الملف السياسي: جاءنا ذات يوم استاذ اسرائيلي ليحاضرنا عن النزاع العربي الاسرائيلي، وأخذ يتحدث الى جمهور عريض من طلاب الجامعة، افترض انهم قد تم سلفا ترويضهم بواسطة الميديا، وتمت تهيئتهم ليتقبلوا كل ما يقول. ولذلك فان الاستاذ لم يتورع عن ان يتجانف المنهج العلمي في تقرير الحقائق وتحليلها ومقارنتها والاستنتاج منها، وان يطوع الحقائق ويلوي اعناقها لتصبح مطلبا لخدمة أهدافه القومية والايديولوجية. ولسوء حظ ذلك الاستاذ فما ان فرغ من حديثه حتى تصدى له طالب عربي جريء يقظ الفكر شديد المتابعة لمجريات الأحداث، فتحدث حديثا مفحما نقض سلاسل الأساطير التي صاغها ذلك الاستاذ وساقها مساق المسلمات. وكان مما استند إليه الطالب العربي في مداخلته الرصيد الاسرائيلي الوافر في مخالفة قرارات مجلس الأمن الملزمة بطبيعتها.. وعدم مبالاة الاسرائيليين بعواقب ذلك، وعدم التفاتهم أصلا لقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة الا فيما يجرحهم في الصميم، وحينها يمكنهم ممارسة الضغوط الهائلة لأجل الغاء ما يصدر من قرارات من ذلك القبيل شأن القرار الذي صدر ونقض باعتبار الصهيونية عقيدة عنصرية. معايير القوة وجم الاستاذ لهنيهة ثم صاغ ردا بليغا باردا وجم له الطالب العربي بدوره ولم يجد محيصا من ان يسكت، قد ذكر الاستاذ الاسرائيلي ان النظام الدولي غير عادل بطبيعته، وان من العبث بمكان ان يعمل احد على تغيير النظام الدولي، او ان يشكك في مشروعيته بناء على معايير اخلاقية تتصل بمسائل العدل والمساواة وما شابه ذلك. ان النظام الدولي انما هو نتاج توزيع القوي على مسرح العلاقات الدولية، وهو صنيعة القوة العظمى المسيطرة على شئون العالم، فهي تديره وتسيره ليخدم مصالحها، لا ليخدم مصالح الضعفاء الذين لم يكن لهم اي مساهمة في انشائه. اتخذ الاستاذ ذلك المنطق ليلجم به منطق الطالب العربي الذي كان بحكم دراسته في الغرب يعرف بقية التفاصيل، لذا آثر ان يسكت، ولكن مما حمده الحضور للطالب العربي انه ابرز ازدواجية المنطق لدى الاستاذ الاسرائيلي الذي بدأ حديثه عن اسرائيل المستضعفة وسط العرب، الذين يحاصرونها من كل مكان، ويهددونها بالعمليات الارهابية من الداخل، ويرسل صدام حسين عليها صواريخه من الخارج، وتواصل كل من ايران وباكستان استعداداتها النووية لمسحها واستئصالها من الوجود.. والى آخر ما يمكن ان يصطنع من صيغ الاستعطاف وطلب النصرة والتأييد لدولة اسرائيل المستضعفة. ولكن ما ان ابرز الطالب العربي الصورة العدوانية الاستعلائية لدولة اسرائيل وخروجها المتكرر على القانون الدولي «ممثلاً بقرارات مجلس الأمن» حتى هجر الاستاذ الاسرائيلي ذلك المنطق وانعطف الى حديث القوة، موحيا بأنها هي وحدها التي تسير شئون العالم، وان من العبث ان يتحدث أحد عن وسائل اخرى كالقانون، او عن معايير اخرى كالعدل والمساواة وفضائل الاخلاق!! كانت بقية حديث الاستاذ تشير الى ان اميركا هي وحدها القوة العظمى، وان اسرائيل هي عقل اميركا في العلاقات الدولية «تنظيرا وتخطيطا» فالعلماء السياسيون اليهود هم الذين أوصلوها الى تلك المكانة السامية في أفق العلاقات الدولية، ومن ثم فقد حفظت اميركا لهم الحق وطفقت تدافع عنهم بالحق وبالباطل، (وهذا الأخير هو ما يسمى بحق النقض!) وتتغافل عن كل احتياجاتهم لقرارات الارادة الدولية ممثلة في الجمعية العامة للامم المتحدة ومجلس الأمن! هذا الحديث الفاقع الذي اجراه الطالب العربي على لسان البروفيسور الاسرائيلي، هو بلاشك من قبيل البدهيات لدى كوفي عنان الذي انفق نصف عمره تقريبا في ردهات الامم المتحدة ودهاليزها. انه يدرك ذلك جيدا ويعمل على مقتضاه بالحرف، فهو واقعي قح، والا لما ثابر على العمل بالأمم المتحدة لعشرات السنين ومع ذلك فيمكن اعتبار كوفي عنان منصفا الى حد ما هو الحد الادنى، وحتى ذلك الحد فهو يتوسل لبلوغه بتملق اسرائيل وربما كان ذلك من مهاراته على كل حال. في خطابه الذي القاه في مارس الماضي وناشد فيه اسرائيل انهاء احتلالها غير القانوني للاراضي العربية ووقف اغتيالها للفلسطينيين وهدم بيوتهم، كان لابد ان يبدأ كوفي عنان باستنكار كل العنف الذي تتعرض له اسرائيل، من جانب الفلسطينيين وان يدعو مختلف دول العالم لكي تستنكر العنف الفلسطيني وان تكافح ذلك العنف، ومن يمارسونه، ومن يساندون ممارسيه! مدى قوة عنان هذا الأسلوب الذي يحاول كوفي عنان ان يبلغ به بعض ما يريد لا يقبله منه الاسرائيليون ولا يقبله الأميركيون الا على مضض، وطالما انه مدين بمنصبه في قيادة الامم المتحدة للطرفين معا، فانه لابد ان يدفع لهما الثمن الوفير، وعلى هذا المقتضى يمكن فهم تصرف كوفي عنان بخصوص تقرير مذبحة جنين. لقد كانت اسرائيل على استعداد لخوض مجابهة معه يخسر بها كثيرا وربما خسر منصبه اذا سمح للاجراءات الموضوعية المجردة بأن تمضي قدما، لتأتي بتقرير عادل متجرد يدين اسرائيل بتنفيذ مذبحة عظمى، في الوقت الذي تتشكى فيه من ضربات الارهاب التي تطولها، وقد بدأت اسرائيل خوض المعركة، فعلا مع عنان برفضها اجراءات التحقيق اصلا، وذلك بالرغم من ان اعداد التقرير لم يكن رغبة شخصية من كوفي عنان، وانما تكليف رسمي اناطته به الجمعية العامة للامم المتحدة في مايو الماضي. مضت الاشهر وأتى التقرير يتحدث بنفسه لغة كوفي عنان أنفة الذكر وهي اللغة التي تسجل دائما ادانة للطرفين معاً بدءا بالطرف الفلسطيني، بحسبانه الباديء الأظلم! وهذه المرة سعدت اسرائيل بالتقرير، لان تقارير الصحافة العالمية كانت قد اقنعت الرأي العام العالمي بوقوع مذبحة هائلة في جنين، كما صرحت منظمة العفو الدولية بأن تعبير المذبحة انما هو تعبير هاديء، والاصح ان يقال «جرائم حرب». ولذلك فما ان صدر تقرير عنان حتى علق عليه وزير الخارجية الاسرائيلي شيمون بيريز تعليقاً ايجابياً قائلا: «انه يتطابق مع تقرير الحكومة الاسرائيلية حول الحدث، وينفي وقوع مذبحة من أي نوع، ويحدد عدد الضحايا الفلسطينيين بنفس العدد الذي حددته اسرائيل وهو (52 قتيلا)». وبالطبع فهذه المرة يمكن التغاضي عن ادانة التقرير لاسرائيل بمنعها اسعاف الضحايا، طالما أدان التقرير الجانب الفلسطيني بتكديس الاسلحة في المخيم وخلط العناصر المقاتلة بالمدنيين في مخالفتين صارختين للقانون الدولي حسبما أورد التقرير! مصادر التقرير لقد تعرض التقرير فور اذاعته الى انتقادات واسعة من الدول العربية والاسلامية وبعض منظمات حقوق الانسان (ولم يشذ عن الخط الناقد الا نبيل شعث الذي زعم ان التقرير خطوة لادانة اسرائيل بجرائم حرب)!! ولكن كل ذلك لا يهم اسرائيل في شيء، فلديها الآن ما يمكن ان تجادل به لاثبات براءتها من الجرم. هكذا صاغت اسرائيل بقوتها دليل براءتها وذلك بعد ان كادت تسقط في شرك تسرعها عندما دعت أول الأمر الى ارسال لجنة تقصي حقائق من الأمم المتحدة وهي الدعوة التي سرعان ما سحبتها، ثم اعترضت على ارسال الأمم المتحدة لأية لجنة من أي نوع للتحقيق في الموضوع، فقام كوفي عنان بنفسه بصياغة التقرير حسب ارادة اسرائيل! لكن السؤال الذي يمكن ان يوجه الى كوفي عنان هو: كيف توصلت الى اصدار تلك الأحكام بدون ان تقف بنفسك على مسرح الأحداث؟ وبدون ان ترسل لجنة تقصي حقائق محايدة؟ واجابة كوفي عنان هي انه اعتمد على مجموعة من التقارير التي كتبتها بعض المنظمات الدولية، بالاضافة الى مزاعم السلطة الفلسطينية والتصريحات الاسرائيلية التي صدرت في الرد على ذلك، وقال ان تلك الافادات في مضاهاتها ببعض تعطي تمثيلاً صادقاً ـ وإن لم يكن دقيقاً ـ لذلك الواقع بالغ التعقيد. إن اجابة عنان اجابة دبلوماسية حقاً ملكتها ليست صادقة، انها مجرد اخراج أدبي وتصوير فني للمأزق الذي وجد نفسه مرتهنا فيه عندما طلبت الجمعية العامة منه اعداد التقرير ورفضت اسرائيل التعاون مع لجنة تقصي الحقائق التي كان قد كونها برئاسة مارتي اهتساري الرئيس الفنلندي السابق والتي اضطر ان يحلها ويصرفها ازاء العناد الاسرائيلي. وبعد ذلك يمكن ان ترفع ازاء بنية ووظائف التنظيم الدولي ممثلا بالجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن الأسئلة المهمة التالية: هل تحولت الأمم المتحدة الى مجرد منفذ للسياسات الاميركية في المنطقة العربية والعالم أجمع؟ وهل لدى الأمين العام صلاحية كافية لمواجهة الضغوط الأميركية والصهيونية؟ ولماذا تفرض قرارات مجلس الأمن على بعض الدول كالعراق فرضاً بينما تكافأ بعض الدول كاسرائيل على نقضها ومخالفتها؟ وعندها فإن الاجابة على السؤال الأول تأتي بالايجاب، ومرد ذلك والى المنطق الموضوعي في علم العلاقات الدولية القائل بأن النظام الدولي من صنع القوى السائدة. وقد كان الاتحاد السوفييتي يتقاسم تلك القوة تقاسماً غير متكافيء مع الولايات المتحدة، والآن تدنت قسمته بتدني قوته المزري، حتى اصبحت الأمم المتحدة تحت الادارة شبه الكاملة للولايات المتحدة. وأما الاجابة عن السؤال الثاني فهي بالنفي تماماً، إذ ليس الأمين العام سوى موظف ـ وان يكن كبيراً ـ لدى الأمم المتحدة التي تتبع كلها أو جلها الولايات المتحدة التابعة في بعض الشأن لاسرائيل. الاجابة عن السؤال الثاني تكفي في الاجابة عن السؤال الثالث بالتأكيد، وتكفي لدحض الوهم بامكان اتيان العدالة للمستضعفين من قبل آليات النظام الدولي التي هي غير عادلة بطبيعتها. وعلى ضوء ذلك كله، يمكن فهم أسباب جنوح كوفي عنان للاتيان بذلك التقرير الذي شابه كثير من الافك والزور عن مخيم جنين