لم يكن تقرير الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان عن مذبحة جنين مفاجأة للمراقبين لتطورات الأوضاع على الساحة العربية والدولية، فالمنظمة الدولية منذ فترة طويلة تتبنى سياسات تقوم جميعها على الكيل بمكيالين، ففي حين يعلن مجلس الأمن ، حالة الطوارئ القصوى ويصدر من القرارات الكثير والكثير لادانة العراق والسماح بالاعتداء عليها باسم الشرعية الدولية، نراه خانعا ضعيفا لا يستطيع اصدار قرار قوي ضد اسرائيل، وحتى اذا واتته الشجاعة وفعلها فهي لا تنفذ هذا القرار وهو لا يملك الا السكوت وغض الطرف.. (الملف) التقى د.عماد جاد الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، واللواء طلعت مسلم الخبير الاستراتيجي، لالقاء الضوء على دور الأمم المتحدة وهل تحولت الى مجرد منفذ للسياسات الأميركية في المنطقة، وهل لدى الأمين العام صلاحية كافية لمواجهة الضغوط الأميركية الاسرائيلية؟ والعجز العربي وهل ساهم في أضعاف موقف المنظمة الدولية؟ وابعاد التحول بالنسبة للمنظمة الدولية من العجز الى الانحياز السافر لاسرائيل؟! بداية يرى د.عماد جاد ان الامين العام للأمم المتحدة ورغم ان صلاحياته ليست بالكثيرة الا ان لديه هامش من حرية الحركة يتيح له اتخاذ بعض المواقف الايجابية احيانا. فمثلا عندما كان د.بطرس غالي أمينا عاما للأمم المتحدة أصر على اصدار التقرير الخاص بمذبحة قانا والذي أدان القوات الاسرائلية وأكد انها استهدفت ضرب مدنيين في مقر الأمم المتحدة بقانا، وقد دفع الرجل ثمن مثل هذا الموقف بأن رحل عن المنظمة الدولية. ولكن بوجود كوفي عنان صارت الأمم المتحدة أقرب الى جهاز ملحق بالخارجية الأميركية، فكل مايهم عنان تقريبا هو تنفيذ السياسات الأميركية فيما يتعلق بمختلف القضايا الدولية وخاصة أنه يدرك جيدا دور الولايات المتحدة في استمرار وجوده على رأس المنظمة الدولية، ولذلك عندما امر بتشكيل لجنة تحقيق في مذبحة جنين اعترضت اسرائيل وبدلا من ان يصر على موقفه سارع بتحويل اللجنة من لجنة للتحقيق الى اخرى لتقصي الحقائق، والغريب ان ذلك لم يعجب اسرائيل والولايات المتحدة وتم الاعتراض على بعض اعضاء هذه اللجنة، وما كان من عنان الا ان اصدر قرارا بحلها حتى لا يغضب اسرائيل، ومن هنا لم يكن مستغربا أن يأتي تقرير جنين بكل هذا الانحياز لاسرائيل. طموحات عربية وفيما يتعلق بالعجز العربي وهل ساهم ذلك في أن تكون مواقف الأمم المتحدة بعيدة تماما عن الطموحات العربية يقول د. عماد جاد: في ظل النظام الدولي الحالي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة لن يستطيع أي من الاطراف الاخرى الحصول على أية مكاسب أو الحصول على حقوقها الا اذا كان هذا لا يتعارض مع مصالح الولايات المتحدة، أو أن يكون هذا الطرف من القوة بما يجعل الأميركيين لا يقفون في طريق حصوله على هذه الحقوق. فمثلا عندما أرادت الولايات المتحدة ضرب يوغسلافيا تدخلت روسيا في محاولة لمنع ذلك، ولكن لأن الولايات المتحدة تعرف جيدا ان روسيا في وضعها الحالي لا تستطيع منعها، استمرت في خططها وضربت يوغسلافيا رغم المعارضة الروسية. واذا جئنا الى الطرف العربي فسنجد انه في حالة من الضعف والتشتت وعدم التماسك غير مسبوقة، بل ان هناك دولا عربية عديدة تحاول حل ازماتها مع الولايات المتحدة على حساب المصالح العربية، ومن هنا فإنه لا أمل في أن نحصل على حقوقنا أو ان تعمل الولايات المتحدة حسابا لنا الا اذا تماسكنا سياسيا واقتصاديا وشعر الجميع بقوتنا وبحجم المصالح التي تربط الاخرين بنا، وانه اذا لم يتخذ هؤلاء الآخرين وخاصة الولايات المتحدة مواقف ايجابية فيما يتعلق بقضايانا فسوف تتأثر هذه المصالح. أما بالنسبة لدور المجتمع الدولي والدول دائمة العضوية في مجلس الأمن في انقاذ الأمم المتحدة من حالة العجز التي تعاني منها في الوقت الراهن، يشير د.عماد جاد الى ان الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن لن تتحرك أو تخوض معركة الا اذا شعرت بأهمية ذلك بالنسبة لمصالحها، وعندنا المثال على ذلك عندما تحرك الأوروبيون آبان أزمة قطع البترول العربي عنهم، لأن ذلك يمس ويؤثر عليهم بشكل مباشر، أما ان يقوم هؤلاء الاعضاء بخوض معركة لحساب الدول الاخرى فهذا لن يحدث واذا كانت هناك دول تنتظر ذلك فهي واهمة، فلابد ان تشعر هذه الدول الاعضاء في مجلس الأمن أولا بالخطر على مصالحها حتى تتحرك. ويعتقد د.عماد جاد أن الشكوى من الكيل بمكيالين في النظام الدولي الحالي لا تصدر في الغالب الا عن الأطراف الضعيفة، قبل ان نشكو نحن العرب من أن الأمم المتحدة تتعامل مع اسرائيل بشكل وتتعامل معنا بشكل مختلف تماما بان يفرض علينا تنفيذ قرارات مجلس الأمن، في حين تكافأ اسرائيل على عدم التزامها بهذه القرارات، قبل ذلك يجب ان نعمل على تقوية موقفنا بالتماسك والتنسيق فيما بيننا والتأكيد للآخرين بأن مصالحهم معنا باتت مهددة اذا هم استمروا على مواقفهم السلبية بالنسبة لقضايانا، فهذا أفضل من الاستمرار في الشكوى بأن المنظمة الدولية تكيل بمكيالين وتأخذ مواقف سلبية بالنسبة لقضايانا العادلة والواضحة. قرارات ومواقف ومن جانبه يشير الخبير الاستراتيجي اللواء طلعت مسلم الى ان اداء الامم المتحدة في الفترة الاخيرة أصبح أكثر سوءا بالنسبة للقضايا العربية العادلة، وليس أدل على ذلك من تقرير مذبحة جنين الفضيحة، فقد كانت المنظمة الدولية في فترة الحرب الباردة تتمتع بدرجة من الاعتدال في اتخاذ القرارات والمواقف، ورغم ان هذه القرارات كانت في احيان كثيرة لا تنفذ ولكنها كانت مرضية الى حد ما حيث كانت تقف الى جانب العدل، ولكن بعد انفراد الولايات المتحدة بقمة النظام العالمي الجديد اصبحت الأمم المتحدة غير قادرة على اتخاذ القرارات المعتدلة، وصارت مشلولة تماما وهناك منظمات اخرى صارت تحل محلها في الكثير من القضايا مثل حلف شمال الاطلنطي الذي تدخل في حل كثير من النزاعات في البوسنة ويوغسلافيا وكوسوفا، أو التحالف الدولي الذي شكلته الولايات المتحدة لمحاربة الارهاب، أو للهجوم على العراق في عاصفة الخليج الثانية. ويرى اللواء طلعت مسلم أن العجز العربي يلعب دورا كبيرا فيما يحدث حاليا من تحيز من الأمم المتحدة لاسرائيل على حساب قضايانا العربية، لقد انشغل العرب بالجري وراء أوهام السلام وحدثت حرب الخليج الثانية في الطريق والتي أدت الى التمزق والتشتت العربي، وصرنا في حالة كبيرة من العجز والضعف، وتزامن ذلك مع انفراد الولايات المتحدة بالنظام العالمي الجديد، وبالتالي لم يكن منتظرا ان يكون اداء المنظمة الدولية أفضل مما هو عليه الآن. تقرير منحاز وحول صلاحيات الأمين العام للأمم المتحدة وهل يستطيع القيام بدور في زيادة فاعلية المنظمة الدولية، يقول اللواء طلعت مسلم: الامين العام موظف لديه بعض الصلاحيات التي تخولها له الدول الاعضاء يستطيع ان يتحرك من خلالها، فمثلا اذا كان لا يستطيع ان يجبر مجلس الأمن على اتخاذ قرار ما ضد اسرائيل، فعلى الاقل يستطيع ان يصدر بيانا يدين الممارسات الاسرائيلية أو يومي بتشكيل لجنة للتحقيق في الجرائم التي ترتكبها القوات الاسرائيلية. فمثلا في موضوع تقرير مذبحة جنين كان يمكن أن يقوم الأمين العام كوفي عنان باصدار بيان يدين الموقف الاسرائيلي الرافض لتشكيل لجنة تحقيق في المذبحة، ويقدم تقريرا الى الجمعية العامة للأمم المتحدة يوضح فيه موقف اسرائيل والا يسكت ويلغي اللجنة كما حدث، بل ويسمح بصدور تقرير منحاز بهذه الدرجة لاسرائيل. ويؤكد اللواء طلعت مسلم ان العجز الذي تعاني منه المنظمة الدولية في الوقت الحالي يعود بدرجة كبيرة الى اختلال موازين القوى في العالم، فلم يعد هناك الآن قطبين يعملان على تحقيق التوازن، ولكن هناك الولايات المتحدة وحدها تعربد وتتخذ من القرارات مايحقق مصالحها هي فقط، دون اي اعتبار لمصالح الآخرين ودون ان تجد من يقف في طريقها أو يعوقها عند اتخاذ ماتراه من مواقف، وهذا الاختلال في موازين القوى يبدو انه سيستمر لفترة طويلة. ومن هنا يجب على الاطراف الضعيفة ومنها الطرف العربي ان تركز على ماتملكه من امكانيات اقتصادية هائلة وعلى المصالح التي تربطها بالآخرين، وان تلعب بورقة المصالح هذه من اجل اجبار الولايات المتحدة على اتخاذ مواقف متوازنة من القضايا العربية.