أثار التقرير الذي اصدره بداية الشهر الجاري الامين العام للأمم المتحدة، ردود فعل متباينة وانتقادات قاسية، لتبرئته المحتلين الصهاينة من المذبحة التي اقترفوها في مخيم جنين بعد اجتياحهم وتدميرهم له في ابريل الماضي. وربما جاء التقرير مفاجئاً لبعض ممن لا يزالون يتوهمون دورا دولياً لهذه المنظمة وامينها العام، خارج حذاء «الكاوبوي» الذي ينتعله الرئيس الاميركي جورج بوش الابن. غير ان التقرير في جوهره لا يخرج عن اطار العجز المزمن الذي اصطبغت به الامم المتحدة منذ عقود عديدة، خاصة بالنسبة للقضايا العربية عامة وللقضية الفلسطينية بشكل خاص، فضلاً عن التبعية المطلقة للقرار الاميركي التي حولت هذه المنظمة الدولية، او التي يفترض انها دولية، الى ما يشبه دور المكتب الاعلامي للخارجية الاميركية، او مجرد مكتب اضافي للعلاقات العامة. لكن أليس من الانصاف، في الوقت ذاته، الاعتراف بأن الامين العام والأمم المتحدة بكل هيئاتها، انما هي انعكاس لحال الدول الاعضاء فيها، وبالتالي للوضع الدولي المختل اكثر من اي وقت سابق، منذ ان اصبحت الولايات المتحدة الاميركية تعتبر العالم كله مستعمرة تابعة وميداناً لتنفيذ هيمنتها المطلقة ورؤيتها الاحادية دون رادع او حتى اعتراض، ولو شكلي! ورغم كل ذلك، فإن التقرير المشين و «المعيب» كما وصفته اكثر من منظمة دولية، قد نزع اخر ورقة توت عن الهيكل المهترئ والمتهالك للامم المتحدة، بعد ان عرتها اميركا من كل صفة دولية او اخلاقية. فقد عرفت هذه المنظمة عبر تاريخها الممتد منذ انشائها عام 1945 مواقف اكثر عدلا وانصافا، وامناء عامين اتصفوا بالكثير من المصداقية والنزاهة، امثال السويدي داغ همر شولد والنمساوي «رئيس الدولة فيما بعد» كورت فالدهايم. بل ان الامين العام السابق الدكتور بطرس غالي الذي واجه موقفا مشابها لموقف الامين العام الحالي بشأن التحقيق في مجزرة قانا الاسرائيلية عام 1996، قد استطاع الوقوف الى جانب الحق ونشر التقرير الذي يدين المجرمين الصهاينة، رغم كل الضغوط التي ادت في النهاية الى فقدانه لمنصبه بعدم التجديد له في ولاية ثانية. فلماذا، اذن، اصر كوفي عنان على اصدار شهادة مزورة وتقرير ملفق؟ ولماذا ساوى بين المعتدي والمعتدى عليه، رغم ما شاهده العالم كله بالبث الحي والمباشر عبر شاشات التلفزيون المختلفة؟! ألم يكن بإمكانه على الاقل، مواصلة الصمت والانزواء بدلا من هذا التزوير المكشوف؟ لقد رفضت اسرائيل استقبال لجنة التحقيق التي تشكلت بناء على قرار من الجمعية العامة للامم المتحدة، وليس بإرادة الامين العام ومع ذلك واستجابة بل خضوعا للصلف والغطرسة الاسرائيلية، اقدم كوفي عنان بقرار شخصي منه على حل اللجنة، دون الرجوع الى الجمعية العامة، او حتى الى مجلس الامن، رغم معرفته المسبقة بمدى الهيمنة الاميركية على هذا المجلس وانه في النهاية لن يخرج عن ارادة واشنطن التي تحكمها رغبات العدوان الاسرائيلي. لقد اختار «الامين» العام الانحياز الى كل ما يخالف امانة منصبه وموقعه، ويخالف ميثاق الامم المتحدة وقراراتها العديدة، ويناقض كل القيم والمباديء التي قامت عليها، ولو نظريا. بل ان كوفي عنان، ابن العالم الثالث «غير البار طبعا» وابن البلد الذي انجب كوامي نيكروما، احد ابرز الزعامات الثورية في تاريخ افريقيا الحديث، لم يكتف بتعرية نفسه والانسلاخ كليا من ميثاق الامم المتحدة ومبادئها، وانما دفع بهذه المنظمة الدولية الى هوة سحيقة من الانتحار الاخلاقي المهين. فما الذي يمكن ان ننتظره بعذ ذلك من هذه المنظمة ومن امينها .. غير الأمين؟!