الملف السياسي: تعتبر إسرائيل منذ قيامها وحتى الآن، وعلى مدى نصف القرن الفائت، هي المنتهك الأول لقرارات الشرعية الدولية، من قرار التقسيم الصادر عام 1947 إلى القرار الخاص بإنشاء لجنة تقصي الحقائق بشأن ممارسات إسرائيل الإجرامية في مخيم جنين في أبريل عام 2002. ومن المعروف أن إسرائيل لم تنشأ كدولة بشكل طبيعي، بل جاءت نشأتها بقرار من الأمم المتحدة، وهو القرار رقم 181 للجمعية العامة والمعروف بقرار التقسيم. وهذا القرار نص على تقسيم أرض فلسطين بين اليهود والعرب الفلسطينيين عبر إقامة دولة يهودية على مساحة 56% من الأرض، ودولة عربية فلسطينية على المساحة المتبقية وهي 44%،وبموجب هذا القرار وقبول إسرائيل له، أعلن عن قيام دولة إسرائيل في الرابع عشر من مايو 1948. وأدت حرب 48 / 1949 إلى احتلال إسرائيل نصف المساحة المخصصة للدولة العربية، فباتت تسيطر على 78% من أرض فلسطين، ولم يتبق للشعب الفلسطيني سوى 22% ممثلة في الضفة الغربية وقطاع غزة، وهي المساحة التي عادت إسرائيل واحتلتها في حرب يونيو عام 1967، ومنذ ذلك الوقت صدرت عشرات القرارات من مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة تطالب إسرائيل بالانسحاب من الأراضي الفلسطينية التي احتلت في حرب يونيو 1967 وتطالب بعودة اللاجئين الفلسطينيين وتؤيد قيام دولة فلسطينية مستقلة.وفي المقابل لم تتعامل إسرائيل قط مع هذه القرارات بجدية، فبعد أن قبلت بقرار التقسيم حتى تنضم إلى المنظمة الدولية، بدأت تضرب بقرارات الأمم المتحدة عرض الحائط، وسعت إلى تحجيم دور المنظمة الدولية وقراراتها عبر توظيف النفوذ والهيمنة الأميركية، سواء في منع صدور القرارات عن مجلس الأمن الدولي الذي تتمتع فيه واشنطن بحق النقض - الفيتو - الذي يمكنه أن يمنع صدور أي قرار، أو عبر إبقاء القرارات مجرد حبر على ورق ولا قيمة عملية لها. منطق القوة في المرحلة الأولى من عمر الصراع العربي الإسرائيلي، والتي تزامنت مع الحرب الباردة وولادة حركة عدم الإنحياز، صدر العديد من القرارات التي تطالب إسرائيل بالانسحاب من الأراضي الفلسطينية وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، كما صدرت القرارات التي تدين السياسات الإسرائيلية ومنها القرار الذي يدمغ الصهيونية بالعنصرية ويرى في الصهيونية حركة عنصرية. وقد جاء معظم هذه القرارات من الجمعية العامة للأمم المتحدة، والتي تتمتع فيها كل من الدول الأعضاء بصوت واحد ولا وجود لحق النقض، وبالتالي فالقرارات تصدر بأغلبية الأصوات،وظلت المشكلة كامنة في عدم تنفيذ هذه القرارات، وهو الأمر الذي تغذى بفعل الإنقسام الدولي والصراع بين القطبين العظميين على مناطق النفوذ في العالم الثالث آنذاك. أما في المرحلة الثانية من الصراع، التي بدأت مع نهاية الحرب الباردة، وهي المرحلة التي تشهد إنفراد المعسكر الرأسمالي بزعامة الولايات المتحدة بإدارة النظام الدولي، فقد عملت الولايات المتحدة على توظيف المنظمة الدولية حسب مقتضيات الرؤية الأميركية بصفة عامة. وفي هذا السياق تبلورت سياسات أميركية متغيرة بل ومتناقضة في التعامل مع المنظمة الدولية ومبادئ الشرعية الدولية، وذلك حسب مقتضيات المصلحة الأميركية. ففي حالات معينة وجدت الولايات المتحدة أن مصلحتها تقتضي إستخدام المنظمة الدولية وإستصدار ما تريد من قرارات حتى يبدو تصرفها اللاحق متوافقا مع الشرعية الدولية. كما حدث في حالة العراق عام 90/1991 وفي أحيان أخرى، عملت واشنطن على القفز فوق الشرعية الدولية والعمل من تلقاء نفسها، وهو ما تبلور بوضوح في القرار الأميركي باللجوء إلى القوة العسكرية ضد يوغوسلافيا عام 1998. وفي الوقت الذي قدمت فيه واشنطن التدخل في كوسوفو باعتباره النموذج الذي سيسلكه المجتمع الدولي في مواجهة إنتهاكات حقوق الإنسان في أي بقعة من العالم، كانت فلسطين تقدم الدليل الدامغ على الانتقائية والتوظيف المصلحي، ومن ثم عدم صدقية الإدعاءات الأميركية. فعلى أرض فلسطين كان ولايزال يجثم احتلال أجنبي، ويقيم مستوطنات هي بحكم تعريف ميثاق المحكمة الدائمة لجرائم الحرب، تمثل بحد ذاتها جريمة حرب، ويعد من يقيمون فيها مجرمي حرب، ورغم ذلك كانت واشنطن ترفض مجرد تطبيق قرارات الشرعية الدولية، بل أنها كانت تستخدم حق النقض في منع صدور أي قرار من مجلس الأمن يدين الاحتلال و يطالب بالإنسحاب، أو حتى يرسل مجرد قوات دولية لحماية الشعب الفلسطيني. بل أن واشنطن أجهضت مشروعات في مجلس الأمن لإصدار قرارات بإرسال مجرد مجموعة مراقبين دوليين لمتابعة ما يجري لشعب أعزل. ووقفت واشنطن أكثر من مرة بمفردها في وجه باقي أعضاء مجلس الأمن حتى لا تتواجد الشرعية الدولية على أرض فلسطين. ومن أجل إسرائيل قامت واشنطن بقلب الحقائق ودخلت في أكبر عملية تزييف للوقائع وخلط المفاهيم، فارهاب دولة الاحتلال بات دفاعا عن النفس، والنضال الوطني لتحرير الأرض بات إرهابا، ومجلس الأمن بات مطلوبا إستبعاده تماما حتى لا تفسد الشرعية الدولية أسس تسوية ظالمة تعمل واشنطن على إعدادها وفق منطق القوة والأمر الواقع. صلاحيات غائبة في هذا السياق جاء العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني في اليوم التالي لصدور مبادرة السلام العربية عن قمة بيروت، وهو العدوان الذي شهد ارتكاب قوات الاحتلال لجرائم بحق الإنسانية وجرائم حرب، كانت تقتضي حسب التعريف الأميركي لهذه النوعية من الجرائم اللجوء إلى مجلس الأمن وإستصدار قرار يطالب قوات الاحتلال بالإنسحاب الفوري، وفي حال عدم تحقيق ذلك يكون اللجوء إلى الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة، ومن ثم تشكيل قوات دولية تتولى تنفيذ قرارات الشرعية الدولية، وتقوم باعتقال مجرمي الحرب وتقديمهم إلى المحاكمة الدولية. فالجرائم التي إرتكبت على أرض فلسطين هي جرائم بحق الإنسانية وبالتالي كان لابد من تحرك دولي لوقف هذه الجرائم والتحقيق فيها وتشكيل محكمة خاصة لمحاكمة مجرمي الحرب من المدنيين والعسكريين الإسرائيليين. لكن ما حدث عمليا هو أن واشنطن استمرت في دعمها لعدوان دولة الاحتلال على الشعب الأعزل، بعكس ما تقول بنود الأمم المتحدة، بل أن واشنطن هددت بإستخدام حق النقض ضد مشروع قرار عربي بتشكيل لجنة تحقيق دولية للتحقيق في الجرائم التي إرتكبتها قوات الاحتلال في مخيم جنين للاجئين، ومارست ضغوطا هائلة أدت إلى استبدال لجنة للتحقيق المقترحة بلجنة تقصى حقائق تنحصر صلاحياتها في تقديم توصيات ولا مجال للتحقيق في عملها. وصدر قرار مجلس الأمن رقم 1405 ناصا على تشكيل هذه اللجنة، وبعد أن تدخلت إسرائيل في تحديد أعضاء اللجنة، أعلنت رفضها استقبال اللجنة في تحد غير مسبوق للمنظمة الدولية. وكان المنطق يقتضي صدور قرار من مجلس الأمن يطالب إسرائيل باستقبال اللجنة، ويحدد عقوبات معينة تسري تدريجيا. ولكن ما حدث هو أن واشنطن رفضت مجرد مناقشة الموضوع مرة أخرى، وحددت سقف أي قرار جديد يصدر عن مجلس الأمن في إبداء الأسف لعدم استقبال إسرائيل للجنة الدولية. وبعدها حل السكرتير العام للأمم المتحدة اللجنة، ودعا البيت الأبيض شارون للزيارة وكثف الهجوم الاعلامي على الشعب الفلسطيني وسلطته الوطنية بعد أن جرى سجن عدد من مناضليه بحراسة أميركية - بريطانية. ما هذا العبث.. ؟ أين هي صلاحيات المنظمة الدولية، أين قوة القانون، وفرض النظام وكيف تملي إسرائيل شروطها بهذه القوة، وكيف تتلاعب بالمجتمع الدولي كله بهذا الاستخفاف؟! ما حدث سيظل «وصمة عار » للأمم المتحدة وللقانون الدولي وللعالم أجمع.وهذا يؤكد أن إسرائيل دولة فوق القانون، تخضع لحماية الولايات المتحدة، ولا تأبه بأي قرار يصدر عن الأمم المتحدة. ولعل أحدث مشهد من مشاهد هذه الكوميديا السوداء، ولا نقول آخرها، ذلك التقرير الذي طالبت الجمعية العامة للأمم المتحدة من السكرتير العام للمنظمة الدولية كوفي عنان إعداده في السابع من مايو الماضي، حول مذبحة جنين المروعة، بناء على طلب الدول العربية. فبعد طول انتظار تم نشر التقرير في الأول من شهر أغسطس الحالي 2002، عبر وسائل الاعلام والنشرات الدولية المختلفة، فماذا قال تقرير السيد كوفي عنان حول هذه المذبحة الشنعاء: لم يشر التقرير إلى وقوع مذبحة، ولكنه أنحى باللائمة على الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، أي أن تقرير الأمم المتحدة جاء ليساوي في النظرة بين القاتل والضحية، بين الجزار والذبيحة، بين المحتل الغاصب وبين المدنيين الأبرياء العزل في مخيم جنين، كما يلاحظ أن التقرير قد استند في جانب كبير من بياناته إلى معلومات عامة استقاها من الصحف ومنظمات خاصة بينها منظمات يهودية، ومن ثم فإنه يفتقد الدقة والمصداقية والأمانة في التعامل مع المعلومات الميدانية من شهود العيان حول مذبحة جنين، التي صورت جانبا من وقائعها عدسات مصوري القنوات التليفزيونية والصحف العالمية، برغم فرض المحتلين الإسرائيليين الحصار حول تغطية وقائع هذه المجزرة البشعة التي وصفها المسئول الدولي تيري لارسون بأنها مذبحة لايمكن أن يتصورها عقل، فغضبت منه حكومة شارون وأوقفت التعامل معه. الانحراف الدولي ولا يخفى أن المجموعة العربية في الأمم المتحدة حينما طلبت من الجمعية العامة هذا التقرير فإنها لجأت إلى هذا المنبر الدولي الذي يضم ممثلين من جميع الدول الاعضاء في الأمم المتحدة وعددهم مئة وتسع وثمانون دولة، بعد أن فشل مجلس الأمن في التعامل مع وقائع وتداعيات مذبحة جنين،وحرصا منهم على جعل العالم عبر ممثليه داخل الجمعية العامة التي تمثل الضمير العالمي، على دراية كاملة بحقائق الجرائم والمذابح والإنتهاكات الفاضحة من جانب المؤسسة الشارونية الحاكمة بحق الشعب الفلسطيني الأعزل. ولكن تقرير كوفي عنان في تحيز واضح لإسرائيل، وبعدم أمانة ودقة في تناول أحداث المذبحة المروعة التي وقعت في جنين أواخر أبريل الماضي، يشير إلى أن ضحايا هذه المذبحة من الفلسطينيين لا يتجاوز عددهم أثنين وخمسين فلسطينيا، في حين أن شهود العيان ومنهم موظفون دوليون وأوروبيون وأميركيون، يرون أن عدد هؤلاء الضحايا لا يقل عن خمسمئه شهيد فلسطيني، كما حرص واضعوه على تأكيد المزاعم الشارونية بأن مخيم جنين كان ملاذا لمنظمات المقاومة الفلسطينية مثل حماس والجهاد وكتائب شهداء الاقصى، وهذا معناه في العمق أن تقرير كوفي عنان يريد إسباغ صفة المصداقية على المزاعم الشارونية، ومنحها المبرر في إرتكاب الجرائم والآثام تحت دعوى مكافحة الإرهاب التي تحظى بتأييد أميركي غير محدود. ولعل أحدث إئتلاف دولي تم تشكيله الآن هو الإئتلاف الذي يضم الولايات المتحدة وإسرائيل والامم المتحدة، ولقد ظهرت فاعلية واضحة لهذا الإئتلاف بالنسبة للأحداث وصياغتها وتوجيهها نحو المصلحة الأميركية الإسرائيلية. لقد بات عنان لاعبا بارعا في الساحة الأميركية بعد أن تم توظيفه لحساب الولايات المتحدة وإسرائيل. فالرجل يعمل في خندق واحد معهما ويرتب الاوراق وفقا للهوى الأميركي الإسرائيلي. لقد دبجت الأمم المتحدة تقريرا منحرفا مبتورا حاد عن الحق وصادر الحقيقة وخيب الآمال. وجاء ليدحض كل ما اقترفته إسرائيل من آثام وجرائم ضد الإنسانية. لقد أثار الصمت والضعف الدولي إزاء الممارسات العدوانية الإسرائيلية الأخيرة والمستمرة ضد مناطق الحكم الذاتي الفلسطيني، إحساسا لدى الفلسطينيين قيادة وشعبا بالمرارة وبإفتقاد الحماية الدولية في ظل إنصياع الامم المتحدة للتوجهات الأميركية وخضوعها للتعنت الإسرائيلي واستبعادها اللجوء لخيار التفعيل لمواد الفصل السابع من ميثاق المنظمة الدولية الذي يخول لمجلس الأمن الإيذان بإستخدام القوة ضد أي دولة لا تلتزم بقرارت أجهزتها التنفيذية تتوخى تطبيق العدل والديمقراطية في ظل خضوعها لهيمنة القوة العظمى الوحيدة في العالم التي أخذت على عاتقها حماية ربيبتها إسرائيل أمام المجتمع الدولي والمنظمات الدولية وعلى رأسها مجلس الأمن. ولعل هذه المواقف المخزية للأمم المتحدة تجاه قضية الشعب الفلسطيني، تصب في النهاية بإتجاه فكري عالمي يضع تحفظات قوية على دور منظمة الأمم المتحدة، ويتساءل عن إمكان تعديله وتطويره في القرن الواحد والعشرين الحالي، سيما بعد أن تبين للأعمى والأعشى والبصير على السواء أن الامم المتحدة ما هي الا أداة وسلاح في خدمة السياسة الأميركية، وإنها لم تظهر إلى الوجود الا لتحقيق مصالح الأميركيين في العالم وبأقل تكلفه. إن الامم المتحدة في تعاملها مع قضية فلسطين تسير من سييء إلى أسوأ ومن فشل صامت إلى فشل مدو.. فمن ينقذ السلم والأمن الدوليين من ذلك المصير المجهول الذي ينتظر عالم الألفية الثالثة في ظل هذا الواقع الدولي المرير ؟ تلك هي المسألة. ـ كاتب مصري