يكون مستشارا لشارون للشؤون العربية، وذلك الذي يحمل بكل أسف الجنسية المصرية وأسس جمعية للصداقة مع العدو وطلب مقابلة شارون في ذروة ارتكاب الجيش الإسرائيلي لمذابحه، وهؤلاء الذين انضموا لحزب الليكود رغم انتمائهم لفلسطينيين الـ 48. الاتهام بالعمالة اتهام بشع ومن المؤسف أن يطال أكاديمياً بارزاً ينفي اتهامه بالتطبيع أو أي صله بجماعة كوبنهاجن، وتؤكد الأوراق الرسمية ذلك، وكان من الأحرى أن نصدقه (عرض عليه بالفعل الانضمام لكوبنهاجن ورفض على الفور) لأن إنتاجه العلمي ومؤلفاته تؤكد ذلك كما انه لم يطرح أفكاراً تثير الجدل وتحتمل أكثر من تفسير سوى مرة وحيدة لم يكررها. ما يحدث حاليا في جنوب السودان يعد نموذجا ثانيا على إدماننا هواية صفع أقرب الأشخاص من حولنا بالقلم بحماس بالغ من باب الوطنية، فرغم تحفظنا على اتفاق الحكومة السودانية المفاجئ مع أكبر تيار سياسي مسلح في جنوب السودان على حق الجنوب في تقرير مصيره بعد فترة انتقالية (ست سنوات) إلا أنه كان من الغريب أن ترتفع الأصوات من هنا وهناك تتهم الجنوبيين بالعمالة لإسرائيل رغم أنه لم يثبت مثل هذا الاتهام حتى الآن مما قد يدفعنا لخسارة الاستفتاء حتى قبل أن يبدأ، وفقدان الجنوب بانغماسه بالفعل في بيت العنكبوت الصهيوني الذي تحاول تل أبيب منذ الخمسينيات أن تنسج خيوطه العفنة في القارة السمراء. وأخيرا كان مؤسفا لأقصى حد ومفيدا في الوقت نفسه لإسرائيل تهور عدد من المختلين في إحدى قرى صعيد مصر بقتل 22 شخصاً من جيرانهم وأصهارهم دفعة واحدة تحت بند الثأر. الحوادث الثلاث تشترك فيما بينها في البشاعة والتصفية غير المبررة ضد ابرياء في توقيت يجعل إسرائيل هي المستفيد الأول دون أن ندري. أحمد فؤاد