العلاقة بين النظم العربية والتيار الاسلامي السياسي ما زالت تمثل معضلة فلا التيار الاسلامي غائب عن الساحة ولا هو مطلق السراح يمارس عمله كسائر القوى السياسية. وقد أثيرت القضية في مصر أخيرا عبر توتر استجد بين الإخوان المسلمين والحكومة، وانعكس على هجمة أمنية تم فيها القبض على عناصر من الاخوان وتقديمهم للمحاكمة. والأمر يتكرر والعلاقة بين كر وفر تتحرك عناصر الاخوان بشكل علني وتعلن عن استعدادها لاعلان حزب سياسي وتغمض الحكومة العين والأذن ثم ينقلب كل شئ فيجري اعتقال بعض العناصر والتهمة: اقامة تنظيم غير مشروع. وأظن أن الشيء نفسه بتنويعات مختلفة يجري في مجمل الوطن العربي والذي يأخذ فيه التيار الاسلامي أشكالا عدة. فهو في الجزائر يمارس إرهابا غير مبرر وغير منطقي، وفيه يموت الأطفال وتموت النساء وتموت عناصر مدنية دون ذنب.. وهو في السودان أساس الحكم وسنده، وإن تم الطلاق بين حين وآخر.. أما في الكويت فهو قوة أساسية، البعض منها يعمل لأغراض الخير والبعض قابض على مقاعد مجلس الأمة يمارس السلطة أو يغازلها أو يعاديها. وتتعدد التجارب، فهو صلب الكفاح في جنوب لبنان، وهو فصيل أساسي للمقاومة في فلسطين. هذا التنوع في الاداء يجعل ادارة العلاقات مع التيار الاسلامي مختلفة من بلد الى بلد، ومن حالة الى حالة وربما من فترة زمنية لفترة أخرى.. ومع ذلك تبقى الحقائق الموضوعية التي لا نستطيع تجاهلها. وأول هذه الحقائق أن الاسلام السياسي ليس بجديد على العالم العربي، واذا كانت أبرز تنظيماته والتي انتشرت في أكثر من بلد عربي هي «الاخوان المسلمون» فالإخوان قد بدأوا في الثلاثينيات من القرن الماضي واشتد عودهم حتى تحول فصيل منهم الى كتيبة مسلحة قبل ثورة يوليو وقاموا باغتيالات لعناصر سياسية في الحكم وحاولوا اغتيال عبدالناصر ولقى شيخهم «حسن البنا» نفس المصير في عهد الملكية.. و.. حين تقرر حظر نشاط الاخوان المسلمين في مصر في الخمسينيات انتقل العمل ليكون تحت الأرض.. ينمو أحيانا ويذبل أحيانا، يصارع السلطة أحيانا، ويسعى للسلطة في أحيان أخرى. إنها فلسفة «الكر والفر» والتي مازالت تحكم العلاقة حتى الآن. والحقيقة الثانية وإذا كنا نتحدث عن مجتمعات ديمقراطية نقيمها، فإنه من الطبيعي أن يكون المنبع الاسلامي أساسا لحركة سياسية فكما اعتنق البعض فكرة ادارة المجتمع من خلال فلسفة وضعية مثل الليبرالية أو الماركسية فإن البعض قد يرى في الدين وما تضمنه طريقا أمثل لادارة المجتمع. الاجتهاد حق الجميع، والاسلام مكون رئيسي من مكونات الحضارة العربية والمجتمعات العربية ومن ثم فإننا لا نستطيع مصادرة ما يراه البعض حقا لهم لكي يصبحوا جزءا من حركة المجتمع السياسية، يتنافسون مع الآخرين، ويتبادلون الاعتراف بالقوى الأخرى. الحقيقة الثالثة، وأمام اجتهادات مختلفة في ادارة المجتمعات هو أننا لا نصادر الاجتهاد الاسلامي، ولا ينبغي أن نفعل بحجة قسمة المجتمع على اساس ديني، لكن ما ينبغي مصادرته هو احتكار العمل السياسي أو الوطني ومن ثم فإن احزاب الاسلام السياسي، ومثلها الأحزاب المسيحية لا ينبغي أن تتحرك بفكرة الحق الالهي، فهي ليست صاحبة رسالة نزلت من السماء، لكنها صاحبة اجتهاد وضعي وانساني يرتكز على ما نزل من السماء. فالمجتمع العربي، في معظمه، مجتمع اسلامي، ومن ثم فإن الاسلام هو العقيدة وهو مظلة الجميع وغير قابل للاحتكار، والخلاف مع ما يقدمه هؤلاء الاسلاميون المجتهدون لا ينبغي أن يصل بنا الى نهاية الشوط.. الى التكفير على سبيل المثال. الحقيقة الرابعة، ورغم صراع قديم بين الأنظمة والتيار الاسلامي، أو وفاق قديم في بعض الدول. رغم ذلك فإن جديدا قد طرأ وهو أن عنصرا خارجيا بات ضاغطا ويحمل قبعة أمريكية، فالولايات المتحدة تطارد الاسلاميين حيثما كانوا وتظن أنهم العدو الأول وتطلب مطاردة أمنية لهم، ولأفكارهم، ونظم تعليمهم التي تتبناها الحكومات ذاتها، بل ومشروعاتهم الخيرية. إنه إرهاب مضاد تمارسه دولة أجنبية وتحاول تطويع الآخرين ليسيروا في ركبها. السؤال: أين نحن من ذلك كله؟. أين نحن من جدول أعمال قديم كان لابد أن نحسمه، ضمن ما نحسم من طريقة للحكم وادارة المجتمعات وممارسة الديمقراطية.. ثم جدول أعمال مختلف فرضته بيئة دولية جديدة؟ وأظن أن الجواب يبدأ من التسليم بأهمية الديمقراطية والمشاركة السياسية وحق كل فئات المجتمع في هذه المشاركة. نعم.. نرفض العنف، ولكن علينا أن نقبل كل الاجتهادات، فإذا وصل الاسلاميون الى الحكم ديمقراطيا فأهلا بهم، واذا اختارت المجتمعات شيئا آخر فلابد أن نقبله، وأظننا بحاجة لتضافر كل القوى، وكل الاجتهادات فصراعنا الرئيسي مع التخلف والتبعية والوحدة الوطنية هنا قضية أساسية، والاسلاميون أمامنا صنفان: صنف يقتل في الجزائر.. وصنف يحرر الأرض في فلسطين.