قطعت التحضيرات الجارية في بيروت بين محامين وحقوقيين عرب لملاحقة اسرائيل قانونياً على جرائم الحرب التي ارتكبتها ولاتزال تمعن بالمزيد منها، اشواطاً متقدمة. فقد نشطت مجموعة من هؤلاء على انجاز الملفات القانونية اللازمة حول الاعمال الاجرامية خلال الاشهر الاخيرة بالذات، وصولاً الى مجزرة مدينة جنين ومخيمها، والانتهاكات الصارخة والمكشوفة، التي تضاف الى العنوان العريض حول جرائم الحرب التي بدأتها العصابات الصهيونية بطرد شعب بأكمله من ارضه عام 1948، بدءا بمجزرة دير ياسين وغيرها، ومرورا بأعمال مماثلة كثيرة منذ ذلك الوقت حتى الان، وهي لم تقتصر على فلسطين بل شملت اجزاء عدة ايضا من لبنان وسوريا والاردن ومصر التي مازالت بعض المجازر التي استهدفت قتل الاسرى فيها مخفية. ما أبرز ما تتضمنه تلك الملفات حتى الان؟ وهل من جدوى مأمولة من طلب السلطة الفلسطينية، تحريكها وتقديم دعاوى امام محاكم دولية، خاصة في ظل امعان الولايات المتحدة الاميركية في انحيازها الاعمى لاسرائيل، بما يجعل فكرة محاكمتها دولياً، وفرض عقوبات على الجرائم التي ترتكبها، مجرد «حلم عربي طويل وجميل»؟ كانت السلطة قد اتصلت الاسبوع الماضي بمحامين وحقوقيين لبنانيين وعرب طالبة القيام بتحرك جماعي فاعل في ذلك الاتجاه. وللاجابة عن محتويات الملفات التي تم انجازها وجدوى الدعاوى ضد اسرائيل تحدث الى «بيان الاربعاء» بعض المعنيين بطلب السلطة وهم: رياض العارضة المحامي عضو مجلس بلدية جنين عضو لجنة التوثيق الوطنية، البروفيسور شبلي الملاط رئيس مركز الدراسات الاوروبية في جامعة القديس يوسف في بيروت «اليسوعية»، صبحي غانم ظاهر رئيس اتحاد الحقوقيين الفلسطينيين في لبنان. اضافة الى وجهة نظر الدكتور عادل محمد البياتي باسم «الامانة العامة لجامعة الدول العربية». وهناك عدة ملاحظات اساسية ابداها الجميع: ـ مجزرة مخيم جنين تمت عن سابق قصد وتعميم، تماماً كما حصل في صبرا وشاتيلا اثناء اجتياح العام 1982، فقد عثر عام 1999 على خرائط للمخيم جرى انجازها في السنة 1997، وقد فرزت مبانيها على أساس الارقام. بما يسهل لاحقاً الاغارة جوا وضرب بعضها بدقة متناهية وهذا ما حصل. ـ شهدت اسرائيل بلبلة نتيجة قبولها بلجنة تقصي الحقائق حول جنين، ثم رفضها لها. وقد بني هذا الرفض بناء على نصيحة من استاذ في جامعة كامبريدج البريطانية يدعى موشي كوشنفسكي. ـ ثمة اجماع على ان الدعاوى امام المحاكم الدولية باتت تشكل خطرا على المسئولين الاسرائيليين المتورطين، سواء كانوا سياسيين ام عسكريين. ـ كذلك ثمة اتجاه، يقول البروفيسور الملاط، لاقامة مثل تلك الدعاوى لدى محاكم في الولايات المتحدة الاميركية: «فهناك قضاة اميركيون لديهم الجرأة والنزاهة والعدل بما يجعلهم يدعمون الحقوق العادلة حتى لو كانت عربية ضد اسرائيل». ـ كتاب «مذكرات شارون» يكفي «لادانته من فمه» بمسئوليته المباشرة عن حصول مجازر صبرا وشاتيلا في بيروت عام 1982. ... تلك ابرز ما في المحصلة، ولكن ماذا في التفاصيل السريعة التي يوردها هؤلاء الحقوقيون والباحثون الاربعة حولها؟ دعوى مجزرة جنين يقول المحامي رياض العارضة ان: «ما يتضمنه ملف دعوى مجزرة جنين يبرز الهجمة الصهيونية الممنهجة والمخطط لها بعناية منذ مدة طويلة. ففي العام 1999 عثر في المخيم على صورة جوية عمودية كانت قد التقطت لاحيائه ومحيطه منذ العام 1997. وقد قام بتصويرها الجيش الغاصب. وكانت عبارة عن منازل للمخيم تم ترقيمها بحيث تحدد الاهداف لقادة طائرات الاباتشي». يضيف العارضة: «لقد تعرضت مدينة جنين ومخيمها الى اجتياح كبير بدأ صباح يوم 3/4/2002 واستمر حتى تاريخ 1942002، وبهدف تسهيل مهمته لجأت قوات الاحتلال الاسرائيلي. ومنذ اللحظات الاولى الى تنفيذ سلسلة من الخطوات ابرزها: قطع التيار الكهربائي والمياه عن المدينة، منع حركة سيارات الاسعاف والاطباء من التحرك واطلاق النار على كل من يخالف قرارات المنع وقامت قوات الاحتلال بقصف غرفة الاوكسجين في مستشفى جنين الحكومي وانابيب الاوكسجين في مستشفى الرازي بواسطة الرصاص الثقيل، بهدف معالجة الجرحى. ومنذ تاريخ 342002 منع الصحافيون والصليب الاحمر الدولي من دخول مدينة جنين ومخيمها حتى تاريخ 15 منه، اي بعد صدور قرار من ما يسمى بـ «محكمة العدل العليا» «!» في اسرائيل، منع وصول المساعدات الطبية والمواد التموينية التي وصلت الى المدينة والمخيم من الاخوة العرب داخل «الخط الاخضر» ومنع المواطنين من نقل المصابين الى المستشفيات بواسطة سيارات الهلال الاحمر الفلسطيني، فبقي العديد منهم ينزفون حتى الموت، كما قامت قوات الاحتلال بهدم المنازل وحرقها، حتى سجل حرق اكثر من 40 منزلاً في مدينة جنين، واكثر من 30 محلاً تجارياً وما يزيد على 256 منزلاً سويت مع الارض كما تم تدمير 265 منزلا بشكل جزئي، وباقي منازل المخيم، والبالغ عددها 280 يمكن اصلاحها». ثم يتابع قائلاً: «بعد جنين تم تشريد جميع اهالي المخيم، حيث اسفر العدوان عن 57 شهيداً وعشرة مفقودين، وايضا 259 جريحاً، غالبية جروحهم خطيرة، وفي المناطق الحساسة في الجسم، ومايزال معظمهم تحت العلاج، وكان من بين الشهداء اكثر من خمسة معاقين من ذوي الاحتياجات الخاصة، كما تم قتل عدد من المواطنين بدم بارد «اي اعدام خارج القانون»، بالاضافة الى ان الاسرائيليين استخدموا المواطنين دروعاً بشرية لاقتحام المنازل والازقة، بعد ان جرى اعتقال حوالي 300 مواطن، عوملوا معاملة وحشية تفتقر الى ابسط قواعد حقوق الانسان، كما انهم قاموا بتدمير البنى التحتية لمدينة جنين ومخيمها والتي بلغت تكاليف انشائها حوالي 121 مليون دولار تستثنى منها الابنية العامة والخاصة، وتدمير حوالي 900 سيارة خاصة للمواطنين». ثم يوضح المحامي العارضة ابرز الخطوات التي تحققت في اطار مواجهة المجزرة بعد الاجتياح شكلت لجنة من المحامين المتطوعين بلغ عددهم 16 محامياً من جنين التقوا بوفود وسياسيين اجانب، سواء اثناء زيارات الوفود والسياسيين الاجانب الى المنطقة، ومن خلال جولات خارجية نظمها هؤلاء خاصة الى اوروبا حيث شرحوا حقيقة الفظائع الصهيونية الجديدة في فلسطين. وقد تم كل ذلك في اطار حملة التضامن مع الشعب الفلسطيني في محنته، بالتعاون مع المنظمة العربية للمحامين الشباب، شملت ايضا بعض الدول والهيئات العربية. وكل ذلك بهدف التحضير لدعوى دولية ضد ارييل شارون ومجرمي الحرب من شركائه في ما يحصل، ومازال ضد شعبنا الصامد». خروقات من جهته يسلط البروفيسور الملاط بعض الجوانب المتعلقة بالخروقات الامنية في قضية مجزرة جنين، خاصة لجهة منع سلطات الاحتلال الاسرائيلي «لجنة تقصي الحقائق» من القيام بواجبها ومهامها هناك، فيقول: «من الناحية القانونية يطرح السؤال الكبير: هل انتهى موضوع انتهاكات اسرائيل للقوانين الدولية، والتي توجت مؤخراً في مخيم جنين». والسؤال يرتبط بدور لجنة تقصي الحقائق والشرعية التي تعتمد عليها، والرد الذي قابلته بها حكومة اسرائيل. فمن المعروف ان لجنة تقصي الحقائق في مخيم جنين، شكلت بناء على قرار صادر عن مجلس الامن الدولي وهو القرار 1405 تاريخ 19 ابريل 2002. وهذا القرار يطلب من الامم المتحدة ارسال بعثة لتقصي الحقائق في الحوادث التي وقعت في مخيم جنين، وفي سائر المناطق المحتلة. وبناء على ذلك، شكل كوفي عنان الامين العام للامم المتحدة لجنة لتقصي الحقائق في مخيم جنين، وللوقوف على ما قامت به اسرائيل من مجازر وجرائم حرب، وهذا الفريق مؤلف من ثلاثة اشخاص اساسيين برئاسة الرئيس الفنلندي السابق مارتي اهتيساري، وعضوية المفوضة العامة السابقة للامم المتحدة لشئون اللاجئين ساداكو اماثو، والرئيس السابق للجنة الدولية للصليب الاحمر كورنيليو ساما روغا، ويرافق الفريق خبير عسكري هو الميجور جنرال الاميركي المتقاعد ويليام ناش، وقائد قوات الشرطة التابعة للامم المتحدة في البوسنة طوماس بيتر فيتزجيرالد كمستشارين في الشئون العسكرية وشئون الشرطة. مهمة هذه اللجنة، او هذا الفريق، ليست مقيدة بفترة زمنية محددة، فهو يركّز اساساً على جنين، ولكنه يمكن ان يتحرّى في اماكن اخرى، ومهمته تجميع الحقائق وليس الاستجواب والتحقيق، وهكذا فقد توجهت هذه اللجنة الى جنيف بانتظار الترتيبات لاستقبالها في اسرائيل. ـ ماذا حصل بعد ذلك على صعيد ردات الفعل الاسرائيلية؟ يجيب: «كانت اول ردة فعل رسمية من قبل الحكومة الاسرائيلية القبول بتلك اللجنة، باعتبار انها لا تملك ما تخفيه في مخيم جنين الذي تحول انقاضاً بفعل الاجتياح. ولكن بعض التكهنات عن خطر هذه اللجنة بدأت تصدر في الصحافة الاسرائيلية، وتتحدث عن مآخذ عليها، لناحية الاشخاص المعنيين فيها، ولاسيما الرئيس السابق للجنة الصليب الاحمر الدولي، وازاء هذا الواقع وبناء على طلب اسرائيلي تمت اضافة اسم عسكري اميركي على اللائحة، الا انه وبالرغم من ذلك تزايدت اخبار رفض اوساط اسرائيلية لتلك اللجنة، الى ان اتضحت الصورة، وقد كانت كالتالي: بعد صدور القرار 1405، طلب المسئول القانوني في وزارة الدفاع الاسرائيلية ويدعى موشي كوشنفسكي، من خبير قانوني في جامعة «كامبريدج» في بريطانيا، ويدعى دانيال بيت لحم، رأيه في هذه اللجنة، وبالفعل فقد ارسل هذا الخبير دراسة قاسية اللهجة جدا الى كوشنفسكي، يحذّر فيها من قبول هذه اللجنة، نظرا لما يترتب عليها من نتائج سياسية ومعنوية، عارضاً بدراسته ان النتائج القانونية جدية، وهي تشكل تهديداً للاشخاص الذين اشتركوا بالعمليات العسكرية في الضفة الغربية، وتعرضهم لمحاكمة دولية تبعاً للنتائج التي تتوصل اليها اللجنة. ولكن كوشنفسكي تأخر في ارسال دراسة الخبير البريطاني القانونية الى رئيس الوزراء الاسرائيلي، وبالتالي لم تصل اليه الا بعد يوم من قبول الحكومة الاسرائيلية رسمياً باللجنة وبالقرار 1405. وفور تلقيها الدراسة، قررت الحكومة ان تلتئم للنظر في هذه القضية على ضوء تقرير الخبير «بيت لحم». ومن المرجح ان اعضاء الحكومة عادوا الى خبراء اخرين ثبتوا ما جاء على لسان هذا الاخير، وهكذا اتخذ قرار بالرفض الاسرائيلي القاطع للجنة تقصي الحقائق، بعد اربعة او خمسة ايام في انتظار اعضائها في جنيف للبدء في مهامهم. وازاء هذه التطورات الدراماتيكية، لم يكن بامكان كوفي عنان الامين العام، الا الطلب من اعضاء اللجنة العودة الى منازلهم، طبعاً هناك ضرر كبير سينتج عن هذا القرار سيما وان عنان غير مخول الغاء هذه اللجنة التي الزم بوجودها القرار 1405. ولكن وجهة نظر عنان كانت انه من غير الممكن الطلب من اعضاء اللجنة البقاء الى ابد الابدين في جنيف». بدائل كانت ممكنة يرى المحامي الملاط ان المسألة لن تنتهي عند رفض اسرائيل للجنة تقصي الحقائق، لكنه يأسف الى عدم اتباع بدائل كانت متوافرة، ومن شأنها ان تقفز بالقضية فوق ذلك الرفض. يقول موضحاً: «كان باستطاعة اللجنة اللجوء الى بدائل، من مثل الحصول على معلومات عبر عدد من التقارير المختلفة الصادرة اما عن اشخاص عايشوا الاحداث، او صحافيين وبرلمانيين موجودين هناك «في جنين ومحيطها»، لو حتى مسئولين في الامم المتحدة نفسها ومنهم: تيري رود لارسن، وغيره، اذ ان هناك معلومات كثيرة معروفة ومتداولة حول ما حصل داخل المخيم وحوله. لكن لجوء كوفي عنان الى حل لجنة تقصي الحقائق فقد جاء في الواقع لاسباب غير واضحة تماماً حتى الان وان كانت نتيجة واضحة لضغوط مارستها اسرائيل والولايات المتحدة الاميركية. كذلك فان رفض اسرائيل لهذه اللجنة قد اعطى برهاناً اولياً على مسئوليتها في الانتهاكات التي حدثت في جنين والضفة الغربية لانه لو كانت اسرائيل لا تخشى من ان تنظر لجنة محايدة في ملف اجتياح الضفة، لكانت سمحت لتلك اللجنة من الدخول الى ارضها، ولكنها تعرف بشكل واضح ان هذه اللجنة ستكتشف وتثبت انتهاكات واسعة للمعاهدات والقرارات الدولية. وكذلك فان عدم وجود اللجنة لا يعني ان اسرائيل بريئة وليس من امر يمنع المطالبة بالتحقيق امام قضاء نزيه في عدد من الدول التي تعترف بمعاهدات جنيف الاربعة، او ما يمنع قبول المحاكم في هذه الدول لدعاوى بحق عدد من الاشخاص، ولاسيما القياديين الاسرائيليين بسبب ما حدث في جنيف، وفي الضفة. ولابد من الاشارة هنا الى تقدم عدد من الشخصيات النافذة في «الحزب الاشتراكي الديمقراطي» الحاكم في اسوج، بدعوى امام القضاء السويدي، ضد عدد من المسئولين الاسرائيليين لانتهاكهم القانون الدولي، ولاسيما معاهدة جنيف الرابعة، ومن المحتمل ان تقام دعاوى مماثلة في بلدان اخرى، تعتبر ان معاهدة جنيف قابلة للتطبيق على الارض» جديد صبرا وشاتيلا بانتظار ما ستتمكن لجنة تقصي الحقائق «اذا تمكنت فعلاً» من جمعه حول مجازر جنين، فان مجرد تطور القضية دولياً الى ما آلت اليه بدعوة كوفي عنان اعضاء اللجنة الى «العودة الى منازلهم»!، تشكل برأي المحامي العارضة والبروفيسور الملاط حجر الاساس. بحيث يمكن على قاعدته البناء للتقدم بدعوى دوليا ضد اسرائيل على جرائم الحرب التي ارتكبتها. وبرأي المحامي صبحي غانم الظاهر انه بالامكان تضمين تلك الدعوى شواهد لمجازر عدة وقعت منذ قيام الكيان الصهيوني عام 1948 حتى الان، خاصة بدءا من مجزرة دير ياسين وصولاً الى مجازر قانا وجنين وما حصل ومازال في الحرب الاسرائيلية اليومية على المدنيين في فلسطين منذ اشهر ولغاية الان، وتعريجاً على ضرورة اضافة معلومات جديدة على دعوى سابقة كانت قد اقيمت دوليا ايضا ضد اسرائيل لارتكابها مجازر صبرا وشاتيلا في بيروت خلال اجتياح العام 1982 للبنان، باشراف وقيادة وتوجيه من ارييل شارون نفسه، وبحضوره على الارض بنفسه كوزير للدفاع في الكيان الصهيوني انذاك. يضيف المحامي صبحي غانم ظاهر: «تبرز في هذا المجال اهمية ما نشرته لجنة «ماك برايد» في ملحق تقريرها الختامي، انطلاقا من التعريف القانوني الذي تبنته الامم المتحدة في العام 1948، وفي محاولة لابراز مدى انطباقه على الافعال الجرمية الاسرائيلية المرتكبة في مجزرتي صبرا وشاتيلا، تذكر اللجنة: «ان هناك ابادة حتى في عدم وجود نية للقيام بالتصفية الجسدية الشاملة لمجموعة قومية او ثقافية». ثم جاء في تلك الملاحظة ان اغلبية اللجنة تتبنى وجهة النظر القائلة بان نمط الممارسات الذي تفحصه التقرير: «الممارسات الاسرائيلية في صبرا وشاتيلا، ابتداء من يونيو 1982، يثبت بالتأكيد حول التدمير المتعمد للحقوق القومية والثقافية لهوية الشعب الفلسطيني، وان ذلك يكون شكلاً من اشكال الابادة». اعترافات شارون لا يحتاج اثبات ذلك التأكيد الى عناء البحث عن ادلة «طالما ان شارون نفسه قدم بفمه ما يدينه»، كما يقول المحامي ظاهر الذي يتوقف عند بعض ما ورد في كتاب «مذكرات شارون»، والذي اضيف مضمونه الى ملف الدعوى الاساسية ضد رئيس الوزراء الاسرائيلي: ومن ذلك ما ورد تحديداً في الصفحة 668 من الكتاب والذي يقول انه بتاريخ 15 سبتمبر 1982 قد طار «شارون» الى بيروت ليتحقق من تطبيق هذه العملية، اي مذبحتي صبرا وشاتيلا، وقد استقبله في حينه عقيد في اجهزة المخابرات اضافة الى رئيس اجهزة المخابرات «ساغي» ورئيس اجهزة الامن، ومساعد رئيس «الموساد» في مركز قيادة القوات الاسرائيلية في شمال مطار بيروت على مقربة من المدرج». ثم يتوقف رئيس الاتحاد العام للحقوقيين الفلسطينيين المحامي ظاهر عندما ورد في الصفحة 669 من ذلك الكتاب، المذكرات اذ جاء فيها حرفياً: ثم توجهنا شمالاً حتى مركز القيادة الامامي «لاموس يارون» القائم على سطح مبنى متضرر يقع في جنوب غرب مخيم شاتيلا، هناك وجدت «رفول ايثان» الذي قال انه تحدث صباحاً مع قادة «القوات اللبنانية»، ونسق معهم مشاركتهم في الدخول الى ضواحي صبرا وشاتيلا. فقد تلقوا امراً باعداد تفاصيل عمليتهم مع الجنرال «امير دروري»، قائد الجبهة الشمالية، والمسئول عن القوات الاسرائيلية في لبنان، وافقت على التدابير التي اتخذها رئيس الاركان، ثم اتصلت برئيس مجلس الوزراء «مناحيم بيغن» لاقدم اليه تقريراً عن الوضع، ونستعرض بعض الاحتمالات السياسية». الأدلة قاطعة ويخلص المحامي ظاهر عن عرض بعض الجديد ذاك في ملف الدعوى الدولية ضد شارون، ليسجل الملاحظات الاساسية التالية بقوله: ـ «ان اعتراف شارون انه حضر بنفسه لتدبير مجزرتي صبرا وشاتيلا هو خير دليل، اذ لا اجتهاد يعلو فوق ادلة الاعتراف الشخصية، ولاسيما ان هذا الاعتراف جاء بمحض ارادته، وضمن مذكراته الخاصة. ـ ان «لجنة كاهان» الاسرائيلية التي كلفت بجمع المعلومات والشهادات عن هذه المجزرة قد ادانت شارون الامر الذي رتب على ذلك تقديم استقالته من الحكومة، بعد التأكد من انه اشرف بنفسه على المذبحة، وبالتالي فان «تورط» القوات الاسرائيلية في ما حدث كان بايعاز منه. الجدير ذكره ان اللجنة المذكورة ادانت ايضا كلا من: مناحيم بيغن، اسحاق شامير، وشارون، ورئيس هيئة الاركان الاسرائيلية رفول ايثان، والجنرالين دروري ويارون، ورئيس اجهزة المخابرات في اسرائيل يهوشع ساغي. ـ ان الوقائع التي تثبت وحشية المجرمين وبربريتهم وحقدهم، هجومهم على «مستشفى غزة» في مخيم صبرا، حيث اجتاحوه واقتادوا كلاً من كانوا فيه من اطباء وممرضين وعاملين ومرضى، ذكوراً واناثاً، كباراً وصغاراً، الى خارج المبنى، وقتلوهم جميعهم في لحظة ومكان واحدين، باستثناء الاجانب منهم، كذلك قتل الجنود الصهاينة المرضى على اسرتهم بسب عدم تمكنهم من النزول عنها والمغادرة الى الخارج. ـ وما ورد في صحافة الكيان الصهيوني هو خير دليل على ذلك، فمثلاً جاء في صحيفة «جيروزاليم بوست» الاسرائيلية: «ان ما حصل في بيروت عار على الدولة، وعلى الحكومة، وعلى الجيش الاسرائيلي، وعلى كل مواطن، لقد اصبحنا كلنا شركاء في هذه المجزرة الرهيبة في المخيمات في بيروت الغربية. وقد كان واضحاً ان دخول الميليشيات «اللبنانية» الى المخيمات سيؤدي الى مجزرة، والحكومة والجيش لا يستطيعان ادعاء جهل ذلك او اتهام الاخرين». ـ ما حصل في صبرا وشاتيلا مذبحة خططت لها القيادة العسكرية الصهيونية، ووفرت لها الحماية والوسائل اللازمة، واشرفت على تنفيذها، واوكلت اعوانها، انه ارهاب الدولة في ارقى اشكاله وارفع انواعه. لكن رغم ذلك فقد ادلى شارون بخطاب القاه في الكنيست يوم 22 سبتمبر 1982 تضمن تقريراً حول ما جرى في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في بيروت، نشرت موجزاً عنه صحيفة «معاريف» الصهيونية في محاولة لتبرئة نفسه، وتبرئة حكومته ودولته من الجريمة التي كانت حصيلتها 3297 شهيداً، توزعوا بين 1097 شهيداً في مستشفى غزة و400 شهيد في مستشفى عكا، و1800 شهيد في بيوت وازقة صبرا وشاتيلا. انتهاكات لا تحصى هل يمكن اختصار الانتهاكات الاسرائيلية للقوانين الدولية بعنوان «او عناوين عريضة»، ستتمركز حولها ملفات الدعاوى الدولية ضد شارون والقادة الاسرائيليين عموماً؟ يجيب البروفيسور الملاط: «ان اول ما قامت به اسرائيل من انتهاك للقانون الدولي، وهو انتهاك مستمر ومثبت، كان للقرار الشهير الرقم 194 والمتعلق بالتطهير العرقي في فلسطين. وهذا الانتهاك يشكل جريمة ثابتة ومستمرة الوقع، وطبعاً لم تعاقب اسرائيل على هذا الانتهاك الواضح، بالنسبة للقوانين الدولية. اما الانتهاكات الاخرى فلا تحصى، ومنها ما يتعلق ايضا بالمعاهدة الرابعة، مثل ما حصل من تدمير واسع للمدن والقرى الفلسطينية والبالغ عددها نحو 400، واختفت عن بكرة ابيها. وهذا الانتهاك يعاقب عليه القانون بشكل واضح، والمنصوص عنه في اتفاقية جنيف الرابعة، والاعراف الدولية انذاك. وهناك ايضا المجازر المختلفة كمجزرة دير ياسين ومجزرة كفر قاسم التي ارتكبتها القوات الاسرائيلية ضد مدنيين في فلسطين كما في الضفة الغربية. وهناك ايضا حديث عن انتهاكات صارخة لحقوق الجنود المصريين سنة 1956 في معركة السويس، حيث تم اعدام وقتل عدد كبير منهم بعد استسلامهم، وهذا طبعاً يثبت ارتكاب جرم الحرب وجرم انتهاك معاهدة جنيف الاولى. ومن الانتهاكات ايضا الدمار الواسع الذي نراه حاليا في مخيم جنين «مثلاً»، حيث استهل العدو الاسرائيلي «البلدوزر» لجرف المنازل، اما في لبنان فجرائم اسرائيل لا تحصى ولا تعد، اهمها الاجتياحات في عامي 1978 و1982، وكذلك الهجوم على مطار بيروت الدولي في العام 1968، اضافة الى مجازر صبرا وشاتيلا وقانا... والقتل المتعمد لاشخاص من دون محاكمتهم، كما حصل بالنسبة للقياديين الفلسطينيين في لبنان عام 1970. وهذه الجرائم مستمرة لغاية الان بما يعرف بـ «القتل المستهدف»، وهذه جريمة تعاقب عليها معاهدة جنيف الرابعة». ويقول الدكتور عادل محمد البياتي «من الامانة العامة لجامعة الدول العربية» حول السؤال المشار اليه حول عناوين الانتهاكات من العسير ان نحيط بكافة جرائم الحرب الاسرائيلية التي ارتكبتها اسرائيل في فلسطين ولبنان والجولان وسيناء. فقد اتبعت اساليب كثيرة ومتنوعة لتحقيق اطماعها منها الاغتيال السياسي داخل فلسطين وخارجها، واخذ الرهائن ثم قتلهم، نسف البيوت والمباني السكنية، نسف وتخريب المنشآت المدنية والبنية الاساسية، ضرب الاحياء المدنية باستعمال قنابل «النابالم» و«القنابل العنقودية المحرمة دولياً»، شن حرب نفسية لحمل المدنيين على الرحيل لنهب المدن والقرى، اغتيال موظفي الامم المتحدة «الكونت برنادوت»، مصادرة جماعية لممتلكات النازحين والغائبين، هدم قرى واحياء سكنية بكاملها مثل «حي المغاربة»، وتشريد سكانها هجوم على مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، طرد قادة فلسطينيين واغتيال اخرين. وقامت اسرائيل بانتهاكات لا تعد ولا تحصى، ويمكن التوقف عند بعض عناوينها وهي: ـ اعمال قتل العمد الفردي والجماعي في فلسطين ولبنان والجولان، واخراج السكان من اراضيهم، ومصادرتها وترحيلهم وطردهم، واعتقالهم وسجنهم، وتعذيبهم حتى الموت، وقتل وذبح سكان قرى عربية، منها مذبحة دير ياسين الذي استشهد فيها «245 رجلاً وامرأة وطفلاً»، ومذبحة قبية «42 شهيداً» ومذبحة خان يونس «245 شهيداً» ومذبحة مخيم اللاجئين في رفح «111 شهيداً» وغيرها الكثير. ـ انتهاك الحرمات المقدسة للعرب والمسلمين، ففي القدس والخليل قامت بحرق المسجد الاقصى، وارتكاب مذبحة الحرم الابراهيمي «30 شهيداً في العام 1994». ـ محاصرة المدن والقرى والاحياء السكنية وفرض منع التجول. هل الدعاوى تجدي؟ ـ لن يكون هناك اسهل من اثبات الانتهاكات الاسرائيلية للقوانين والاعراف الدولية، لكن ربما لن يكون هناك اصعب من ان تؤتي اية دعوى دولية ضد جرائم اسرائيل بنتائجها المتوخاة في الادانة والمحاكمة والعقوبات، فهل من جدوى من اية دعوى عربية في هذا الاطار؟ ـ يجيب رئيس اتحاد الحقوقيين الفلسطينيين في لبنان المحامي ظاهر: «لا يمكن لاية دعوى ضد جرائم الحرب الاسرائيلية الا ان تؤتي ثماراً. قد تكون دون المطلوب، وربما لاقت عثرات، لكن لابد من اقامتها والاستمرار فيها حتى اخر الطريق. وذلك، على الاقل من منطلق ان العدالة يجب ان تسود في الكون دون تمييز عرقي او ديني، حسب ما نصت عليه كافة الشرائع الدولية، فجرائم العصابات الصهيونية هي جرائم متمادية ومستمرة، ويتجاوز امتدادها لحظة ارتكابها، اضافة الى انها جرائم ينطبق عليها الوصف بانها جرائم تتصف باستمرار الفعل الجرمي، اي امتداده زمنياً وتكراره، لان الاستمرار والتمادي واضحان وجليان، وذلك على الاقل ايضا، من خلال ما يقوم به شارون ضد الانتفاضة الفلسطينية في الارض المحتلة من حصار وقتل للمدنيين وتدمير للبنية التحتية وجرف للاشجار والمزروعات، وممارسة ارهاب الدولة، وذلك بالاغتيال طبقاً لقوائم معدة سلفاً. وتعتبر مثل هذه الاعمال وفق ما يرى القانون، جرائم بحد ذاتها ذات اثر مستمر مما يعني ان مرور الزمن لا ينطبق عليها. ووفق القانون الدولي ايضا، فان مثل تلك الاعمال هي جرائم ضد السلام العالمي وضد المصالح الدولية التي يحرص القانون الدولي الجنائي على حمايتها، وان تهديده او الاعتداء عليه، يمثل خطورة جسيمة وضرراً بليغاً بالمجتمع الدولي يتعين التصدي له وتجريمه، لان الاثار السيئة لهذا الاعتداء تؤثر على المجتمع الدولي بأسره. وبسبب هذه الاثار لم يقتصر القانون الجنائي على تجريم حرب الاعتداء فقط، وانما حرم ايضا الافعال السابقة على وقوعها مثل الاعداد او التحضير او الدعايات لها، وهذا ما عبر عنه مثلا، المجرم مناحيم بيغن وهو يخاطب الاسرائيليين بقوله: «ان قلوبكم ايها الاسرائيليون لا يجب ان تتألم وانتم تقتلون عدوكم، ولا ينبغي ان تأخذكم بهم شفقة، طالما اننا لم ننقض بعد على ما يسمى بالثقافة العربية التي سوف تبنى على انقاضها حضارتنا الخاصة». البروفيسور الملاط يجيب عن السؤال نفسه بقوله: «بالطبع، يمكن القول ان الدعاوى القانونية الدولية تشكل خطراً يهدد المسئولين السياسيين والعسكريين في اسرائيل، فالخطر الجدي يلوح للاسرائيليين الان، والدعوى المقدمة في السويد ضد جرائم الحرب الاسرائيلية جدية. وعلى الاطراف الذين هم الضحايا والدول العربية، اعارة هذه القضية الاهمية الاساسية التي تستحقها، وترتيب ملفات بمستوى المطلوب علمياً وقانونياً، يمكن الادلاء بها لدى عدد من المحاكم القضائية الغربية. لقد كانت المشكلة في السابق ولغاية الان غياب المحاكم القضائية العالمية التي تقبل دعوى في هذا الصدد، انما التغيير قد حصل في العقد الاخير عالمياً، لجهة تجريم اشخاص بسبب ارتباطهم بجرائم واسعة النطاق، تنتهك القانون الدولي، ولقد رأيناها في يوغسلافيا السابقة وفي رواندا، وفي قضية «بينوشي»، وفي عدد كبير من القضايا المرتبطة بمحاكمة مسئولين سابقين انتهكوا حقوق الانسان بشكل واسع في اميركا الجنوبية وهم الان سجناء. وبالتالي فقد بات بامكاننا القول، بان هناك تقدماً راسخاً للقانون الجنائي الدولي على المستويين الداخلي والدولي، والتي لاتزال الان محصنة منه. ولكن بعد المثابرة والمتابعة والمطالبة بها، بشكل قانوني دقيق، فاننا سنتوصل حتماً الى معاقبة المسئولين الاسرائيليين على الجرائم الكبرى التي ارتكبوها في السنوات الماضية. والواقع المشكلة الحقيقية هي ان صوت الضحايا غير مسموع عند الولايات المتحدة الاميركية، ومن المعروف ان السيطرة الاسرائيلية على وسائل الاعلام هناك بغنى عن التعريف، انما هذا لا يعني ان الامكانيات المتاحة في الولايات المتحدة غير موجودة في مكان اخر. فمن الممكن، ومن المنتظر ان تقام دعاوى ايضا ضد الانتهاكات الاسرائيلية، داخل الولايات المتحدة نفسها، وهذا ليس مستحيلاً، وقد تكون الحكومة الاميركية غير قادرة على منع ذلك والوقوف في وجهه، نظراً لوجود قضاة محترفين في الولايات المتحدة، اضافة الى وجود اوساط مهيأة للقبول بهذه الدعوى. اضافة الى ان هناك قانونيين عرباً اكفاء ولديهم الاستعدادات الكبيرة للمطالبة بتطبيق القوانين والشرعية الدولية، لكن وللاسف هناك تقصير من معظم الدول العربية لناحية عدم ارتباطها بالمحكمة الجنائية الدولية التي بدأت بمزاولة عملها في مطلع يوليو 2002، وصادقت عليها لغاية الان 67 دولة».