اخترقت «البيان» الاسوار التي تفصل بين الزعيم الاسلامي السوداني الدكتور حسن الترابي والعالم الخارجي واجتازت الطوق الامني المضروب حوله منذ اكثر من 18 شهراً، واجرت حواراً معه في مقر اقامته الجبرية بضاحية كافوري الفاخرة الواقعة في الضلع الشمالي للعاصمة المثلثة و«الخرطوم بحري». وفي الحوار غير المسبوق، الذي جرى عبر الهاتف من مقر «البيان» في دبي، قدم الدكتور الترابي وهو خبير دستوري مشهود له على الصعيد العالمي، قراءة معمقة لبروتوكول ماشاكوس الموقع بين الحكومة التي كان عرابها في يوم من الايام قبل ان تحبسه لاحقاً وبين «الحركة الشعبية لتحرير السودان بزعامة الدكتور العقيد جون قرنق، التي كانت السبب غير المباشر في اعتقال الترابي عندما وقع معها حزبه مذكرة تفاهم مدوية في 19 فبراير عام 2001. وفي الحوار اسهب الترابي في شرح الاختلاف بين هذه المذكرة وبروتوكول ماشاكوس، راصداً، في سياق ذلك بضعة مآخذ على البروتوكول الذي وصفه بانه «بروتوكول سلطة لا دور للشعب فيه» منتقدا اهماله للقوى السياسية وتجاهله للديمقراطية ولدول الجوار. وتساءل الترابي مستنكراً: كيف يجد الجنوب سلاما ونصيباً مستحقاً في السلطة في نظام قهر واحتكار للسلطة. وبعد ان يلاحظ ان البروتوكول «يحفظ شعار الشريعة للشمال ويرفعها عن الجنوب ويتركها مسألة مبهمة بالنسبة لحكومة السودان المركزية»، ينتقد الدكتور الترابي الجوانب المبهمة فيما يتعلق بالبنود التي تتعلق بالدستور في البروتوكول لكنه يؤكد من واقع خبرته في الفقه الدستوري ان النظم الفيدرالية يجوز فيها ان يكون للولايات دساتير تحت الدستور الوطني. وحذر من ان «قيام كيان هو اخطر شيء على الاتحاد الفيدرالي اذ يكون الصراع بين طرفين كالحرب الباردة لا بين ولايات كثيرة تكفل التوازن والتضامن في النظم الفيدرالية». ويقر الترابي بان مبدأ تقرير المصير مبدأ اسلامي مذكراً بان ذلك وارد في الدستور الحالي، متهماً الحكومة ضمناً بالتلكؤ في الامر لارضاء مصر. وحذر الترابي من ان العوامل القائمة على الارض حالياً والمنتظر قيامها طبقاً للبروتوكول قد ترجح انفصال الجنوب، بعد الفترة الانتقالية، «الا اذا قام نظام حكم وطني شعبي متكامل راشد عادل». والمح الترابي الى ان الاسلاميين والشيوعيين فقط هم الذين كافحوا ويكافحون لوحدهم فعلياً من اجل الوحدة، ويقول «اما الاحزاب التقليدية والمؤتمر الوطني الحاكم فالجنوب يمثل معها في مقاعد الحكومة فقط رسمياً وهذا لا يكفي لتمتين الوحدة». ويغمز الترابي في كل فقرات الحوار تقريباً من الحكومة الحالية ويحرص على التفريق بين ما كان من امر في اولى مراحل «الانقاذ» والمرحلة الحالية التي تلت انشقاقه، لكنه في احدى الفقرات دعا مباشرة الى «حركة تنقذ الوطن من الطاغوت المسمى انقاذاً»، ويمضي الى التأكيد على ان «الانقاذ الى زوال، وتصبح اسما مثل «مايو» تترك ذكرى اثارها الطيبة والسيئة معاً». وعبر الترابي عن ثقة مفعمة بمستقبل حزب المؤتمر الشعبي قائلاً ان قواعده وقياداته الصابره «توكلاً على الله واعتبارا بالتاريخ ترجو نهضة هائلة واندياحاً شعبياً يتفجر اما بحدوث ثورة شعبية او بتطور انهيار متدرج لنظام القهر». وفيما يلي نص الحوار: ـ ما هو تقييمكم السياسي لبروتوكول ماشاكوس الذي اتهمته قيادات «الشعبي» بالهجمة الاجنبية لاقصاء الاسلام وذلك من واقع «مذكرة تفاهمكم» مع الحركة الشعبية التي بدت اكثر مرونة وواقعية هاجمكم بسببها الموقعون الحاليون على البروتوكول؟ وهل من اوجه تشابه يعول عليها بين بروتوكول ماشاكوس ومذكرة التفاهم بين الشعبي والحركة.. واتفاقية الحكم الذاتي لعام 1972م؟ ـ اولاً: كانت مذكرة التفاهم هي الأبكر سبقاً نحو السلام مع حركة التحرير الجنوبية والنظام الحاكم اصابته حميّة طمعاً في الانتصار بالحرب لا بالسلام وغيرة من «المؤتمر الشعبي» المعارض المسابق، وادعوا انها مناورة سياسية ومؤامرة للانضمام الى العدو المحارب فحظروا المؤتمر واعتقلوا قياداته. وقد كانت هذه القيادات منذ الستينيات الى التسعينيات هي الأسبق في الوطن لأطروحات السلام والتسوية لأزمة الجنوب، والتفاهم الحاضر صبغته كلها لغة سلام حتى المعارضة للحكومة عبر عنها بالمقاومة السلمية. ثانياً: مذكرة التفاهم كانت مبادرة جهة سودانية اتصلت بحركة التحرير صلة مباشرة وطنية بغير وسيط خارجي، وقيادات «الشعبي» كانت دائماً هي التي تبادر للحوار في اوروبا وافريقيا والجنوب بمبادرات مباشرة، فالثقة هي ان اهل السودان قادرون على تسوية مشاكلهم بإخلاص وطني مثل قرار الاستقلال والتحولات الديمقراطية الثورية. اما البروتوكول فهو بعد مفاوضات تطاولت متماوته متاوته دفعها الان وتولاها الاميركان والاوروبيون، والتسوية حضروا لها مذكرات اساسية وزعت على الملأ والبروتوكول صياغة منها. ثالثاً: مذكرة التفاهم جعلت الديمقراطية هدفا شفيعاً للسلام فبغير الديمقراطية لا يتعهد بالتزامات السلام ويضمنها الشعب والقوى السياسية التي تمثله جميعاً. ومذكرة التفاهم تؤكد تذكر الحريات العامة والتداول السلمي في الحكم بين القوى السياسية والمحاسبة السياسية لضمان الديمقراطية التي هي بسط السلطة، وأزمة الجنوب هي بسط السلطة والثروة بعد القبض المركزي بالنظام العسكري، اما بروتوكول ماشاكوس فهو بروتوكول سلطة لا دور للشعب فيه ولا المؤتمر الوطني الرسمي او المجلس الوطني المحتكر له. والبروتوكول لم يعلن على الملأ السوداني بنصه الكامل والقوى السياسية مهملة. اما الديمقراطية فمنسية تماماً، وكيف يجد الجنوب سلاماً ونصيباً مستحقاً في السلطة في نظام قهر واحتكار للسلطة؟ رابعاً: مذكرة التفاهم تؤكد حق تقرير المصير، اول من وافق عليه مع الحركة سابقا كان في فرانكفورت ممثلا للانقاذ هو اليوم في «المؤتمر الشعبي». والمذكرة اوردت في شأن الحكومة محاولات التنصل المشهورة ولكنها بالبروتوكول تستسلم لتقرير المصير وتوافق. خامساً: مذكرة التفاهم تذكر العلاقات الطيبة مع دول الجوار التزاما بمباديء عدم التدخل. والبروتوكول أهمل المبادرة المصرية الليبية ودول الجوار الاخرى دخلت فيه تحت رعاية الغربيين من الأعلى. سادساً: قضية الدين والدولة مذكرة التفاهم تركتها للتفاوض وبالفعل بدأ حوار في الخارج كان يبشر بوفاق لولا حجز المؤتمر وتشريد قياداته. وجاء البروتوكول يحفظ شعار الشريعة للشمال ويرفعها عن الجنوب ويتركها مسألة مبهمة بالنسبة لحكومة السودان المركزية. سابعاً: مذكرة التفاهم استقل بها الاخوة في حركة التحرير عن التجمع، ولكنهم رجعوا اليه بما فيها ويسعون الان لتقريبه من «الشعبي». والبروتوكول كذلك اهمل التجمع واخيرا وفت الحركة لعلاقتها به فالحقت ممثلين منه وشاورته بينما حكومة السودان تحتكر الامر لها وحدها طرفاً. الدستور في البروتوكول ـ اثارت حيثيات بروتوكول ماشاكوس جدلاً عريضا و«تسويقاً» مختلفا.. من واقع خبرتكم ومعارفكم الدستورية العميقة، ما هي حقيقة عدد الدساتير المقترحة حتى الان، وما هي وضعية ومرجعية الدستور الاعلى؟ وصل هناك دستوران احدهما للجنوب وآخر للشمال؟ وهل هناك ثلاثة كيانات دستورية «اتحادية، شمال، جنوب»؟ وما هو صواب مرجعية الاحالة الى المجلس القومي ومجلس الولايات عند التحاكم الدستوري؟ ـ الكلام حول دستور وطني مذكور ومبهم والمذكرات التحضيرية تتحدث عن دستور كأنه جديد وعن دستور للجنوب. والمفاوضات الان جارية في كل المصائر السياسية الانتقالية. ويجوز في النظم الفيدرالية ان يكون للولايات دساتير تحت الدستور الوطني. والدستور الذي كان قائماً للانقاذ قد عطل في غالب جوانبه: الحريات الواسعة، قوة السلطة التشريعية، السلطة التنفيذية الجماعية، المؤسسات الدستورية المستقلة، اتفاقية الخرطوم للسلام، النصوص الضابطة للطواريء، النظام الاتحادي المتوازن... الخ، وأظنه الان وقد تركته السلطة لن يجد قبولاً من القوى الاخرى. وفي حديثنا قديما مع الجنوبيين كانوا يوافقون عليه اذا تضمن حقوقهم المقبولة تعديلاً. ومجلس الولايات من المؤسسات الدستورية المذكورة وهو تمثيل للمجالس الولائية وليس لشعب الولايات مباشرة، وهو كذلك يعطي الجنوب «10ولايات» 38.5% من القوة التمثيلية لكل السودان، ومع اي ائتلافات في الحكم تجعل للجنوب قوة في المجلس فاعلة لصالحه او في شأن العلاقات الخارجية وسائر الوظائف القومية. والولايات الشمالية طبعاً ليس لها كيان دستوري جامع لا أمس ولا غدا في البروتوكول المذكور. وان قام كيان فهو أخطر شيء على الاتحاد الفيدرالي اذ يكون الصراع بين طرفين كالحرب الباردة لا بين ولايات كثيرة تكفل التوازن والتضامن في النظم الفيدرالية. وذكرت من الدستور المقترح مباديء موجهة وحريات دينية واسعة، وللولايات الجنوبية تبديل القانون الوطني اذا قدرت انه خالف دينها او عرفها الغالب. الدين والدولة ـ ما هو الموقف الجديد الذي تم انجازه في ماشاكوس على صعيد علاقة الدين بالدولة قياساً الى دستور المواطنة الذي تم انفاذه سابقاً، وما هي نقاط الالتقاء على ضوء ذلك بين الوحدة وتقرير المصير وسريان التشريعات الدينية على مناطق غلبة الاعتقاد الجغرافية؟ ـ ان المواطنة في بلد عقد طوعي لا ضم فيها قهراً لاقلية دينية وان الحريات الدينية والحصانات والاستثناءات الدينية متوافرة. كل ذلك في الدستور القائم وفي البروتوكول وهو في أصول البناء السلطاني لدولة الاسلام منذ المدينة. وان الشريعة مصدر التشريع الان تقتصر على الولايات الشمالية. وأحكام الشريعة المقصودة هي منذ عهد نميري لم تطبق في الجنوب وهي بنصوص القانون لا تسري فيه. وكون الشريعة مصدراً للتشريع امر توجيهي وتذكيري للسياسيين قد يلتزمونه وقد يغفلون عنه او يهملونه وهم يشرعون قوة تمثيلية. والاسلام في شريعته السلطانية كلها مهمل الان في الحكم المركزي، وقد كان الدستور يعبر عن الاحكام السلطانية في ضوابط الدستور ونظمه وعلاقاتها، وكلها في الواقع معطلة تماماً. وهي دائماً تعطل عند المسلمين منذ سقوط الخلافة الراشدة. وقد تبدل نظام الانقاذ في اواخر القرن الماضي وبدأت السلطة تعطل حكم الشريعة الذي يضبطها لانها تركزت ديكتاتورية بغير حرية ولا شورى للجمهور ولا أمانة عهود. والان البروتوكول يذكر الدين موحياً بالأخلاق فقط ويسكت عنه منهجاً للقوى السياسية. وكانت قوى في التجمع في أسمرة قد اتفقت على عزل الدين من السياسة وحظر الاحزاب الدينية بقوة السلطة لانها هي احزاب تقليدية اساسها ديني ويحرجها ويأخذ منها وجود قوة اسلامية سياسية حديثة تنافس. تقرير المصير المبدأ اسلامي ومقبول في سياسة الانقاذ منذ سنوات وكان في الدستور. وبدأت الحكومة تنصرف عنه بتأويلات لتطمئن مصر ان المسألة وحدة فقط، ولكن قبلته الان حقا ثابتا بعد ست سنوات انتقالية. وسياسيا يتحدث الجميع عن الوحدة، ولكن للجنوب ارض ودستور وحكومة كاملة السلطات وجيش وعلاقات خارجية وروح مجانية بهوية ثقافية وتظلم من الشمال ومرحلة انتقالية قد تحضر للخيار وبناء دولة الانفصال. ذلك الا اذا قام نظام حكم وطني شعبي متكامل راشد عادل لا قوة امنية عسكرية فقط على رأس السلطة المركزية قد تهمل الجنوب كما اهملته منذ بداية الانقاذ او تنقلب عليه كما فعلت مع د. رياك مشار وتدفعه للانفصال او للصراع المتجدد كما فعل النظام المايوي. ومع «المؤتمر الشعبي» كان التفاوض يسير حول تراتيب حكم السودان فيدرالياً مع حق تقرير المصير محفوظاً، ولكن كان الحديث حول علاقات شعبية مباشرة بين «المؤتمر الشعبي» و«حركة التحرير». وقيادات «المؤتمر الشعبي» كانت من قبل أكثر قوى السودان حرصاً على الوحدة مع الجنوب مشاركة في بنائها الحركي والحزبي السابق وتبنياً لمظالم الجنوب ودفاعاً عنه ودخلت المعتقلات وتعرضت للاضطهاد للخلاف مع الحكومة حول السلام في الجنوب. وربما تكون القوى الشيوعية في التجمع متجهة للتوحد ايضا عبر القطر شمالاً وجنوباً، اما الأحزاب التقليدية والمؤتمر الوطني فالجنوب يمثل معها في مقاعد الحكومة فقط رسمياً، وهذا لا يكفي لتمتين الوحدة الوطنية. ولابد ان ينفتح القطر كله لتندمل حياة الشعب كله في وحدة تغمر ماضي المشاعر المتوترة بين شطري الوطن. الدور الاميركي والدولي ـ ما هو الحجم والتعبير المقبول به من الاسهام الاميركي والدولي في ترتيبات سلام السودان؟ وهل ترى ان واقع السودان الحالي يدعو بإلحاح اكبر الى ضرورة اقتران السلام بالتحول الديمقراطي؟ ـ العالم أصبح اليوم متقارباً كله متفاعلاً والاميركان فيه وزن أثقل. وهم لأسباب تاريخية في جهالة بالغة بمصالح بلاد العالم الداخلية ولكن في تهيؤ دائماً للبطش بالقوة على اي قوة اذا تكثفت فيهم دواعي الضغوط السياسية والمصلحية. وهم الان دخلوا ووطأوا على قضية السودان نوبة وجنوبا، وربما يكون بين الاوروبيين المرافقين والافارقة من هم ابصر بشئون السودان. وقد كانت الانقاذ مشتدة في العزة الوطنية والاستقلال عن اميركا خاصة، ولكنها الان تستسلم للضغوط الاميركية مثل العرب في شئونهم وفي القضية الفلسطينية. وليس مما يصلح السودان ولا ينفع العالم ان تهون بلاد ويتواضع دورها في شأنها وفي الشأن العالمي لاقامة التعاون فيه على سواء وحرية وشورى وقسطاس. مصائر الانقاذ ـ ما رأيكم في مستقبل الانقاذ كنظام عبر الفترة الانتقالية المقترحة في حال اقتسام السلطة والنفوذ مع الحركة الشعبية او في حال دخول الانقاذ كاحدى مكونات الحكومة القومية المقترحة؟ ـ الانقاذ ثورة ارادت ان تنقذ السودان من قوى داخلية غير ديمقراطية لانها عصبيات طائفية تحتكر الدين والسلطة والثروة للشرائح القيادية فوق الشعب، وان تنقذه من قوى خارجية تريد في السودان مياهه وبتروله وثمراته وتصريف حكمه خصماً على عزته ومصلحته. وبعد سنوات تحركت القوى التي صنعت الانقاذ بأن اسم الانقاذ نفسه يشير لمشروع مرحلة، فالشعب الذي تنقذه الثورة لا يظل للأبد فريسة انقاذ بل يتحرر لمراحل بناء ايجابي حر بعد الخروج من الغرق في ذل الطغيان. وكان التخطيط ثم الفعل ان يوضع الدستور لاباحة الحريات الواسعة وترد السلطة الى الشعب يتداول عليها من يختاره بعدل وسلام ويضبط الحكم بقسمة السلطات لا تركيزها ولا احتكارها وبموازنات بين انظمة السلطة وبين السلطة والرأي العام. واعتمد الدستور في نفس يوم عيد حركة الانقاذ ليصبح يوما للاحتفال بالدستور لا بالانقاذ اذ تتبدل المرحلة الاولى بمرحلة خالفة حرة قومية لا تحتكر فيها المؤسسات والمناصب لطائفة حزبية واحدة ولا يسير الرأي العام والجمهور بقوى الامن وتدابيرها الاستثنائية ولا يسود على الوطن رأس يتمكن بقوة الجبروت العسكرية وحوله ممن يغتنمون الفرص المتاحة ويشغلون الوزارات والمحافظات ومقاعد السلطة ورئاسات الدواوين ومواقع المال العام المستوردة. بروتوكول ماشاكوس لم يتعرض لمصائر الحكم الانتقالي هل هو بين طرفين يستبد طرف بالجنوب واخر بالشمال في حكومة تسمى قومية وهي شركة احتكار؟ والعهد اليوم في الوطن يحتاج لحركة تنقذ من الطاغوت المسمى انقاذاً. ان قوة الاسلام ووعيه المتمكن في الشعب المتجدد غير الطائفي التقليدي، وان تيار العالم الديمقراطي الذي اصبح يهب ريحاً تغشى كل البلاد، وان دورة السودان المعروفة المتكررة بين الحكم الديكتاتوري والثورة لاجال معدودة، وان تأمين وحدة الوطن ونهضته ومصلحة الجنوب المستضعف الذي لا يقوم الا بسند خارجى ـ كل ذلك يدعو ويدفع نحو الديمقراطية، وبذلك ستحول الانقاذ وتصبح اسماً مثل «مايو» تترك ذكرى اثارها الطيبة والسيئة معا ولان النظام يصوب همه على السلطة ولا يعنى بالشعب ليعزز له قاعدة ولا حتى مثل الاتحاد الاشتراكي المايوي البالي فان صورة الانقاذ الى زوال ومن حشدته فيها الضرورة والمتاع العارض سيمضي طالقاً في حياته او يرجع الى ولائه القديم او يتحرى طريقاً جديداً للولاء السياسي. المؤتمر الشعبي والاحتجاز والملاحقة ـ كيف ترى تقييم الوضع الحالي لحزبكم وخطكم السياسي والفكري بعد المفاصلة مع حزب الحكومة ومنع تحالفكم مع الحركة الشعبية ومجافاة حزبكم للتجمع المعارض وعدم التقارب مع القوى السياسية الاخرى؟ وكيف تتحقق فاعلية الحزب في الاحداث المهمة الجارية مع ظروف الاحتجاز والملاحقة؟ ـ المؤتمر الشعبي هو كيان يمثل حركة اسلامية نامية متجددة ظلت تتسع متجددة عبر صور اقتضتها الظروف المتطورة. وقد كان قادته هم بناة المؤتمر الوطني في كل السودان وكانت فيه بعض مظاهر منافقات ومعارض شعبية لترضية السلطة لكن صدق غالبة تحولاً بولاء واع الى حركة اتجاه جديد. واذا استولت السلطة الحاكمة بالقوة على المراكز والمظاهر للمؤتمر فالقواعد لا تزال ثابتة مع من يحمل معه الرسالة الجديدة. ان الجنوب منفتح سياسة مع المؤتمر الشعبي بقياداته الخارجية في الحركة وغيرها والداخلية في المناصب وغيرها وبقواعده عبر تفاعل حي في المواقع. وان «التجمع» الان يتجه للحوار مع «الشعبي». لكن فيه وخارجه الاحزاب التقليدية ترى في المؤتمر مدا على حساب قواعد الجماهير الموالية لها لأنه يبعث الدين حيا متجددا حرا ولانه ظل يمتد عليهم عبر السنين وهم قوى تقليدية تتقلص مع مرور الزمان. ان السودان اليوم جمهور يشتد وعيه السياسي لانتشار التعليم والاعلام، ووعيه الاقتصادي العام يزداد لانتشار قضايا التنمية الزراعية والحيوانية والصناعية والخدمات، ونزعة التحرر تتضاعف لكثرة حركة النزوح والهجرة والاغتراب والاختلاط الحضري الجديد، وانه يتجدد ويتسع بغزارة نسبة الشباب فيه سكاناً، وان الشيوعية فرغت من مبادئها الاصيلة كما تشهد اصولها الشرقية والاحزاب التقليدية تذبل وتموت ولا تتجدد بأي برنامج واضح تتمايز به في تنافس تفويض انتخابي نيابي وتمثيل شعبي بل تتنازع بالتراث الطائفي المتصارع المتعصب الليبرالية والعلمانية الغربية لها مفتونون في الشريحة المثقفة ولا قواعد لها في الشعب. وان المؤتمر الشعبي يمثل الدين المتجدد الذي تعبر عنه برامج مكتوبة للحرية والفيدرالية والشورى والديمقراطية والتنمية بعدالة وطهارة من الفساد والصلاح الاجتماعي والنهضة الثقافية والسياسة الخارجية العزيزة المتفاعلة عالميا، والمؤتمر الشعبي ينشر كلمته وسط الجماهير بشرائح من المثقفين وطلاب العلم هم حركيون ووسط الشعب في أحيائه واريافه، وهو حركة مبنية من القواعد هرما بالشورى ويدخل الشمال والجنوب والغرب والشرق في السودان. وان الحبس والحجر والملاحقة تدابير قد تكف الناس عن الاقبال العلني الصريح خوفاً من السلطة وفتنة باغراءاتها، ولكن تجربتنا مع الحكم العسكري المايوي ان ذلك الكبت هو مثل متانة ثبات رؤوس المال والبنيات اساسية ثم هو كالاستثمار يكلف صبرا ونفقة شديدة الوقع أحياناً لكن ما يأتي يوم الحصاد او الانتاج الا تظهر العائدات الوافرة وتخرج الجماهير بما كانت تطويه وتنويه. فالمؤتمر الشعبي قياداته وقواعده كلها صابرة تحتمل الاذى وتتقوى ثباتاً ولكنها توكلاً على الله واعتبارا بالتاريخ ترجو نهضة هائلة واندياحاً شعبياً يتفجر اما بحدوث ثورة شعبية او بتطور انهيار متدرج لنظام القهر حين تنفتح الحرية للناس والنهضة للسودان شمالاً وجنوباً موصولاً بتقارب الشعوب والدول من حواليه اتحاداً بالمال والثقافة والحركة والحياة كما يشير مستقبل حركة التاريخ الانساني وكما يلزم السودان دولة وسطى بين العروبة والافريقية.