كان يمكن لمهرجان انطلياس الذي أقامته المعارضة اللبنانية بمناسبة أحداث السابع من أغسطس في العام الماضي أمام قصر العدل اللبناني، أن يكون تصعيداً تقليدياً في إطار اللعبة اللبنانية للصراع، مابين المعارضة والسلطة «المستقوية بالرعاية السورية» حول مصير الحريات في لبنان، لولا برقية النائب الديمقراطي الأميركي عن ولاية نيويورك إليوت آنجل، التي وعد فيها المؤتمرين أنه سيبذل كل جهده لتمرير قانون محاسبة سوريا في الكونغرس المقترح تحت اسم «مسئولية سوريا للعام 2002»، والتي ألهبت الأكف والكلمات بالتصفيق والثناء، وكأن هناك تتمة مابين مؤتمر لوس آنجلوس الذي عقده المؤتمر الماروني العالمي، وتبنى فيه بصورةٍ شبه حرفية شروط شارون الثمانية، وشارك فيه وفد من لقاء قرنة شهوان المعارض، والذي أوصى بدعم قانون محاسبة سوريا في الكونغرس، وبين مهرجان انطلياس. و لقد سبق لإليوت هذا أن تصدّر مع زعيم الأكثرية في المجلس النائب الجمهوري ديك آرمي، مشروع «قانون مسئولية سوريا للعام 2002» بسبب دعمها للإرهاب، و«احتلالها» لبنان، وتطوير أسلحة الدمار الشامل، واستيرادها غير الشرعي للنفط العراقي، وسماحها لحزب الله بشن هجمات على «مراكز إسرائيلية في مزارع شبعا تحت زعم غير صحيح بأنها أراضٍ لبنانية»... إلخ. وآرمي هو صاحب التصريح الذي قال فيه بحق إسرائيل في كل «أرض إسرائيل» التوراتية، والذي يكره الفلسطينيين أكثر مما يكرههم جابوتنسكي صاحب نظرية «السور الحديدي» وسلالته الممتدة من بيغين إلى شامير فنتانياهو فشارون. أما إليوت الذي صفقت له قاعة انطلياس، فهو ليس نصيراً لحرية لبنان وسيادته، بقدر ماهو نصير متطرف لإسرائيل، وتطرفه الإسرائيلي هو الذي يفسر حرصه على «سيادة لبنان وحريته» من سوريا التي تغطي «الإرهاب» ضد إسرائيل، و«تبقي حالة الحرب مع إسرائيل» و«ترفض العروض الإسرائيلية السخية للسلام» ويتهم مندوبها في مجلس الأمن «إسرائيل كذباً بذبح الفلسطينيين»، ويرى أن السلطة الفلسطينية هي طالبان الشرق الأوسط، وأن منظمة التحرير الفلسطينية منظمة إرهابية، وأن الرئيس بوش قد أخطأ بتأييد قيام دولة فلسطينية، وأن الحليف الوحيد لأميركا في المنطقة هو إسرائيل، إلى قائمة طويلة من التصريحات والمواقف. ولقد توضّح الآن أن «الغرفة الخضراء» في المؤتمر الماروني العالمي، وركائزها في المعارضة اللبنانية التي يقترب بعضها أكثر فأكثر من المعارضة العراقية في وضع نفسه في خدمة السيد الامبراطوري، حين أوصت بدعم قانون محاسبة سوريا، والتنسيق معه لم تكن تقصد إلا أمثال إليوت. إن موقف إدارة بوش من سوريا المصنفة في تقديرنا في «منزلة مابين المنزلتين» يبدو معتدلاً بالقياس إلى إليوت وجماعة قانون محاسبة سوريا. وهذه الإدارة تتمنى لو يكون السوريون خارج لبنان اليوم وليس غداً كما صرح وزير الخارجية كولن باول، غير أنها لم تسحب إلى الآن اعترافها بالدور الإقليمي السوري في لبنان، ورفضت تطوير مستوى العلاقة مع المعارضة اللبنانية إلى أكثر من مستوى العلاقة مع سفيرها باتل في لبنان، الذي يصول ويجول ويتصل ويطلق التقويمات والتصريحات هنا وهناك حول أدق التفاصيل في لبنان من خلافات الترويكا والرأي بالبطرك ومراسيم الحكومة وسبل تطوير تربية الأبقار. وبالطبع ليس قانون محاسبة سوريا ملزماً للإدارة في حال تمريره كما وعد إليوت مهرجان انطلياس، لكن الإدارة ستستخدمه كوسيلةٍ لمزيد من الضغط على سوريا، وإدماجها في «مذهب بوش»، وعدم الاكتفاء بتعاونها الأمني الفعّال. ويبدو أن دمشق قد استبقت الضغوط الجارية لتمرير قانون محاسبتها أمام الكونغرس، ومايمكن أن يترتب عليه من عقوبات «مع أن هذه العقوبات ليست ذات شأن خطير بالنظر إلى أن سوريا لاتتلقى أي مساعدات أميركية وتبادلها التجاري مع أميركا محدود، ويمكن أن تعوض الحصول على التكنولوجيا بقنوات بديلة» بإبقاء خط الحوار والتزاور مابينها وبين واشنطن قائماً، ومحاولة القيام بحملة علاقات عامة في بعض المؤسسات والصحف الأميركية، وتوقيع اتفاقية ثقافية سورية-أميركية. إن مهرجان انطلياس رغم بروز تيار نسيب لحود المؤطر في حركة التجدد الديمقراطي في الرقص نسبياً خارج الدبكة لم يستطع أن يأخذ مسافة عن مؤتمر لوس آنجلوس، وبناء الطيف المعارض على قاعدة أن العداء لسوريا ليس هو المدخل لبناء الولاء للبنان، فهناك فرق بين رفض ممارسات الأجهزة السورية في لبنان، والعمل لإزالة هذه الممارسات الضارة بالتأكيد بالعلاقة مابين البلدين، وبين الحد من التغول الحكومي في الانتقاص من الديمقراطية اللبنانية وبين الاستقواء بجماعة إليوت وآرمي في مجلس النواب الأميركي ضد سوريا، التي لا تضغط من أجل تمرير مشروع محاسبة سوريا من أجل عيون جماعة لوس أنجلوس وانطلياس بل من أجل إسرائيل دون أي رتوش. لقد وصف الجنرال عون المتحمس لقانون إليوت وآرمي وكأنه هو الذي أعده، أولئك الذين يدافعون عن العلاقة الاستراتيجية السورية ـ اللبنانية بأنهم «عملاء»، أي بنفس مفردات الحرب الأهلية العمياء، لكن ماعسى أن يصف به الآخرون أولئك الذين صفقوا لكلمة إليوت ذي الوجه القبيح الذي لايمكن لأحد أن يسوّقه دون احتمال التعرض لرميه بالعمالة، وفي مقدمتهم الجنرال الذي لايزال غائصاً في متاهته؟