لم تعد الاشكالية التي تعانيها الأمم المتحدة تتركز فقط حول تمرير قراراتها والفيتو الأميركي الحاضر في معظم المشاريع، بل صارت الاشكالية اليوم تتمحور في آلية تنفيذ القرارات التي تصدرها. وبطبيعة الحال فإن محورها العام ، لم يعد سوى نمط ثابت يتجه بفكرته نحو مفاهيم الضغط الشديد الذي يمارس على الهيئة الدولية، فصارت القرارات العامة تبنى على أمزجة خاصة، وبالطبع تتداخل فيها مصالح القوى العظمى في العالم خاصة الولايات المتحدة التي لم تعد ترضى بالهيمنة وحدها، بل أصبحت تريد السيطرة المطلقة على العالم، فما بالنا بالمنظمة الدولية التي باتت الآن تعمل حقيقة تحت الضغوط العلنية، رغم انها كانت تعاني سابقاً من هذه المشكلة، إلا انها اليوم تأخذ صوراً أشد ظلمة فيما يتعلق بقضايا الصراع العربي ـ الصهيوني بشكل خاص، مما دفع اسرائيل لأن تمارس بدورها ضغطاً حقيقياً من جانبها على الأمم المتحدة وتفرض سياسة تدمير الانسان أمام أعين العالم تحت ستار الدعم الأميركي. ومن المعروف ان طبيعة القرارات الخاصة بقضية الصراع العربي ـ الصهيوني التي اتخذها مجلس الأمن والجمعية العامة كانت قرارات توفيقية لمصلحة اسرائيل منذ قرار التقسيم عام 1947، ومع رفض السياسات العربية لهذه القرارات (سابقاً) إلا انهم اليوم ينادون بها ويطالبون اسرائيل بتنفيذها، خاصة تلك التي تندرج تحت الأرقام 242 و338 و194. ولكن ما نشاهده اليوم عن عمل الهيئة الدولية يدفعنا الى التساؤل عن مستويات آليتها التنفيذية في الأراضي الفلسطينية، خاصة فيما يتعلق بالمجازر التي يرتكبها الكيان الصهيوني. ولعلنا نستطيع القول ان الأمم المتحدة الآن تمارس سياسة المراحل التي ترضي اسرائيل، فهي تتخلى بشكل ما عن قراراتها السابقة وإذا ما أصدرت قراراً فإنها نادراً ما تؤكد على تنفيذ القرار السابق، مما يشير الى ان الأمم المتحدة لم تعد تقع فقط تحت تأثير الفيتو الأميركي، بل لعلها اصبحت مؤسسة من مؤسسات البيت الابيض! وبالمقابل فهي تبيح لاسرائيل ممارسة دور واشنطن في الضغط على الأمم المتحدة في كافة المجالات، بما فيها المجال الانساني الذي انتهك أشد انتهاك طوال سنين الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين وعلى جميع المستويات. غياب الحقوق إن المنظمة الدولية التي من المفترض ان تكون راعية للسلم والأمن في العالم لم تستطع ان تفعل الكثير في الشأن الانساني الفلسطيني، حتى انها لم تستطع ان تقيّم الحالة الانسانية في فلسطين بمستواها المعروف. وهذا الأمر أدى الى انتهاكات علنية كان ضحيتها الشعب الفلسطيني الذي يعاني من أشد قوة عنصرية في العالم تمارس التطهير العرقي بكل دم بارد. ورغم المشاهد اليومية التي أرعبت الضمير الانساني لم تستطع الأمم المتحدة على الاطلاق ان تقدم صورة واضحة عن المجازر التي ارتكبت، ليس في جنين وحدها، بل في الأراضي الفلسطينية كاملة. فالتقرير الذي قدمته بشأن الاحداث بجنين لم يعط للحقيقة جزءاً من واقعها، حتى ان منظمة مراقبة حقوق الانسان انتقدت هذا التقرير ووصفته بالمعيب والخطير، حيث جاء في بيان لها ان التقرير الذي أعد بشأن الاحداث في جنين وبموجب قرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة بسبب الاعتراضات الاسرائيلية، اقتصر الى حد بعيد على عرض الآراء المتضاربة عن الاحداث التي وقعت ابان العمليات العسكرية الاسرائيلية، والواقع ان هذا التقرير كان يصف الادعاءات العامة التي اشتملت على الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي اثناء الاجتياح الاسرائيلي، ولكنه لا يستنتج أية استنتاجات عن صحة تلك الادعاءات بل انه يساوي في بعض جوانبه بين الجزار والضحية. والحقيقية ان الأمم المتحدة لم تستطع ان تقدم الوقائع التي حصلت في هذا المجال كون ما حصل في جنين يعتبر جرائم حرب، أضف الى ذلك ان منع الاغاثات الدولية الى الآن عن الشعب الفلسطيني يعد ايضاً في مستوى الجريمة، ورغم ان التقارير تشير الى هذه المسألة، لكن المنظمة الدولية لم تتخذ أية اجراءات بهذا الشأن ولم تشر الى محاسبة المسئولين عن الجرائم الانسانية التي ارتكبت وحتى عن جرائم منع وصول الاغاثات. ويبدو ان الضغط الاسرائيلي كان شديداً حتى ان المخولين بكتابة التقرير الانساني لم يستفيدوا من المصادر الواضحة، سواء على الأرض أو من خلال التقارير الصحفية الموثقة بالصور الإعلامية أو حتى من شهادات بعض العاملين في المنظمات الدولية داخل الأراضي المحتلة. ويمكن ان نقف على الاشكاليات الانسانية التي شابت هذا التقرير، فهو يشير الى وفاة مدنيين دون التدقيق بحالات الوفاة. أضف الى ذلك انه لا يتناول قضية القذائف التي كانت ترمى من الطائرات والدبابات بشكل عشوائي ولا تميز بين منزل أو مؤسسة أو مدرسة. والواقع ان التقرير الأخير الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي أعرب في ديباجته عن الأسف لعدم تعاون اسرائيل في تطبيق القرار 1405 حول الأحداث في جنين، بحاجة الى الوقوف عليه بترو كبير رغم ان القيادة الفلسطينية قد أيدته، ولكن كان تأييدها له لمحاولة تصويت أكبر عدد ممكن لمصلحة الفلسطينيين ولكسب الرأي العام. لقد جاء في النص الدولي انه لم يتم الحصول على تقرير شامل ومفصل حول الأحداث التي شهدتها جنين وبلدات فلسطينية أخرى، والتساؤل المشروع الآن: لماذا لم يتم ذلك أو بالاحرى لماذا لم تقم لجان تقصي الحقائق بعملها وهي المخولة لممارسة عملها حتى لو اضطرت الى استخدام القوة! والواضح ان الكيان الصهيوني وبدعم من واشنطن استطاع ان يؤثر على عمل اللجان، بل انه استطاع ان يحل ولمرات متعددة لجنة تقصي الحقائق وبأمر من الأمين العام! ان التقرير يطالب بالتوقف التام لعمليات التوغل العسكري وكافة أعمال العنف والارهاب والاستفزاز والتحريض والتدمير، وهو هنا يخلط جميع الاوراق ايضاً، ولعل هذا البند يقصد تحديداً العمليات الفدائية الفلسطينية التي تقوم بالدفاع عن أرضها وناسها، وبذلك يساوي هذا البند بين المقاومة المشروعة والمجازر التي يرتكبها الكيان الصهيوني، كما يطالب البيان بالانسحاب الفوري لقوات الاحتلال الاسرائيلية ولكنه يدعو لعودة هذه القوات الى مواقعها قبل سبتمبر 2000، أي انه لم يدع في الوقت ذاته لتطبيق القرارات السابقة أي الانسحاب الى حدود 1967. ولعل الأمم المتحدة ترى ان تنفيذ قراراتها السابقة بحاجة الى مفاوضات، لكن الحقيقة القانونية ان المفاوضات شأن ثنائي قد تتدخل فيها الأمم المتحدة، ولكن من حق الهيئة الدولية ان تطالب باستمرار بتنفيذ قراراتها بل يفترض عليها التدخل العسكري لتنفيذ هذه القرارات استناداً الى البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي يبيح استخدام القوة تجاه أية جهة لا تنصاع لتنفيذ قرارات المنظمة الدولية. وإذا كان البند الخاص بالمساعدات الانسانية والطبية قد جاء واضحاً، إلا انه في الوقت ذاته لم يشر الى العرقلة الاسرائيلية للجان المساعدات، بل ترك ذلك مفتوحاً، في اتهام واضح لكلا الطرفين رغم بداهة المسألة. ومن جهة ثانية فإن البيان لم يشر بشكل واضح الى الانتهاكات التي طالت المؤسسات الإعلامية الفلسطينية وما لاقاه الصحفيون من مشاكل أثناء القيام بواجباتهم المهنية، مما يشير الى حالة التردي الانساني التي عالج بها هذا التقرير المسألة الانسانية. واجمالاً فإن ما ورد في الصياغة لا يشير على الاطلاق الى أية خطوات عملية تقف بوجه محاسبة المسئولين عن العمليات الاجرامية التي قام بها جيش الاحتلال، خاصة تلك التي حصلت اثناء احتلال رام الله وجنين رغم ان جيش الاحتلال تعهد للمنظمة الدولية بمراقبة حقوق الانسان بالتحقيق بها، إلا انه لم يقدم حتى الآن أية أدلة للمنظمة تدل على قيامه بذلك، علماً بأن منظمة حقوق الانسان عملت منذ نوفمبر 2000 على ارسال بعثة دولية تتولى رصد الانتهاكات في غزة والضفة، وتبنت المنظمة الانسانية هذا الرأي كونها وجدت فاعلية في البعثة الدولية الصغيرة التي تتولى المراقبة في الخليل، وهذه البعثة محدودة الامكانيات ومؤقتة وصغيرة جداً، ومع ذلك فإن الكيان الصهيوني يحاصر عملها ويفرض بدوره المراقبة عليها وعلى تقاريرها ضمن قيود صارمة على تحركاتها، ويحظر عليها نشر أية تقارير أو نتائج تتوصل اليها بشكل علني قبل الاطلاع على محتواها لكي يحذف كل ما من شأنه ان يتهم اسرائيل. وعلى الرغم من كل هذه الانتهاكات الاسرائيلية فإن مناداة المنظمة الدولية لحقوق الانسان لم تلق أذناً صاغية من الأمم المتحدة، لأن الكيان الصهيوني المدعوم بشكل كبير من الولايات المتحدة رفض الحديث بشأن أية بعثة للمراقبة. الحقيقة الأوضح إن الولايات المتحدة قد استطاعت ان تفرض سيطرتها المطلقة على الأمم المتحدة ضمن تسلسل زمني نابع من الأحداث السياسية، وتجلى هذا بوضوح بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. فهي استطاعت ان تجمع العالم ضد العراق، وكذلك ضد يوغسلافيا من خلال حلف الناتو، ورغم انها انسحبت مع اسرائيل من مؤتمر دوربان المناهض للتمييز العنصري، إلا ان الولايات المتحدة استطاعت ان تفرض بعضا من سيطرتها على هذا المؤتمر وقراراته التي لم تستطع الخروج ببيان يساوي بين الصهيونية والعنصرية رغم ان أحد قرارات الأمم المتحدة يقر بذلك. ويبدو ان واشنطن لم تكتف الى الآن بهذه السيطرة، بل لقد تقدمت بمشروع قرار يطالب باستثناء الاميركيين المشاركين في قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة من أية ملاحقات من قبل الحكومة الجنائية الدولية وذلك قبل تأسيسها، وهددت واشنطن على لسان ريتشارد ويليامسون نائب المندوب الاميركي الدائم لدى الأمم المتحدة بوقف المساهمة الأميركية في قوات حفظ السلام في حال عدم استثناء الاميركيين المشاركين في هذه القوات من الملاحقة القانونية. والواقع ان الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة التي عارضت انشاء المحكمة الجنائية الدولية، ويبدو من هذه المعارضة التي ظهرت تحديداً في زمن الرئيس الأميركي الحالي جورج بوش ان واشنطن لا تريد فقط السيطرة على الأمم المتحدة والعالم، بل تريد اباحة ارتكاب الارهاب الدولي ولكن فقط لنفسها ولاسرائيل التي باتت هي الأخرى تمارس الضغط على المنظمة الدولية المترهلة سواء على المستوى الداخلي أو على المستوى الخارجي، فالأمم المتحدة تعاني من مجموعة مشاكل أولها بالطبع السيطرة الأميركية على القرار الدولي، وثانيها مشاكل اقتصادية وثالثها مشاكل تتعلق ببنيتها الادارية، وتبقى المسألة المهمة في آلية تنفيذ القرارات التي تصدرها، فهذه القرارات لا آلية لها إلا بارادة واشنطن، والكل يعلم كيف تتدخل الولايات المتحدة ولمصلحة من!! ان الأمم المتحدة بوصفها الراعي الأول للانسان لا تقدم له اليوم إلا ما تريده الادارة الأميركية، وبالطبع في النهاية ما تريده اسرائيل، ولعل ما يجري اليوم من انتهاك لحقوق الانسان الفلسطيني يعتبر الصورة الأشد اظلاماً في تاريخ المنظمة الدولية، فالكيان الصهيوني يمارس قائمة طويلة من الانتهاكات الانسانية دون رادع، وإذا كانت هناك بعض التقارير التي لم ترق الى قانون ملزم فهذه التقارير لا تحمل على الاطلاق أهمية عملية كبيرة كونها لا تلزم الكيان الصهيوني بشيء، بل تبقى كما يقولون حبراً على ورق، ولم يعد لنا فيها كعرب ناقة أو جمل. ويبدو ان التأثير على الأمم المتحدة كي تقوم بعملها الذي من المفترض ان يكون عادلاً، يمر عبر التأثير على الولايات المتحدة فهي اليوم صاحبة القرار الأعلى في هيئات المنظمة الدولية التي باتت بحاجة الى اصلاح حقيقي، وبالمقابل فمازال العرب يمتلكون القوة للتأثير على واشنطن، رغم كل القوة التي تمتلكها ورغم كل محاولتها التي تسعى من خلالها للسيطرة على العالم. وقوة العرب باتت ترتبط اليوم بالارادة القوية، بل لعلها صارت في هذه المرحلة تتمثل في القول الشكسبيري «نكون أو لا نكون».. ـ كاتب فلسطيني