من المهم بالنسبة لنا إستمرار قراءة التغيرات المتواصلة في إتجاهات الرأي العام الإسرائيلي، لأننا نحن معشر الباحثين عن سلام عادل سنقيم سلاماً، ليس مع أشباح، بل مع أبناء المجتمع الآخر، والنقطة المحورية أن يصل نصف أبناء المجتمع +1 للسلام بالشروط التي تحقق العدالة القادرة على الديمومة. السلام المفروض بقوة السيوف يلدُ حروباً ولو بعد حين. في إستطلاع نهاية الأسبوع الماضي «82» الذي أجراه معهد ماركت ووتش ونشرته «معاريف» كما تفعل كل أسبوع، ظهرت حقائق جديدة نسبياً فقد تراجعت شعبية شارون نقطتين في أسبوع: من 54إلى 52% فيما كانت قد وصلت القمة عشية عملية «السور الواقي»: الإجتياح الأول لكافة المدن الفلسطينية، ووصلت يومها حوالي 68% والسبب واضح: لقد هدأت «البلاد» بضعة أيام وتصور الحالمون بالأمن في كل حركاتهم اليومية أن الهدف قد تحقق أو يقترب من ذلك وكانت النتائج مخالفة للتوقعات. تراجعت شعبية شارون، ليس فقط لفشله في تحقيق الأمن الشخصي الذي وعد به المواطنين، بل أيضاً بسبب الأزمة الإقتصادية الإجتماعية التي قد تسقطه في نهاية المطاف. تلك توقعات رئيس حزب العمل بنيامين بن أليعازر في إجتماع الحزب منذ أيام حيث توقع إنتخابات مبكرة وتوقع أن تنضم حركة شاس لإسقاط الحكومة، بسبب الميزانية وملحقاتها وإستقطاعاتها على حساب الفقراء: جمهور حركة شاس التي أسقطت أغلب الحكومات في إسرائيل خلال العشر سنوات الأخيرة 75% من الجمهور حسب الإستطلاع سابق الذكر قالوا إنهم غير راضين عن سياسة شارون الإقتصادية والإجتماعية. المفارقة أنه حسب مقياس السلام مازالت هناك أغلبية تؤيد قيام دولة فلسطينية «مع تعديلات محدودة» وإزالة العديد من المستوطنات، وفي الوقت نفسه شعبية بنيامين ناتانياهو الذي يطالب بإعادة الإحتلال وإنهاء السلطة الفلسطينية تماماً. حسب إستطلاع معهد ماركت ووتش فإن 32% قالوا إنهم يؤيدون شارون زعيماً ورئيساً لليكود في الإنتخابات القادمة «وكانت النسبة 44% في الإستطلاع السابق بنزول ساحق وهو اثنتا عشرة نقطة مرة واحدة» فيما إرتفعت شعبية بنيامين ناتانياهو ليترأس الليكود في الانتخابات القادمة «من 28 إلى 31 بالمئة» وتفسير ذلك، كما يقول البروفيسور في جامعة حيفا والباحث في مركز جافي أشر إريان في دراسته المنشورة منذ أيام حول الرأي العام الإسرائيلي وقضايا الأمن القومي لعام 2002م، وهو أن الإسرائيليين إتجهوا نحو اليمين عام 2002م ولكن الخيار السياسي، على المدى الطويل، بقى قائماً. يريدون قائداً متشدداً ليحقق الأمن، بمزيد من القوة، وقائداً معتدلاً بعد ذلك ليحقق السلام. أغلب الصحف الإسرائيلية تحدثت في الأيام القليلة الماضية عن إجتياز خط الستمئة قتيل إسرائيلي وهو الرقم الذي دفع مناحيم بيغن بعد غزو لبنان صيف 1982م، للإعتكاف في منزله شعوراً بالكآبة، حتى وفاته. شارون من طراز آخر ولا يوجد في الأفق أنه سيتجه نحو الإعتزال، ما لم يقتنع الإسرائيليون أن مزيداً من القوة لا يحقق ما لم تحققه القوة «كما يقول شارون»، وأن فتح أبواب أفق سياسي حقيقي هو المخرج الوحيد: أبواب الأمل في سلام فعلي يقوم على توازن المصالح وليس توازن القوى: مصالح آنية، لحفظ حياة البشر وإنسانية الإنسان، ومصالح إستراتيجية بعيدة المدى لصالح الأجيال القادمة. مازال التطرف المباشر سيد الموقف، إذ رأى «حسب الإستطلاع السابق 66% «من المستطلعين» بفتح اللام» أن إغتيال شحادة رغم أنه أدى لمقتل 12 طفلاً هو عمل سليم، والغريب أن أغلبيتهم تعتقد أن ذلك لن يؤدي لتقليص ما يصفونه بالإرهاب ومع ذلك فقد أيدت الأغلبية تلك المجزرة. الأغلبية نفسها مازالت تؤيد حلاً سياسياً يقوم على أساس دولتين لشعبين وتظهر في كل أسبوع سيناريوهات جديدة للحلول السياسية القادمة من شخصيات معتدلة «عامي أيالون وشلومو بن عامي ويوسي بيلين ورامون وغيرهم». هذه هي المفارقة. ما سياستنا إزاء هذه الحقائق، والتطورات والإحتمالات؟ لا أعرف.