في 7 اغسطس من العام المنصرم وقع صدام امني بين اجهزة الحكم وطلاب الاحزاب المعارضة اسفر عن خلاف شرس بين اطراف الحكم، ولاسيما بين رئيسي الجمهورية والحكومة، كما اسفر عن توسيع قاعدة المعارضة اثر التفاهم الذي جرى بين «لقاء قرنة شهوان» الذي يجمع قيادات مسيحية والزعيم الدرزي وليد جنبلاط. قبل عام كان المشهد اللبناني في غاية الوضوح: معارضة مسيحية تتوحّد وتوسّع قاعدتها الوطنية، وحكم وطني يتمزق وتضيق رقعة حركته. أما اليوم، وبعد عام، فقد انقلب المشهد رأساً على عقب: معارضة تتفسخ وحكم يتماسك. ولا أدل على تفسّخ المعارضة من المهرجان الذي دعت اليه في ذكرى 7 اغسطس من هذا العام والذي كان نجماه الرئيس الاسبق امين الجميّل والجنرال ميشال عون اللذين هاجما بشدة الحكم وسوريا. ولكن اللافت كان غياب ممثل البطريرك الماروني وحزب الكتلة الوطنية، بالاضافة الى تحفظ صدر عن بعض قيادات «لقاء قرنة شهوان» فور انتهاء المهرجان. اما الغائب الاكبر فكان وليد جنبلاط الذي انتقد مباشرة زيارة الرئيس امين الجميّل الاخيرة الى واشنطن، واعلن صراحة بأنه يعارض طروحات المعارضة المسيحية مشيرا الى انه يرفض تحويل قضية الحريات شعارا يخفي تجييشاً طائفياً. وفي حركة لها دلالتها تعمد ان يلتقي رئيس الجمهورية اميل لحود في يوم 7 اغسطس بالذات. والى غياب وليد جنبلاط عن احتفالات المعارضة وحضوره في القصر الجمهوري، نسجل البيان الذي اصدره مجلس المطارنة الموارنة برئاسة البطريرك الماروني والذي اتسم بلهجة هادئة ومرنة. وهكذا ظهرت المعارضة مفسّخة ومعزولة. امام مشهد المعارضة، يبدو مشهد الحكم ينحو الى التماسك. فقد طرأ تطور ايجابي على العلاقة بين رئيس الجمهورية اميل لحود ورئيس الحكومة رفيق الحريري مما ساعد على حلّ ازمة الخليوي، ودفع باتجاه عقد لقاء «غسل القلوب» بين الرئيسين. وارى ان لقاء الرئيسين يفتح صفحة جديدة في سجل الحكم الذي راح يتماسك في مواجهة الظروف الداخلية والاقليمية المرتقبة. فقد فرضت هذه الظروف التفاهم بين اهل الحكم بغية التغلّب على الصعوبات الاقتصادية في الداخل، وعلى الازمات المتفجرة في الخارج، سواء في فلسطين ام في العراق، مع ما تجرّه من انعكاسات على لبنان. وامام تهافت المعارضة، فان الفرصة باتت سانحة للحكم كي يحرّك عجلة الدولة على الصعيد الاداري عن طريق اصلاح اداري جذري واجراء التشكيلات والتعيينات على مختلف الصعد، ولاسيما على صعيد المناقلات الدبلوماسية والقضائية المجمدة منذ فترة غير قصيرة. كما ان الفرصة متاحة لاجراء لقاءات وحوارات سياسية بين اهل الحكم وبعض اهل المعارضة لتبديل المناخات السلبية التي لا تشجع المستثمرين على الاستثمار، ولاطلاق اجواء توحي بالثقة وتسمح بانعقاد مؤتمر اصدقاء لبنان من المناحين المعروف بـ «باريس 2». بالطبع لا اتوقع ان ينهار تحالف المعارضات فالمصيبة تجمعها. ولا أتوقع ازالة كل الخلافات بين اهل الحكم فلبنان بلد الخلافات الدائمة. ما اتوقعه ان تدخل المعارضة في حالة تجاذبات داخلية تضعفها من دون ان تقضي عليها، وان يدخل اهل الحكم في حالة تفاهم تقويهم من دون اسقاط كل خلافاتهم في الحاضر والمستقبل. صورة اغسطس 2002 باتت مختلفة عن صورة اغسطس 2001. في العام الماضي كانت المعارضة تتقدم والحكم يتراجع. اما في العام الحالي، فالمعارضة هي في حالة تراجع، والحكم في حال تقدم، واميل لحود عاد ليحتل الموقع المميز له ليس فقط على الصعيد الخارجي، بل ايضا على الصعيد الداخلي، مما يبشّر بمستقبل اقل انسداداً واكثر انفتاحاً على المعالجات. لبنان بات يتنفس بصورة افضل في الوقت الحاضر.