ساقتني الصدفة الى قاعة الشارقة صباح الثلاثاء السادس من اغسطس الجاري، وبدلا من لقاء الشخص الذي حضرت من اجله والذهاب في سبيلي دفعني الفضول الى ان اشهد طرفا من الحدث الذي كان يجري في القاعة ذلك الصباح. وسعدت بما شهدت فبقيت في القاعة اطول مما كنت أظن بالرغم من ان موضوع الملتقى كان بعيدا عن اهتماماتي، لكن الفكرة والحضور والكلمات التي قيلت في الافتتاح كانت تدل على انفتاح وعقلانية وانا مفتون بكليهما، وأحسب أن ازمة الحكم تكمن في تجاهلهما. كان المؤتمر من تنظيم المجلس الأعلى للبيئة والموارد الطبيعية لمناقشة ورقة السودان التي سيقدمها في مؤتمر القمة بجوهانسبرغ حول قضية «التنمية المستدامة» في سبتمبر المقبل، وان الورقة قابلة للتنقيح والتطوير من خلال مناقشات المؤتمر. وأعجبني ان يقدم المجلس الأعلى للبيئة في عهد الانقاذ على عرض وثيقته الدولية علنا امام الخبراء وآل الاختصاص ليستمع الى مقترحاتهم وتوصياتهم ويتعهد بالاخذ بها. والقضية المطروحة لا تخلو من بعد سياسي الا انه بعد غير مؤثر على مفاصل السلطة التي لا تريد الانقاذ لأحد ان يقترب منها، ولكنها خطوة الى الامام نرجو ان تتبعها خطوات. وقد خلت القاعة من المظاهر الاحتفالية التي تصحب مؤتمرات السلطة عادة، وذلك رغم وجود وزير البيئة والموارد الطبيعية اللواء التيجاني ادم الطاهر على رأس المنصة. وكان الحضور محدوداً لكنه متميز اذ جمع معظم خبراء البيئة والموارد الطبيعية في الجامعات والمؤسسات والمصالح الحكومية، ولا تكاد ترى في ذلك الجمع الوجوه المعهودة التي تجدها في كل مؤتمر حكومي من أجل الوجاهة والتعرض للمسئولين واظهار الولاء، بل لعل الجمع كانت تغلب عليه مسحة يسارية خفيفة هي بقية من اثار شباب غابر! وكان رئيس جلسة الافتتاح عميد المنظمات الطوعية في الخرطوم وأكثرهم نشاطا في مجال البحوث والدراسات، الدكتور عبدالرحيم بلال مدير منظمة فريدريش ايبرت الألمانية. ولا أدري الصفة التي جعلته رئيسا لذلك الاجتماع ولكن ايا كانت تلك الصفة فقد أعطى القوس باريها، ومثار دهشتي انه ليس فقط من خارج آل البيت بل من خارج دائرة المؤلفة قلوبهم! ولكن الدهشة الحقيقية كانت في ان اثنين من ثلاثة معلقين على ورقة السودان كانا من ركائز اليسار المعتق في قامة د. جلال الدين الطيب ود. جعفر كرار وكلاهما ضليع في مجاله ومكتوي بهموم الوطن. وكدت اقول ماذا دهى الانقاذ؟ لعلها دلائل نضج متأخر، فما كانت الانقاذ في وقت سابق تدعوهما وما كانا يستجيبان لدعوتها! ووزعت ورقة السودان لكل من حضر اللقاء حتى أمثالي من عابري السبيل، وجاءت في 37 صفحة كتبت بلغة انجليزية رصينة وبصياغة علمية رفيعة، وقدم تلخيصا للورقة الدكتور يعقوب عبدالله في سرد علمي موجز. أثنت الورقة على مجهودات الحكومة في تنفيذ توصيات مؤتمر ريديجانيرو حول البيئة خاصة في مجال وضع الخطط وتحديد الهياكل، ولكنها ذكرت بوضوح جوانب القصور مثل عدم اكتمال الهياكل، وقصور التمويل، وضعف الدعم السياسي قيل ذلك بلهجة عامة متزنة لا تستفز اذان الحكومة ذات الحساسية المفرطة. وبعض الحقائق حول البيئة كانت مزعجة مثل ان مساحة الغابات انحسرت في السودان من 36% الى أقل من 19%، وان مساحة التصحر بلغت 26% من حجم البلاد. وجاءت كلمة اللواء التيجاني آدم الطاهر في ختام جلسة الافتتاح مختصرة ومفيدة وفي صميم الموضوع، اعجبني منها عتابه للاساتذة والخبراء لانهم لم يأتوا بطلابهم من أقسام الدراسات العليا الذين يدرسون البيئة والمياه والموارد الطبيعية لهذا المؤتمر الذي سيكون بمثابة تدريب لهم في مجالاتهم كما يعرفهم بأحدث المعلومات التي يتداولها الخبراء عن البيئة في السودان. ولا ادري كيف فات ذلك على الاساتذة ولم يفت على عسكري محترف. فالتحية للمجلس الأعلى للبيئة على هذا المؤتمر الناجح سياسيا ومهنيا، وللواء الطاهر الذي أخذ بأسباب النجاح. وان جاز مثل ذلك الحضور الجامع في مجال التنمية المستدامة فلم لا يجوز في مناقشة اتفاق ماشاكوس؟ او تعديل الدستور؟ او قانون الاحزاب؟ او غيره من قضايا الوطن المصيرية. ويقيني ان النتيجة لن تكون أقل نجاحا حتى بمقاييس الحكومة المتعسفة!.